تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحوافز‭ ‬تقود‭ ‬قراراتنا‭ ‬الاقتصادية

MV24

يقوم‭ ‬علم‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬في‭ ‬جوهره،‭ ‬على‭ ‬مبدأ‭ ‬بسيط‭ ‬لكنه‭ ‬حاسم‭: ‬الحوافز‭ ‬تؤثر‭ ‬في‭ ‬القرارات‭. ‬فكل‭ ‬تغيير‭ ‬يطرأ‭ ‬على‭ ‬كلفة‭ ‬الاختيار‭ ‬أو‭ ‬منافعه‭ ‬ينعكس‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬سلوك‭ ‬الأفراد،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬قراراتهم‭ ‬اليومية‭ ‬البسيطة‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬خياراتهم‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الكبرى‭. ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬يصبح‭ ‬فهم‭ ‬الحوافز‭ ‬أداة‭ ‬أساسية‭ ‬لتفسير‭ ‬لماذا‭ ‬يتصرف‭ ‬الناس‭ ‬على‭ ‬النحو‭ ‬الذي‭ ‬يتصرفون‭ ‬به‭.‬
ولا‭ ‬يقتصر‭ ‬تأثير‭ ‬الحوافز‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬واحد‭ ‬بعينه،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬عبر‭ ‬مختلف‭ ‬المستويات،‭ ‬من‭ ‬قرارات‭ ‬الأسرة‭ ‬المحدودة،‭ ‬إلى‭ ‬آليات‭ ‬عمل‭ ‬الأسواق‭ ‬المالية،‭ ‬وصولًا‭ ‬إلى‭ ‬التجارة‭ ‬الدولية‭. ‬فالأسواق‭ ‬نفسها‭ ‬لا‭ ‬تعمل‭ ‬إلا‭ ‬لأن‭ ‬البائعين‭ ‬والمشترين‭ ‬يعيدون‭ ‬تعديل‭ ‬سلوكهم‭ ‬باستمرار‭ ‬تبعًا‭ ‬لتغير‭ ‬الحوافز‭. ‬فعندما‭ ‬يرتفع‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬سلعة‭ ‬ما‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬يفوق‭ ‬ما‭ ‬يستطيع‭ ‬المنتجون‭ ‬توفيره،‭ ‬تبدأ‭ ‬الأسعار‭ ‬بالصعود،‭ ‬ومع‭ ‬ارتفاعها‭ ‬يزداد‭ ‬استعداد‭ ‬البائعين‭ ‬لعرض‭ ‬كميات‭ ‬أكبر،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يصل‭ ‬السوق‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬العرض‭ ‬والطلب‭.‬
أما‭ ‬إذا‭ ‬سارت‭ ‬الأمور‭ ‬في‭ ‬الاتجاه‭ ‬المعاكس،‭ ‬وبلغت‭ ‬الأسعار‭ ‬مستويات‭ ‬مرتفعة‭ ‬تفوق‭ ‬قدرة‭ ‬السوق‭ ‬على‭ ‬الاستيعاب،‭ ‬فإن‭ ‬الموردين‭ ‬يواجهون‭ ‬فائضًا‭ ‬في‭ ‬المخزون،‭ ‬ما‭ ‬يدفعهم‭ ‬إلى‭ ‬خفض‭ ‬الأسعار‭ ‬لتصريف‭ ‬منتجاتهم‭. ‬هذه‭ ‬الأسعار‭ ‬المنخفضة‭ ‬تشجع‭ ‬المستهلكين‭ ‬على‭ ‬زيادة‭ ‬الشراء،‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬تقلل‭ ‬حماسة‭ ‬المنتجين‭ ‬للتوسع‭ ‬في‭ ‬الإنتاج‭ ‬بسبب‭ ‬تراجع‭ ‬الأرباح‭. ‬ومع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت،‭ ‬تتقارب‭ ‬كميات‭ ‬الطلب‭ ‬مع‭ ‬كميات‭ ‬الإنتاج،‭ ‬ويستعيد‭ ‬السوق‭ ‬توازنه‭.‬
غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التوازن‭ ‬لا‭ ‬يتحقق‭ ‬فورًا‭. ‬فاستجابة‭ ‬المشترين‭ ‬للتغيرات‭ ‬السعرية‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬وقت،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬قرارات‭ ‬المنتجين‭ ‬المتعلقة‭ ‬بزيادة‭ ‬الإنتاج‭ ‬أو‭ ‬خفضه‭ ‬لا‭ ‬تُتخذ‭ ‬بين‭ ‬ليلة‭ ‬وضحاها‭. ‬الزمن‭ ‬عنصر‭ ‬أساسي‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬التكيف‭ ‬الاقتصادي‭.‬
وتقدم‭ ‬تجربة‭ ‬أسعار‭ ‬البنزين‭ ‬منذ‭ ‬سبعينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬مثالًا‭ ‬واضحًا‭ ‬على‭ ‬ذلك‭. ‬فحين‭ ‬شهدت‭ ‬تلك‭ ‬الفترة‭ ‬ارتفاعًا‭ ‬حادًا‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬الوقود،‭ ‬استجاب‭ ‬المستهلكون‭ ‬سريعًا‭ ‬عبر‭ ‬تقليص‭ ‬الرحلات‭ ‬غير‭ ‬الضرورية‭ ‬واللجوء‭ ‬إلى‭ ‬التنقل‭ ‬الجماعي‭. ‬ومع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت،‭ ‬اتجهوا‭ ‬إلى‭ ‬شراء‭ ‬سيارات‭ ‬أصغر‭ ‬وأكثر‭ ‬كفاءة‭ ‬في‭ ‬استهلاك‭ ‬الوقود،‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬للحد‭ ‬من‭ ‬كلفة‭ ‬البنزين‭. ‬هذه‭ ‬التحولات‭ ‬المتدرجة‭ ‬تعكس‭ ‬بوضوح‭ ‬كيف‭ ‬تعمل‭ ‬الحوافز،‭ ‬وكيف‭ ‬يحتاج‭ ‬الأفراد‭ ‬والأسواق‭ ‬إلى‭ ‬وقت‭ ‬لاستيعاب‭ ‬آثارها‭ ‬والتكيف‭ ‬معها‭.‬

الحوافز‭ ‬وتأثيرها‭ ‬على‭ ‬الإنتاج‭ ‬والاستهلاك

في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬قام‭ ‬مورّدو‭ ‬البترول،‭ ‬في‭ ‬عدة‭ ‬دول‭ ‬حول‭ ‬العالم،‭ ‬بتكثيف‭ ‬عمليات‭ ‬الحفر‭ ‬على‭ ‬آبارهم،‭ ‬وطبقوا‭ ‬تقنيات‭ ‬جديدة‭ ‬لسحب‭ ‬كميات‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬النفط‭ ‬من‭ ‬الآبار‭ ‬القائمة،‭ ‬كما‭ ‬وسّعوا‭ ‬عمليات‭ ‬التنقيب‭ ‬على‭ ‬حقول‭ ‬جديدة‭. ‬وبحلول‭ ‬أوائل‭ ‬الثمانينات،‭ ‬ارتفعت‭ ‬توريدات‭ ‬النفط‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬دفع‭ ‬المنتجين‭ ‬لتخفيض‭ ‬أسعارهم‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬بيع‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬أنتجوه‭. ‬واستمرت‭ ‬الأسعار‭ ‬في‭ ‬الانخفاض‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬معظم‭ ‬عقدي‭ ‬الثمانينات‭ ‬والتسعينات،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬لم‭ ‬يغيّر‭ ‬المستهلكون‭ ‬نمط‭ ‬استهلاكهم‭ ‬بالكامل،‭ ‬إذ‭ ‬انتقلوا‭ ‬إلى‭ ‬قيادة‭ ‬المركبات‭ ‬الأكبر‭ ‬حجمًا‭ ‬ذات‭ ‬المحركات‭ ‬الأقوى،‭ ‬فمع‭ ‬انخفاض‭ ‬تكلفة‭ ‬الوقود‭ ‬أصبحت‭ ‬تلك‭ ‬السيارات‭ ‬أقل‭ ‬كلفة‭ ‬للتشغيل،‭ ‬وعندما‭ ‬ترتفع‭ ‬الأسعار‭ ‬مرة‭ ‬أخرى،‭ ‬يقل‭ ‬الطلب‭ ‬تدريجيًا‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬المركبات‭ ‬الأكبر‭.‬
وللحوافز‭ ‬أثر‭ ‬واضح‭ ‬أيضًا‭ ‬على‭ ‬السلوك‭ ‬السياسي،‭ ‬إذ‭ ‬يميل‭ ‬الناخبون‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬إلى‭ ‬دعم‭ ‬السياسات‭ ‬والمرشحين‭ ‬الذين‭ ‬يقدمون‭ ‬لهم‭ ‬فوائد‭ ‬مباشرة،‭ ‬بينما‭ ‬يرفضون‭ ‬الخيارات‭ ‬التي‭ ‬تكلفهم‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬الفائدة‭ ‬المتوقعة‭. ‬ومن‭ ‬الأمثلة‭ ‬التاريخية‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬رفض‭ ‬فرض‭ ‬ضرائب‭ ‬إضافية‭ ‬لتمويل‭ ‬مشاريع‭ ‬عامة‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الولايات‭ ‬أو‭ ‬المدن‭ ‬الأجنبية،‭ ‬ما‭ ‬يوضح‭ ‬كيف‭ ‬تؤثر‭ ‬الحوافز‭ ‬الاقتصادية‭ ‬على‭ ‬القرارات‭ ‬الانتخابية‭.‬
ولا‭ ‬يمكن‭ ‬تجاهل‭ ‬أهمية‭ ‬الحوافز،‭ ‬فهي‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬الطبيعة‭ ‬البشرية،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬الأنظمة‭ ‬الرأسمالية‭ ‬أو‭ ‬الاشتراكية‭. ‬ففي‭ ‬الماضي،‭ ‬كانت‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬تمنح‭ ‬مكافآت‭ ‬للمديرين‭ ‬وموظفي‭ ‬المصانع‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬حجم‭ ‬الإنتاج،‭ ‬مما‭ ‬دفع‭ ‬بعض‭ ‬المصانع‭ ‬إلى‭ ‬إنتاج‭ ‬منتجات‭ ‬كثيفة‭ ‬الوزن‭ ‬لكنها‭ ‬أقل‭ ‬جودة،‭ ‬ومع‭ ‬تعديل‭ ‬نظام‭ ‬المكافآت‭ ‬لتقييم‭ ‬الإنتاج‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬الجودة‭ ‬أو‭ ‬المساحة‭ ‬المنتجة،‭ ‬تغيرت‭ ‬النتائج‭. ‬هذا‭ ‬يوضح‭ ‬أن‭ ‬التغيير‭ ‬في‭ ‬الحوافز‭ ‬يغيّر‭ ‬السلوك،‭ ‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬النظام‭ ‬الاقتصادي‭ ‬أو‭ ‬السياسي‭.‬

الحوافز‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬الأنانية

يظن‭ ‬بعض‭ ‬الناس‭ ‬أن‭ ‬الحوافز‭ ‬تصبح‭ ‬مهمة‭ ‬فقط‭ ‬عندما‭ ‬يكون‭ ‬الأفراد‭ ‬أنانيين‭ ‬أو‭ ‬جشعين،‭ ‬وهذا‭ ‬تصور‭ ‬خاطئ‭. ‬فالبشر‭ ‬يعملون‭ ‬بدوافع‭ ‬مختلفة،‭ ‬بعضها‭ ‬أناني،‭ ‬وبعضها‭ ‬الآخر‭ ‬نابع‭ ‬من‭ ‬رغبة‭ ‬صادقة‭ ‬في‭ ‬مساعدة‭ ‬الآخرين‭. ‬خيارات‭ ‬كل‭ ‬شخص،‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬مدفوعة‭ ‬بالحوافز‭ ‬الأنانية‭ ‬أو‭ ‬بالحوافز‭ ‬الإنسانية،‭ ‬تتأثر‭ ‬بتغير‭ ‬الكلفة‭ ‬والفوائد‭ ‬الشخصية‭. ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬قد‭ ‬يحاول‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬الشخص‭ ‬الأناني‭ ‬والشخص‭ ‬الإحساني‭ ‬إنقاذ‭ ‬طفل‭ ‬في‭ ‬بركة‭ ‬صغيرة،‭ ‬بينما‭ ‬يختلف‭ ‬احتمال‭ ‬تدخلهما‭ ‬عند‭ ‬مواجهة‭ ‬خطر‭ ‬أكبر،‭ ‬مثل‭ ‬شلال‭ ‬ضخم،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬كلاً‭ ‬منهما‭ ‬قد‭ ‬يقدم‭ ‬ما‭ ‬يستطيع‭ ‬لمساعدة‭ ‬شخص‭ ‬محتاج،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬بالضرورة‭ ‬الأفضل‭ ‬أو‭ ‬الكامل‭.‬

كل‭ ‬شيء‭ ‬له‭ ‬ثمن

الحقيقة‭ ‬في‭ ‬عالمنا‭ ‬أن‭ ‬الموارد‭ ‬المنتجة‭ ‬محدودة،‭ ‬بينما‭ ‬رغبة‭ ‬البشر‭ ‬في‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬البضائع‭ ‬والخدمات‭ ‬لا‭ ‬حدود‭ ‬لها‭. ‬فسواء‭ ‬حلمت‭ ‬بشراء‭ ‬ملابس‭ ‬جديدة،‭ ‬أو‭ ‬يخت‭ ‬فاخر،‭ ‬أو‭ ‬إجازة‭ ‬في‭ ‬جبال‭ ‬الألب،‭ ‬أو‭ ‬سيارة‭ ‬فارهة،‭ ‬فإن‭ ‬الموارد‭ ‬المتاحة،‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬الوقت،‭ ‬لا‭ ‬تسمح‭ ‬بتحقيق‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الرغبات‭.‬
ونتيجة‭ ‬لذلك،‭ ‬يضطر‭ ‬الإنسان‭ ‬للاختيار‭ ‬بين‭ ‬البدائل‭ ‬المختلفة،‭ ‬فكل‭ ‬استخدام‭ ‬للموارد‭ ‬الطبيعية‭ ‬أو‭ ‬المصنوعة‭ ‬يحد‭ ‬من‭ ‬توافرها‭ ‬للآخرين‭. ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬الاقتصاديون‭: ‬‮«‬كل‭ ‬شيء‭ ‬له‭ ‬ثمن‮»‬‭. ‬فعندما‭ ‬تعلن‭ ‬بعض‭ ‬المطاعم‭ ‬أن‭ ‬الأطفال‭ ‬يمكنهم‭ ‬الأكل‭ ‬مجانًا‭ ‬عند‭ ‬مرافقتهم‭ ‬بالبالغين،‭ ‬فإن‭ ‬التكلفة‭ ‬الفعلية‭ ‬مضمنة‭ ‬ضمن‭ ‬سعر‭ ‬الوجبة‭ ‬للراشد‭. ‬وبمعنى‭ ‬آخر،‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬أي‭ ‬منفعة‭ ‬يتطلب‭ ‬التضحية‭ ‬بشيء‭ ‬آخر،‭ ‬سواء‭ ‬كمستهلك‭ ‬أو‭ ‬منتج،‭ ‬وإذا‭ ‬لم‭ ‬نأخذ‭ ‬هذه‭ ‬الكلفة‭ ‬في‭ ‬الاعتبار،‭ ‬فقد‭ ‬نستخدم‭ ‬مواردنا‭ ‬في‭ ‬شراء‭ ‬أشياء‭ ‬لا‭ ‬نثمنها‭ ‬بنفس‭ ‬قيمة‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نحصل‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬بدائل‭ ‬أخرى‭.‬

رجوع لأعلى