الحوافز تقود قراراتنا الاقتصادية
يقوم علم الاقتصاد، في جوهره، على مبدأ بسيط لكنه حاسم: الحوافز تؤثر في القرارات. فكل تغيير يطرأ على كلفة الاختيار أو منافعه ينعكس مباشرة على سلوك الأفراد، سواء في قراراتهم اليومية البسيطة أو في خياراتهم الاقتصادية الكبرى. ومن هنا، يصبح فهم الحوافز أداة أساسية لتفسير لماذا يتصرف الناس على النحو الذي يتصرفون به.
ولا يقتصر تأثير الحوافز على مستوى واحد بعينه، بل يمتد عبر مختلف المستويات، من قرارات الأسرة المحدودة، إلى آليات عمل الأسواق المالية، وصولًا إلى التجارة الدولية. فالأسواق نفسها لا تعمل إلا لأن البائعين والمشترين يعيدون تعديل سلوكهم باستمرار تبعًا لتغير الحوافز. فعندما يرتفع الطلب على سلعة ما إلى مستوى يفوق ما يستطيع المنتجون توفيره، تبدأ الأسعار بالصعود، ومع ارتفاعها يزداد استعداد البائعين لعرض كميات أكبر، إلى أن يصل السوق في النهاية إلى حالة من التوازن بين العرض والطلب.
أما إذا سارت الأمور في الاتجاه المعاكس، وبلغت الأسعار مستويات مرتفعة تفوق قدرة السوق على الاستيعاب، فإن الموردين يواجهون فائضًا في المخزون، ما يدفعهم إلى خفض الأسعار لتصريف منتجاتهم. هذه الأسعار المنخفضة تشجع المستهلكين على زيادة الشراء، لكنها في الوقت نفسه تقلل حماسة المنتجين للتوسع في الإنتاج بسبب تراجع الأرباح. ومع مرور الوقت، تتقارب كميات الطلب مع كميات الإنتاج، ويستعيد السوق توازنه.
غير أن هذا التوازن لا يتحقق فورًا. فاستجابة المشترين للتغيرات السعرية تحتاج إلى وقت، كما أن قرارات المنتجين المتعلقة بزيادة الإنتاج أو خفضه لا تُتخذ بين ليلة وضحاها. الزمن عنصر أساسي في عملية التكيف الاقتصادي.
وتقدم تجربة أسعار البنزين منذ سبعينيات القرن الماضي مثالًا واضحًا على ذلك. فحين شهدت تلك الفترة ارتفاعًا حادًا في أسعار الوقود، استجاب المستهلكون سريعًا عبر تقليص الرحلات غير الضرورية واللجوء إلى التنقل الجماعي. ومع مرور الوقت، اتجهوا إلى شراء سيارات أصغر وأكثر كفاءة في استهلاك الوقود، في محاولة للحد من كلفة البنزين. هذه التحولات المتدرجة تعكس بوضوح كيف تعمل الحوافز، وكيف يحتاج الأفراد والأسواق إلى وقت لاستيعاب آثارها والتكيف معها.
الحوافز وتأثيرها على الإنتاج والاستهلاك
في الوقت نفسه، قام مورّدو البترول، في عدة دول حول العالم، بتكثيف عمليات الحفر على آبارهم، وطبقوا تقنيات جديدة لسحب كميات أكبر من النفط من الآبار القائمة، كما وسّعوا عمليات التنقيب على حقول جديدة. وبحلول أوائل الثمانينات، ارتفعت توريدات النفط إلى حد دفع المنتجين لتخفيض أسعارهم من أجل بيع كل ما أنتجوه. واستمرت الأسعار في الانخفاض على مدار معظم عقدي الثمانينات والتسعينات، ومع ذلك لم يغيّر المستهلكون نمط استهلاكهم بالكامل، إذ انتقلوا إلى قيادة المركبات الأكبر حجمًا ذات المحركات الأقوى، فمع انخفاض تكلفة الوقود أصبحت تلك السيارات أقل كلفة للتشغيل، وعندما ترتفع الأسعار مرة أخرى، يقل الطلب تدريجيًا على هذه المركبات الأكبر.
وللحوافز أثر واضح أيضًا على السلوك السياسي، إذ يميل الناخبون في العديد من الدول إلى دعم السياسات والمرشحين الذين يقدمون لهم فوائد مباشرة، بينما يرفضون الخيارات التي تكلفهم أكثر من الفائدة المتوقعة. ومن الأمثلة التاريخية على ذلك، رفض فرض ضرائب إضافية لتمويل مشاريع عامة في بعض الولايات أو المدن الأجنبية، ما يوضح كيف تؤثر الحوافز الاقتصادية على القرارات الانتخابية.
ولا يمكن تجاهل أهمية الحوافز، فهي جزء من الطبيعة البشرية، سواء في الأنظمة الرأسمالية أو الاشتراكية. ففي الماضي، كانت بعض الدول تمنح مكافآت للمديرين وموظفي المصانع بناءً على حجم الإنتاج، مما دفع بعض المصانع إلى إنتاج منتجات كثيفة الوزن لكنها أقل جودة، ومع تعديل نظام المكافآت لتقييم الإنتاج بناءً على الجودة أو المساحة المنتجة، تغيرت النتائج. هذا يوضح أن التغيير في الحوافز يغيّر السلوك، بغض النظر عن النظام الاقتصادي أو السياسي.
الحوافز لا تقتصر على الأنانية
يظن بعض الناس أن الحوافز تصبح مهمة فقط عندما يكون الأفراد أنانيين أو جشعين، وهذا تصور خاطئ. فالبشر يعملون بدوافع مختلفة، بعضها أناني، وبعضها الآخر نابع من رغبة صادقة في مساعدة الآخرين. خيارات كل شخص، سواء كانت مدفوعة بالحوافز الأنانية أو بالحوافز الإنسانية، تتأثر بتغير الكلفة والفوائد الشخصية. على سبيل المثال، قد يحاول كل من الشخص الأناني والشخص الإحساني إنقاذ طفل في بركة صغيرة، بينما يختلف احتمال تدخلهما عند مواجهة خطر أكبر، مثل شلال ضخم، كما أن كلاً منهما قد يقدم ما يستطيع لمساعدة شخص محتاج، دون أن يكون بالضرورة الأفضل أو الكامل.
كل شيء له ثمن
الحقيقة في عالمنا أن الموارد المنتجة محدودة، بينما رغبة البشر في الحصول على البضائع والخدمات لا حدود لها. فسواء حلمت بشراء ملابس جديدة، أو يخت فاخر، أو إجازة في جبال الألب، أو سيارة فارهة، فإن الموارد المتاحة، بما فيها الوقت، لا تسمح بتحقيق كل هذه الرغبات.
ونتيجة لذلك، يضطر الإنسان للاختيار بين البدائل المختلفة، فكل استخدام للموارد الطبيعية أو المصنوعة يحد من توافرها للآخرين. كما يقول الاقتصاديون: «كل شيء له ثمن». فعندما تعلن بعض المطاعم أن الأطفال يمكنهم الأكل مجانًا عند مرافقتهم بالبالغين، فإن التكلفة الفعلية مضمنة ضمن سعر الوجبة للراشد. وبمعنى آخر، الحصول على أي منفعة يتطلب التضحية بشيء آخر، سواء كمستهلك أو منتج، وإذا لم نأخذ هذه الكلفة في الاعتبار، فقد نستخدم مواردنا في شراء أشياء لا نثمنها بنفس قيمة ما يمكن أن نحصل عليه من بدائل أخرى.