تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحماية‭ ‬من‭ ‬الإفلاس‭ ‬والتسوية‭ ‬الوقائية‭ ‬وإعادة‭ ‬الهيكلة

VV50

ثالثاً‭: ‬إعادة‭ ‬الهيكلة‭ ‬وسيلة‭ ‬لإنقاذ‭ ‬المشروع‭ ‬القابل‭ ‬للاستمرار
تقوم‭ ‬إعادة‭ ‬الهيكلة،‭ ‬في‭ ‬جوهرها،‭ ‬على‭ ‬افتراض‭ ‬قابلية‭ ‬المشروع‭ ‬للاستمرار‭. ‬فلا‭ ‬مجال‭ ‬لإخضاع‭ ‬مشروع‭ ‬منهار‭ ‬بالكامل‭ ‬لإعادة‭ ‬الهيكلة،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬هذه‭ ‬الآلية‭ ‬لا‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬إحياء‭ ‬الكيانات‭ ‬الميؤوس‭ ‬منها،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬إنقاذ‭ ‬المشاريع‭ ‬التي‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬تمتلك‭ ‬حدًا‭ ‬أدنى‭ ‬من‭ ‬المقومات‭ ‬الاقتصادية‭.‬
فإعادة‭ ‬الهيكلة‭ ‬التي‭ ‬تقتصر،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬على‭ ‬تغيير‭ ‬الشكل‭ ‬القانوني‭ ‬للمشروع،‭ ‬تكون‭ ‬عديمة‭ ‬الجدوى‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬المتبقي‭ ‬غير‭ ‬كافٍ‭ ‬لتدوير‭ ‬النشاط‭ ‬أو‭ ‬تمويل‭ ‬العمليات‭ ‬الأساسية،‭ ‬كشراء‭ ‬السلع‭ ‬أو‭ ‬البضائع‭ ‬اللازمة‭ ‬لتسيير‭ ‬العمل‭. ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬الحالة،‭ ‬يكون‭ ‬تآكل‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬قد‭ ‬بلغ‭ ‬حدًا‭ ‬يستحيل‭ ‬معه‭ ‬تحقيق‭ ‬أي‭ ‬أثر‭ ‬عملي‭ ‬لإعادة‭ ‬الهيكلة‭.‬
وعليه،‭ ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬نطاق‭ ‬التغيير‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬الهيكلة‭ ‬أوسع‭ ‬منه‭ ‬في‭ ‬التسوية‭ ‬الوقائية،‭ ‬ويمكن‭ ‬نظرياً‭ ‬إخضاع‭ ‬مشاريع‭ ‬شبه‭ ‬مفلسة‭ ‬لهذا‭ ‬الإجراء،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬مشروط‭ ‬بألا‭ ‬تكون‭ ‬وضعية‭ ‬المشروع‭ ‬فاشلة‭ ‬بصورة‭ ‬نهائية‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬قابلة‭ ‬لإعادة‭ ‬النشاط‭. ‬فإذا‭ ‬انتفت‭ ‬قابلية‭ ‬الاستمرار،‭ ‬تعيّن‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬إجراءات‭ ‬شهر‭ ‬الإفلاس‭ ‬بوصفها‭ ‬الإطار‭ ‬القانوني‭ ‬المناسب‭.‬
وفي‭ ‬المحصلة،‭ ‬يظل‭ ‬المعيار‭ ‬الأهم‭ ‬في‭ ‬تقييم‭ ‬جدوى‭ ‬إعادة‭ ‬الهيكلة‭ ‬هو‭ ‬طبيعة‭ ‬التعثّر‭ ‬المالي‭ ‬ذاته،‭ ‬وما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬تعثّرًا‭ ‬مؤقتًا‭ ‬أو‭ ‬قابلًا‭ ‬للمعالجة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يمهّد‭ ‬للبحث‭ ‬في‭ ‬مفهوم‭ ‬التعثّر‭ ‬المبرّر‭ ‬لإعادة‭ ‬الهيكلة‭.‬

ما‭ ‬هو‭ ‬التعثّر‭ ‬الذي‭ ‬يبرّر‭ ‬إعادة‭ ‬الهيكلة؟

نظراً‭ ‬لما‭ ‬تنطوي‭ ‬عليه‭ ‬إعادة‭ ‬الهيكلة‭ ‬من‭ ‬عمق‭ ‬إجرائي‭ ‬وآثار‭ ‬جوهرية‭ ‬تمسّ‭ ‬كيان‭ ‬المشروع‭ ‬وشكله‭ ‬ومستقبله،‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬المتوقّع‭ ‬أن‭ ‬يُخضع‭ ‬المشرّع‭ ‬هذا‭ ‬الإجراء‭ ‬لشروط‭ ‬أكثر‭ ‬صرامة‭ ‬مقارنة‭ ‬بغيره‭ ‬من‭ ‬آليات‭ ‬المعالجة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬انعكس‭ ‬في‭ ‬القيود‭ ‬التي‭ ‬فرضها‭ ‬قانون‭ ‬الإفلاس‭ ‬الكويتي‭ ‬رقم‭ ‬71‭ ‬لسنة‭ ‬2020‭ ‬على‭ ‬حالات‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬الهيكلة‭.‬
وبموجب‭ ‬هذا‭ ‬القانون،‭ ‬لا‭ ‬يُقبل‭ ‬طلب‭ ‬إعادة‭ ‬الهيكلة‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬حالات‭ ‬محدّدة،‭ ‬يمكن‭ ‬إجمالها‭ ‬في‭ ‬الآتي‭:‬
●‭ ‬أولًا‭: ‬التوقّف‭ ‬الفعلي‭ ‬عن‭ ‬الدفع،‭ ‬ولو‭ ‬مع‭ ‬توافر‭ ‬الأموال‭ ‬أو‭ ‬الضمانات
اشترط‭ ‬المشرّع‭ ‬لتحريك‭ ‬إجراءات‭ ‬إعادة‭ ‬الهيكلة‭ ‬تحقق‭ ‬التوقّف‭ ‬الفعلي‭ ‬عن‭ ‬الدفع،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬المدين‭ ‬يملك‭ ‬أموالًا‭ ‬أو‭ ‬ضمانات‭ ‬كافية،‭ ‬مستبعداً‭ ‬بذلك‭ ‬مجرد‭ ‬الخشية‭ ‬أو‭ ‬التوقّع‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬التوقّف‭. ‬ففي‭ ‬حالة‭ ‬التوقّع،‭ ‬يقتصر‭ ‬حق‭ ‬المدين‭ ‬على‭ ‬طلب‭ ‬التسوية‭ ‬الوقائية،‭ ‬ولا‭ ‬يجوز‭ ‬له،‭ ‬ولا‭ ‬للدائنين‭ ‬ولا‭ ‬للجهة‭ ‬الرقابية،‭ ‬طلب‭ ‬إعادة‭ ‬الهيكلة‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يقع‭ ‬التوقّف‭ ‬الفعلي‭ ‬عن‭ ‬الدفع‭.‬
ويُفسَّر‭ ‬هذا‭ ‬الاتجاه‭ ‬بطبيعة‭ ‬إعادة‭ ‬الهيكلة‭ ‬ذاتها،‭ ‬إذ‭ ‬قد‭ ‬يُساء‭ ‬استخدامها‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬المدين‭ ‬بقصد‭ ‬المساس‭ ‬بحقوق‭ ‬بعض‭ ‬الدائنين،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬اصطناع‭ ‬ظروف‭ ‬توحي‭ ‬بالخطر‭ ‬المالي،‭ ‬تمهيداً‭ ‬لطلب‭ ‬تخفيض‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬أو‭ ‬إعادة‭ ‬جدولة‭ ‬الديون‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬يُنقِص‭ ‬من‭ ‬قيمة‭ ‬الحقوق‭ ‬المستحقة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يبرّر‭ ‬تضييق‭ ‬نطاق‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬الإجراء‭.‬
كما‭ ‬قد‭ ‬تنشأ‭ ‬إساءة‭ ‬مماثلة‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬بعض‭ ‬الدائنين‭ ‬المرتبطين‭ ‬بعلاقة‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬المدين،‭ ‬إذ‭ ‬قد‭ ‬يسعون‭ ‬إلى‭ ‬تعطيل‭ ‬مطالبات‭ ‬دائنين‭ ‬آخرين‭ ‬منافسين‭ ‬لهم‭ ‬عبر‭ ‬طلب‭ ‬إعادة‭ ‬الهيكلة‭ ‬استناداً‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ ‬الخشية‭ ‬من‭ ‬التوقّف‭ ‬عن‭ ‬الدفع،‭ ‬بما‭ ‬يؤدّي‭ ‬إلى‭ ‬تجميد‭ ‬المطالبات‭ ‬دون‭ ‬مبرر‭ ‬فعلي‭. ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬الحالات‭ ‬أيضاً،‭ ‬يكون‭ ‬استبعاد‭ ‬إعادة‭ ‬الهيكلة‭ ‬مبرَّراً‭.‬
وإذا‭ ‬نُظر‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬القيد‭ ‬نظرةً‭ ‬أولية،‭ ‬بدا‭ ‬منسجمًا‭ ‬مع‭ ‬منطق‭ ‬الحماية‭ ‬التشريعية،‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬أن‭ ‬إعادة‭ ‬الهيكلة‭ ‬تفترض‭ ‬ظهور‭ ‬تعثّر‭ ‬مالي‭ ‬جوهري‭ ‬يبرّر‭ ‬إحداث‭ ‬تغيير‭ ‬جذري‭ ‬في‭ ‬المشروع‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬التعمّق‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الشرط‭ ‬يكشف‭ ‬عن‭ ‬إشكالية‭ ‬عملية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تجاهلها‭.‬
فمجرد‭ ‬الخشية‭ ‬أو‭ ‬التوقّع‭ ‬من‭ ‬التوقّف‭ ‬عن‭ ‬الدفع‭ ‬قد‭ ‬يشكّل،‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الحالات،‭ ‬إنذاراً‭ ‬حقيقياً‭ ‬ومؤكداً‭ ‬بانهيار‭ ‬وشيك‭ ‬في‭ ‬المركز‭ ‬المالي،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬الشركات‭ ‬المدرجة‭ ‬في‭ ‬البورصة،‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تتعرّض‭ ‬لانخفاض‭ ‬حاد‭ ‬في‭ ‬قيمتها‭ ‬السوقية‭ ‬خلال‭ ‬فترات‭ ‬زمنية‭ ‬قصيرة،‭ ‬بما‭ ‬يفضي‭ ‬إلى‭ ‬تفكك‭ ‬مركزها‭ ‬المالي‭ ‬قبل‭ ‬تحقق‭ ‬التوقّف‭ ‬الفعلي‭ ‬عن‭ ‬الدفع‭.‬
ومن‭ ‬ثمّ،‭ ‬كان‭ ‬الأجدر‭ ‬بالمشرّع‭ ‬أن‭ ‬يترك‭ ‬تقدير‭ ‬جوهرية‭ ‬حالة‭ ‬الخشية‭ ‬أو‭ ‬التوقّع‭ ‬لسلطة‭ ‬قاضي‭ ‬الإفلاس،‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬نطاق‭ ‬إعادة‭ ‬الهيكلة،‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬استبعادها‭ ‬استبعادًا‭ ‬مطلقًا‭.‬
●‭ ‬ثانياً‭: ‬العجز‭ ‬الفعلي‭ ‬في‭ ‬المركز‭ ‬المالي‭ ‬دون‭ ‬مجرد‭ ‬توقّعه
اشترط‭ ‬قانون‭ ‬الإفلاس‭ ‬كذلك‭ ‬تحقّق‭ ‬عجز‭ ‬فعلي‭ ‬في‭ ‬المركز‭ ‬المالي،‭ ‬دون‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بتوقّع‭ ‬هذا‭ ‬العجز‭. ‬فمجرد‭ ‬تعرّض‭ ‬المدين‭ ‬لضائقة‭ ‬مالية‭ ‬لم‭ ‬تؤدِّ‭ ‬إلى‭ ‬توقّف‭ ‬عن‭ ‬الدفع‭ ‬أو‭ ‬إلى‭ ‬كشف‭ ‬ضعف‭ ‬حقيقي‭ ‬في‭ ‬مركزه‭ ‬المالي،‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬لتبرير‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬الهيكلة‭. ‬ويُترك‭ ‬تقدير‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬لسلطة‭ ‬محكمة‭ ‬الموضوع،‭ ‬وفق‭ ‬ما‭ ‬استقر‭ ‬عليه‭ ‬قضاء‭ ‬محكمة‭ ‬التمييز‭ ‬التجارية‭ (‬الطعن‭ ‬رقم‭ ‬207‭ ‬لسنة‭ ‬2003،‭ ‬جلسة‭ ‬18‭/‬2‭/‬2003‭).‬
إلا‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬القيد‭ ‬يثير‭ ‬الإشكالية‭ ‬ذاتها،‭ ‬إذ‭ ‬قد‭ ‬يستند‭ ‬توقّع‭ ‬العجز‭ ‬أو‭ ‬الخشية‭ ‬منه‭ ‬إلى‭ ‬مؤشرات‭ ‬جدية‭ ‬وخطيرة،‭ ‬لا‭ ‬تتيح‭ ‬للدائنين‭ ‬أو‭ ‬للمدين‭ ‬متسعًا‭ ‬من‭ ‬الوقت‭ ‬للشروع‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬الهيكلة‭ ‬بعد‭ ‬تحقّق‭ ‬العجز‭ ‬أو‭ ‬التوقّف‭ ‬الفعلي‭. ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة،‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬التدخّل‭ ‬قد‭ ‬تأخر،‭ ‬وتكون‭ ‬فرص‭ ‬الإنقاذ‭ ‬قد‭ ‬تلاشت‭.‬
ومن‭ ‬هنا،‭ ‬تبرز‭ ‬إعادة‭ ‬الهيكلة‭ ‬بوصفها‭ ‬أداة‭ ‬وقائية‭ ‬كان‭ ‬يمكن‭ ‬تفعيلها‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬التوقّعات‭ ‬الجدية،‭ ‬لا‭ ‬بعد‭ ‬تحقق‭ ‬الضرر‭ ‬الكامل‭.‬
وبناءً‭ ‬عليه،‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬الأنسب‭ ‬تشريعياً‭ ‬منح‭ ‬قاضي‭ ‬الإفلاس‭ ‬صلاحية‭ ‬البدء‭ ‬في‭ ‬إجراءات‭ ‬إعادة‭ ‬الهيكلة‭ ‬متى‭ ‬تبيّن‭ ‬له،‭ ‬من‭ ‬واقع‭ ‬الطلب‭ ‬والمستندات‭ ‬المقدّمة،‭ ‬وجود‭ ‬مخاطر‭ ‬حقيقية‭ ‬وجسيمة‭ ‬تهدّد‭ ‬توازن‭ ‬المشروع‭ ‬المالي،‭ ‬وتُنذر‭ ‬بانهيار‭ ‬سريع‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تداركه‭ ‬لاحقًا،‭ ‬وذلك‭ ‬وفقًا‭ ‬لتقديره‭ ‬الموضوعي‭ ‬لظروف‭ ‬كل‭ ‬حالة‭.‬

رجوع لأعلى