الحماية من الإفلاس والتسوية الوقائية وإعادة الهيكلة
ثالثاً: إعادة الهيكلة وسيلة لإنقاذ المشروع القابل للاستمرار
تقوم إعادة الهيكلة، في جوهرها، على افتراض قابلية المشروع للاستمرار. فلا مجال لإخضاع مشروع منهار بالكامل لإعادة الهيكلة، إذ إن هذه الآلية لا تهدف إلى إحياء الكيانات الميؤوس منها، بل إلى إنقاذ المشاريع التي ما زالت تمتلك حدًا أدنى من المقومات الاقتصادية.
فإعادة الهيكلة التي تقتصر، على سبيل المثال، على تغيير الشكل القانوني للمشروع، تكون عديمة الجدوى إذا كان رأس المال المتبقي غير كافٍ لتدوير النشاط أو تمويل العمليات الأساسية، كشراء السلع أو البضائع اللازمة لتسيير العمل. وفي هذه الحالة، يكون تآكل رأس المال قد بلغ حدًا يستحيل معه تحقيق أي أثر عملي لإعادة الهيكلة.
وعليه، ورغم أن نطاق التغيير في إعادة الهيكلة أوسع منه في التسوية الوقائية، ويمكن نظرياً إخضاع مشاريع شبه مفلسة لهذا الإجراء، إلا أن ذلك مشروط بألا تكون وضعية المشروع فاشلة بصورة نهائية أو غير قابلة لإعادة النشاط. فإذا انتفت قابلية الاستمرار، تعيّن اللجوء إلى إجراءات شهر الإفلاس بوصفها الإطار القانوني المناسب.
وفي المحصلة، يظل المعيار الأهم في تقييم جدوى إعادة الهيكلة هو طبيعة التعثّر المالي ذاته، وما إذا كان تعثّرًا مؤقتًا أو قابلًا للمعالجة، وهو ما يمهّد للبحث في مفهوم التعثّر المبرّر لإعادة الهيكلة.
ما هو التعثّر الذي يبرّر إعادة الهيكلة؟
نظراً لما تنطوي عليه إعادة الهيكلة من عمق إجرائي وآثار جوهرية تمسّ كيان المشروع وشكله ومستقبله، كان من المتوقّع أن يُخضع المشرّع هذا الإجراء لشروط أكثر صرامة مقارنة بغيره من آليات المعالجة، وهو ما انعكس في القيود التي فرضها قانون الإفلاس الكويتي رقم 71 لسنة 2020 على حالات اللجوء إلى إعادة الهيكلة.
وبموجب هذا القانون، لا يُقبل طلب إعادة الهيكلة إلا في حالات محدّدة، يمكن إجمالها في الآتي:
● أولًا: التوقّف الفعلي عن الدفع، ولو مع توافر الأموال أو الضمانات
اشترط المشرّع لتحريك إجراءات إعادة الهيكلة تحقق التوقّف الفعلي عن الدفع، حتى وإن كان المدين يملك أموالًا أو ضمانات كافية، مستبعداً بذلك مجرد الخشية أو التوقّع من هذا التوقّف. ففي حالة التوقّع، يقتصر حق المدين على طلب التسوية الوقائية، ولا يجوز له، ولا للدائنين ولا للجهة الرقابية، طلب إعادة الهيكلة ما لم يقع التوقّف الفعلي عن الدفع.
ويُفسَّر هذا الاتجاه بطبيعة إعادة الهيكلة ذاتها، إذ قد يُساء استخدامها من قبل المدين بقصد المساس بحقوق بعض الدائنين، من خلال اصطناع ظروف توحي بالخطر المالي، تمهيداً لطلب تخفيض رأس المال أو إعادة جدولة الديون على نحو يُنقِص من قيمة الحقوق المستحقة، وهو ما يبرّر تضييق نطاق اللجوء إلى هذا الإجراء.
كما قد تنشأ إساءة مماثلة من جانب بعض الدائنين المرتبطين بعلاقة خاصة مع المدين، إذ قد يسعون إلى تعطيل مطالبات دائنين آخرين منافسين لهم عبر طلب إعادة الهيكلة استناداً إلى مجرد الخشية من التوقّف عن الدفع، بما يؤدّي إلى تجميد المطالبات دون مبرر فعلي. وفي هذه الحالات أيضاً، يكون استبعاد إعادة الهيكلة مبرَّراً.
وإذا نُظر إلى هذا القيد نظرةً أولية، بدا منسجمًا مع منطق الحماية التشريعية، على أساس أن إعادة الهيكلة تفترض ظهور تعثّر مالي جوهري يبرّر إحداث تغيير جذري في المشروع. غير أن التعمّق في هذا الشرط يكشف عن إشكالية عملية لا يمكن تجاهلها.
فمجرد الخشية أو التوقّع من التوقّف عن الدفع قد يشكّل، في بعض الحالات، إنذاراً حقيقياً ومؤكداً بانهيار وشيك في المركز المالي، ولا سيما في الشركات المدرجة في البورصة، التي قد تتعرّض لانخفاض حاد في قيمتها السوقية خلال فترات زمنية قصيرة، بما يفضي إلى تفكك مركزها المالي قبل تحقق التوقّف الفعلي عن الدفع.
ومن ثمّ، كان الأجدر بالمشرّع أن يترك تقدير جوهرية حالة الخشية أو التوقّع لسلطة قاضي الإفلاس، حتى في نطاق إعادة الهيكلة، بدلًا من استبعادها استبعادًا مطلقًا.
● ثانياً: العجز الفعلي في المركز المالي دون مجرد توقّعه
اشترط قانون الإفلاس كذلك تحقّق عجز فعلي في المركز المالي، دون الاكتفاء بتوقّع هذا العجز. فمجرد تعرّض المدين لضائقة مالية لم تؤدِّ إلى توقّف عن الدفع أو إلى كشف ضعف حقيقي في مركزه المالي، لا يكفي لتبرير اللجوء إلى إعادة الهيكلة. ويُترك تقدير هذه الحالة لسلطة محكمة الموضوع، وفق ما استقر عليه قضاء محكمة التمييز التجارية (الطعن رقم 207 لسنة 2003، جلسة 18/2/2003).
إلا أن هذا القيد يثير الإشكالية ذاتها، إذ قد يستند توقّع العجز أو الخشية منه إلى مؤشرات جدية وخطيرة، لا تتيح للدائنين أو للمدين متسعًا من الوقت للشروع في إعادة الهيكلة بعد تحقّق العجز أو التوقّف الفعلي. وفي هذه المرحلة، قد يكون التدخّل قد تأخر، وتكون فرص الإنقاذ قد تلاشت.
ومن هنا، تبرز إعادة الهيكلة بوصفها أداة وقائية كان يمكن تفعيلها في مرحلة التوقّعات الجدية، لا بعد تحقق الضرر الكامل.
وبناءً عليه، كان من الأنسب تشريعياً منح قاضي الإفلاس صلاحية البدء في إجراءات إعادة الهيكلة متى تبيّن له، من واقع الطلب والمستندات المقدّمة، وجود مخاطر حقيقية وجسيمة تهدّد توازن المشروع المالي، وتُنذر بانهيار سريع لا يمكن تداركه لاحقًا، وذلك وفقًا لتقديره الموضوعي لظروف كل حالة.