الحرب تشعل أسعار الغاز والنفط وتربك الاقتصاد الدولي
شهدت أسواق الطاقة العالمية واحدة من أعنف الهزات في السنوات الأخيرة، بعد تصاعد الهجمات على البنية التحتية للطاقة في الخليج، وهو ما أدى إلى اضطرابات عميقة في سلاسل الإمداد العالمية، وأعاد إلى الواجهة مخاطر الاعتماد المفرط على مصادر محددة للطاقة.
الغاز الطبيعي: أزمة تتجاوز الحدود
قفزت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا بشكل حاد، مع تسجيل ارتفاعات تجاوزت 30 % خلال جلسة واحدة، عقب تعرض منشأة رأس لفان في قطر—أكبر مركز لتسييل الغاز الطبيعي في العالم لأضرار كبيرة نتيجة هجمات مباشرة.
تمثل هذه المنشأة نحو 20 % من صادرات الغاز الطبيعي المسال عالمياً، ما يجعل أي تعطّل فيها ذا تأثير فوري وعميق على السوق العالمية. وبحسب تقديرات وكالة الطاقة الدولية (IEA)، فإن أسواق الغاز المسال تتميز بحساسية عالية لأي انقطاع مفاجئ، نظراً لمرونة العرض المحدودة على المدى القصير.
ورغم أن الإمدادات كانت متأثرة مسبقاً بسبب التوترات الجيوسياسية، فإن الأضرار الأخيرة تعزز سيناريو استمرار النقص لفترة أطول، خاصة مع غياب جدول زمني واضح لإعادة التشغيل الكامل.
أوروبا في مواجهة اختبار جديد
تأتي هذه التطورات في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة لأوروبا، التي خرجت من فصل الشتاء بمخزونات منخفضة نسبياً مقارنة بالسنوات السابقة. ووفقاً للمفوضية الأوروبية، تحتاج الدول الأوروبية إلى تكثيف عمليات الشراء خلال الصيف لإعادة ملء المخزونات قبل الشتاء القادم.
لكن الأزمة الحالية تضع أوروبا في منافسة مباشرة مع آسيا على شحنات الغاز، ما قد يؤدي إلى:
● ارتفاع إضافي في الأسعار
● زيادة تكاليف الطاقة على الصناعات
ضغوط تضخمية جديدة
ويحذر محللون في مؤسسات مثل Bloomberg Intelligence من أن استمرار تعطل الإمدادات قد يعيد سيناريو أزمة الطاقة الأوروبية لعام 2022، ولكن بشكل أكثر تعقيداً بسبب تعدد بؤر التوتر.
النفط: عودة الأسعار الثلاثية
لم تكن أسواق النفط بمنأى عن هذه الصدمة، حيث قفز خام برنت بنسبة تقارب 10 % ليتجاوز 118 دولاراً للبرميل، مدفوعاً بمخاوف تعطل الإمدادات من الشرق الأوسط.
وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي (IMF) إلى أن كل ارتفاع بمقدار 10 دولارات في أسعار النفط قد يؤدي إلى خفض النمو العالمي بنحو 0.2 نقطة مئوية، وزيادة التضخم بشكل ملحوظ في الاقتصادات المستوردة للطاقة.
هذا الارتفاع يعكس عدة عوامل متداخلة:
● تهديد البنية التحتية للطاقة
● مخاطر إغلاق أو تعطيل مضيق هرمز
● ارتفاع تكاليف التأمين والشحن
الذهب والمعادن: تباين في الأداء
في ظل حالة عدم اليقين، عاد الذهب ليؤدي دوره التقليدي كملاذ آمن، حيث ارتفعت أسعاره بعد موجة تراجع، مدعوماً بعمليات شراء عند الانخفاض.
لكن على الجانب الآخر، شهدت المعادن الصناعية مثل النحاس تراجعاً ملحوظاً، نتيجة المخاوف من تباطؤ الاقتصاد العالمي وارتفاع تكاليف الطاقة، وهو ما يضغط على النشاط الصناعي.
هذا التباين يعكس معادلة معروفة في الأسواق:
● الذهب يستفيد من الأزمات
● المعادن الصناعية تتضرر من تباطؤ النمو
الأسواق الناشئة: الحلقة الأضعف
تأثرت الأسواق الناشئة بشكل مباشر بارتفاع أسعار الطاقة، حيث سجلت الأسهم والعملات تراجعات ملحوظة، خاصة في آسيا.
تعتمد العديد من هذه الدول على استيراد الطاقة، ما يجعلها عرضة لعدة ضغوط:
● ارتفاع فاتورة الواردات
● تراجع العملات المحلية
● زيادة العجز في الميزان التجاري
ويحذر Morgan Stanley من أن استمرار الأزمة قد يؤدي إلى تصحيح في الأسواق الآسيوية يصل إلى 15–20 %، في حال استمرار الصدمة النفطية.
الصين: نموذج للمرونة الاستراتيجية
في المقابل، تبدو الصين في وضع أفضل نسبياً للتعامل مع صدمة الطاقة، بفضل مجموعة من الأدوات الاستراتيجية:
1. تنويع مصادر الإمداد
تعتمد الصين بشكل متزايد على خطوط الأنابيب مع روسيا وكازاخستان، ما يقلل من اعتمادها على الشحنات البحرية من الشرق الأوسط.
2. الاحتياطيات الاستراتيجية
تمتلك بكين مخزوناً ضخماً من النفط يقدر بأكثر من مليار برميل، وهو ما يكفي لتغطية أشهر طويلة من الاستهلاك.
3. السياسات الحكومية
تشمل:
● فرض قيود على صادرات الوقود
● التحكم في الأسعار المحلية
● دعم المصافي
هذه السياسات تمنح الصين قدرة أكبر على امتصاص الصدمات مقارنة بالعديد من الاقتصادات الأخرى.
إعادة تشكيل تدفقات النفط العالمية
أدت الأزمة إلى إعادة رسم خريطة تدفقات النفط، حيث ارتفعت واردات الولايات المتحدة من النفط الفنزويلي بشكل ملحوظ، في حين زادت صادراتها من النفط الصخري لتعويض نقص الإمدادات في الأسواق العالمية.
هذا التحول يعكس:
● مرونة السوق الأمريكية
● إعادة توزيع مصادر الطاقة عالمياً
● تراجع الاعتماد النسبي على الشرق الأوسط
كما أن ارتفاع المخزونات الأمريكية ساهم في تخفيف حدة الصدمة داخلياً، رغم استمرار ارتفاع أسعار الوقود للمستهلكين.
السياسات الحكومية:
تدخلات لاحتواء الأزمة
بدأت بعض الدول باتخاذ إجراءات مباشرة للتخفيف من آثار ارتفاع الأسعار. ففي إيطاليا، تم إقرار خفض في أسعار الوقود بنحو 0.25 يورو لكل لتر، إلى جانب إجراءات لمكافحة المضاربة ودعم قطاع النقل.
وتعكس هذه السياسات توجهاً عالمياً نحو:
● حماية المستهلكين
● الحد من التضخم
● دعم القطاعات الحيوية
روسيا: لاعب لا يزال مؤثراً
أكـدت روسيا استمرارها في توريد الطاقة بأسعار السوق، رغم العقوبات، في محاولة للحفاظ على حصتها في السوق العالمية.
وتشير تقديرات إلى أن روسيا قد تستفيد جزئياً من ارتفاع الأسعار، عبر زيادة عائداتها، حتى في ظل القيود المفروضة على صادراتها.
تباين قدرة الدول على
امتصاص الصدمات
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن العالم يدخل مرحلة جديدة من «اقتصاد الأزمات»، حيث تصبح الطاقة عاملاً محورياً في تحديد مسار الاقتصاد العالمي، وليس مجرد مدخل إنتاج.