الحرب التجارية تشتعل.. أوروبا «تنتفض» ضد رسوم ترامب الجمركية
دخلت العلاقات التاريخية عبر الأطلسي في نفق مظلم هو الأخطر منذ عقود، مع تسارع وتيرة المواجهة بين إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب والاتحاد الأوروبي. وفيما بدأ سفراء الاتحاد في بروكسل صياغة حزمة عقوبات انتقامية ضخمة تناهز 108 مليارات دولار، في حال مضى الرئيس الأميركي دونالد ترمب في تنفيذ تهديده بفرض ضريبة بنسبة 10 % على الدول الأوروبية اعتباراً من الأول من فبراير.
أعلنت العواصم الأوروبية رفضها القاطع لما وصفته بـ«سياسة الابتزاز» الأميركية، وسط احتجاجات عارمة في القطب الشمالي وتأهب قلق في الأسواق العالمية.
وكان ممثلو الدول الأعضاء الـ27 قد عقدوا اجتماعاً يوم الأحد لبدء التحضير للخيارات المطروحة.
أوروبا تشحذ سلاحها التجاري في معركة غرينلاند
ومن المقرر أن يعقد قادة الاتحاد الأوروبي اجتماعاً طارئاً في بروكسل في وقت لاحق من هذا الأسبوع، لبحث خيارات الرد. وقال رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا في منشور على مواقع التواصل الأحد، إن دول الاتحاد موحدة في دعمها للدنمارك وغرينلاند، وعلى استعداد «للدفاع عن أنفسنا في وجه أي محاولة للإكراه».
وكان ترمب أعلن السبت فرض رسوم جمركية بنسبة 10 % على واردات من ثماني دول أوروبية بدءاً من الأول من فبراير، على أن تُرفع إلى 25% في يونيو ما لم يتم التوصل إلى اتفاق «لشراء جزيرة غرينلاند». وجاء هذا التهديد بعدما أعلنت تلك الدول عزمها تنفيذ تدريبات تخطيط عسكري رمزية لحلف شمال الأطلسي في الجزيرة الدنماركية شبه المستقلة.
ندد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بتصريحات ترمب، واصفاً إياها بأنها «خاطئة تماماً»، بينما شدد رئيس وزراء السويد أولف كريسترشون على أن بلاده «لن تقبل الابتزاز».
من جانبه، اعتبر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون التهديد «غير مقبول»، ويخطط لطلب تفعيل أقوى أدوات الرد التجاري لدى الاتحاد الأوروبي، المعروفة بـ»أداة مكافحة الإكراه».
البرلمان الأوروبي يعلق الاتفاق التجاري مع واشنطن
جاء أول ردّ ملموس من الاتحاد الأوروبي عبر تجميد المصادقة على اتفاق التجارة مع الولايات المتحدة المُبرم في يوليو، والذي لا يزال بحاجة إلى موافقة البرلمان الأوروبي. وأعلنت «مجموعة حزب الشعب الأوروبي» – أكبر الكتل البرلمانية – أنها ستنضم إلى أحزاب أخرى لعرقلة التصديق على الاتفاق.
وقال ستيفان لوفن، رئيس «حزب الاشتراكيين الأوروبيين»، في بيان صدر الأحد «الرئيس ترمب أطلق انهياراً جارفاً يهدد بتقويض عقود من التعاون عبر الأطلسي».
وأعرب الحزب، الذي يشكّل ثاني أكبر كتلة في البرلمان الأوروبي، عن دعمه لتعليق الاتفاق، ودعا الاتحاد إلى النظر في تفعيل أداة مكافحة الإكراه.
وكان الاتفاق التجاري تعرض أصلاً لانتقادات واسعة في أوروبا على اعتبار أنه يميل بشكل مفرط لصالح واشنطن. إذ وافق بموجبه الاتحاد على إلغاء الغالبية العظمى من الرسوم الجمركية المفروضة على السلع الأميركية، مقابل قبول رسوم بنسبة 15 % على معظم صادراته إلى الولايات المتحدة، و50 % على صادرات الصلب والألمنيوم. ومنذ ذلك الحين، وسّعت واشنطن قائمة المنتجات المشمولة بنسبة الـ50% لتشمل مئات السلع الإضافية التي تحتوي على المعادن.
وكان الاتحاد الأوروبي سبق أن أقر بالفعل رسوماً مضادة على واردات أميركية بقيمة 93 مليار يورو، لكنه علق تنفيذها.
وبحسب الأشخاص المطلعين، يمكن للاتحاد إعادة تفعيل هذه الإجراءات فوراً إذا نفذ ترمب تهديده وفرض الرسوم في مطلع فبراير.
رسوم ترمب توجه ضربة للأسهم الأوروبية
من المتوقع أن تستهدف الإجراءات الأوروبية سلعاً صناعية أميركية، تشمل طائرات «بوينغ»، والسيارات المصنعة في الولايات المتحدة، والبوربون.
قد تلقي تهديدات ترمب بفرض رسوم جمركية بثقلها على موجة صعود الأسواق الأوروبية، التي تفوقت مؤخراً على نظيرتها الأميركية، مدفوعة بتدفق الاستثمارات نحو قطاعات متنوعة مثل الدفاع والتعدين وصانعي معدات الرقائق. وتستفيد التوقعات الاقتصادية في المنطقة من زيادة الإنفاق المالي في ألمانيا، وخفض أسعار الفائدة، وتنامي الآمال بتحسن الأرباح.
وبحسب تقديرات «بلومبرغ إيكونوميكس»، إن مضي ترمب في فرض رسوم بنسبة 25 % قد تتراجع صادرات الدول المستهدفة إلى الولايات المتحدة بما يصل إلى 50 %، مع تعرض ألمانيا والسويد والدنمارك لأكبر الأضرار.
«أداة مكافحة الإكراه»… سلاح أوروبا في وجه ترمب
يشكل تهديد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بتفعيل «أداة مكافحة الإكراه» تصعيداً كبيراً من جانب الاتحاد الأوروبي، إذ لم تُستخدم هذه الأداة من قبل، وقد صممت أساساً كوسيلة ردع، مع إمكانية اللجوء إليها في حال تعرض الاتحاد أو أعضائه لإجراءات إكراه متعمدة من أطراف خارجية تهدف إلى التأثير على السياسات الأوروبية.
وتشمل التدابير الممكنة بموجب هذه الأداة فرض رسوم جمركية، أو ضرائب جديدة على شركات التكنولوجيا، أو قيوداً على الاستثمارات في الاتحاد الأوروبي. كما قد تتضمن الحد من دخول بعض الأسواق الأوروبية أو منع شركات من المشاركة في المناقصات العامة في أوروبا.
قال إغناسيو غارسيا بيرسيرو، المسؤول السابق في المفوضية الأوروبية الذي كان مكلفاً بالمفاوضات التجارية مع الولايات المتحدة، إن على المفوضية «تفعيل أداة مكافحة الإكراه فوراً وعلى المجلس الأوروبي منح الضوء الأخضر لفرض رسوم مماثلة على الواردات الأميركية»، وأضاف «إذا عجز الاتحاد الأوروبي عن إظهار التضامن مع الدنمارك والدول المستهدفة، فسيفقد كل ما يملكه من مصداقية وشرعية».
واشنطن تستخف
بالرد الأوروبي
في المقابل، قلل وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسينت من أهمية التهديدات الأوروبية بتجميد اتفاق الرسوم الجمركية الذي أُبرم مع ترمب العام الماضي، قائلاً في مقابلة مع برنامج Meet the Press على شبكة «أن بي سي» إن الرئيس الأميركي يستخدم النفوذه الاستراتيجي لتحقيق ما يريد.
وأضاف بيسينت: «الأوروبيون يُظهرون الضعف، والولايات المتحدة تُظهر القوة. وفي النهاية، سيدرك القادة الأوروبيون أنهم بحاجة إلى البقاء تحت المظلة الأمنية الأميركية».