الخبير الاقتصادي عصام الطواري لـ «عالم الاقتصاد»:
- الاقتصاد الكويتي سيواصل نموه واكتساب بعض الزخم خلال 2026
توقع الخبير الاقتصادي د. عصام الطوّاري، في حوار مع صحيفة «عالم الاقتصاد»، أن يواصل النمو الاقتصادي في الكويت اكتساب زخم إضافي في عام 2026، مدعوماً بزيادة إنتاج النفط الخام، والتحسُّن التدريجي في نشاط الأعمال، وإسناد المشاريع التنموية الكبرى، إضافة إلى استقرار أكبر في إنفاق المستهلكين بعد فترة من الضعف.
ورجَّح الطوّاري أن يتّسع عجز المالية العامة في السنة المالية 2026-2027 نتيجة انخفاض أسعار النفط، رغم استمرار التوجُّه نحو ضبط الإنفاق الحكومي، حيث ساهم قانون تمويل إصدار الدين العام في توفير مساحة تمويلية أوسع، مما عزَّز فرص زيادة الاستثمار في البنية التحتية.
وأوضح أن قانون التمويل والسيولة الذي يحدِّد سقف الدين العام بمبلغ 30 مليار دينار كحدٍّ أقصى أو ما يعادله من العملات الأجنبية الرئيسية القابلة للتحويل، يتيح إصدار أدوات مالية بآجال استحقاق تصل إلى 50 سنة، وتمتد فترة سريانه إلى 50 سنة اعتباراً من تاريخ العمل به، مما يضع إطاراً قانونياً طويل الأجل لتنظيم الاقتراض العام.
وأضاف أن القانون سيمنح الكويت مرونة مالية أكبر من خلال إتاحة خيار التوجُّه إلى أسواق المال المحلية والدولية لتعزيز إدارة السيولة، ما يعكس نهجاً استراتيجياً لمواكبة التطورات الاقتصادية العالمية وضمان استدامة المالية العامة للدولة.
● كيف تقرأ تعديل وكالات التصنيـف العــالميـة تصنيف الكويت الائتماني وتداعيات ذلك على الاداء الاقتصادي والحكومي؟
تحسين التصنيف الائتماني للكويت من قبل مؤسسات ووكالات دولية مثل موديز وفيتش وستاندرد آند بورز، يجب أن يعكس إلى حدٍّ ما عدة جوانب منها مدى تقدُّم الإصلاحات المالية والاقتصادية، تنويع الاقتصاد، تحديث البنية التحتية، كما أن تعديل التصنيف الائتماني لا يجب أن يكون مدعاةً للتراخي في النهج الإصلاحي التنموي، فمثلاً تصنيف «موديز» الأخير يرى أن اتّساع العجز المالي في الكويت بشكل كبير سيصل إلى حوالي 14 % من الناتج المحلي الإجمالي في السنة المالية 2025 (التي تنتهي في مارس 2026) من 2.2 % من الناتج المحلي الإجمالي في السنة المالية 2024، وأن يظل عند 14-15 % من الناتج المحلي الإجمالي في السنة المالية 2026، وهذا يدعو إلى تطبيق ما سبق أن ذكرته آنفًا من تحسين بيئة الأعمال وتعزيز مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي وغيرها من الأمور اللازمة لمعالجة العجز بالطرق الصحيحة.
● الكويت عادت بقوة إلى أسواق الدين العالمية بعد غياب لسنوات حيث أصدرت قانون تمــويـــل جديد جمع لهـــا 11 مليار دولار مــن سندات دولية، ما رأيكم؟
الكويت توجهت نحو سوق السندات للاستفادة من الإقبال العالمي القوي وتكاليف الاقتراض الجذابة والمغرية التي تسمح للحكومات بتنويع مصادر التمويل للمساعدة في سد عجز ميزانياتها وفي الوقت نفسه الاستثمار في استراتيجيات التنويع الاقتصادي، حيث جمعت 11 مليار دولار من بيع سندات على ثلاث شرائح بعد طلب قوي من المستثمرين على أول إصدار لها مقوَّم بالدولار منذ عام 2017.
فمع توقُّع استمرار تعزيز الاستدامة المالية وتقليل الاعتماد على النفط هذه خطوة جيدة على الطريق الصحيح، لا شكَّ أن القانون يأتي ضمن الجهود الحكومية الرامية إلى تعزيز الاستقرار المالي ودعم عجلة التنمية الاقتصادية بما يواكب رؤية الكويت 2035 وهذا يشكل خطوة مهمة في مسار الإصلاحات المالية والاقتصادية التي تهدف إلى بناء اقتصاد أكثر تنوُّعًا واستدامة بما يخدم مصلحة الدولة والمواطن على حد سواء، لكن من الواضح أن الحكومة لم تكن تحتاج إلى استخدام مثل هذه الأداة خلال السنة الماضية حيث كانت تتوقع عجزًا في الموازنة العامة بنحو 6 مليارات دينار لكن جاء العجز في حدود 1.5 مليار دينار فقط، لكنني أتوقع أن تلجأ الحكومة إلى إصدار سندات خلال السنة المالية الجديدة.
● ما تقييمكم للأداء الحكومي الراهن علي الصعيد التنموي والاقتصادي وتطلعات الشارع الكويتي؟
لا شكَّ أن الاقتصاد الكويتي ينمو بمعدَّل جيِّد خلال العام الجاري مقارنةً مع العام المنصرم، كما يُتوقع أن يسجِّل الاقتصاد الكويتي معدَّل نمو بحدود 3 % خلال العام المقبل مقارنةً مع 2% خلال العام 2025 استنادًا إلى أغلب التوقعات التي ترصدها المؤسسات العالمية المتخصِّصة فضلاً عن المؤشرات المحلية لأداء القطاعات المحلية تشير إلى تحقيق معدّلات نمو اقتصادي جيِّدة.
أضف إلى ذلك فإن تعليق عمل مجلس الأمة أفسح المجال أمام الحكومة للتركيز بشكل أفضل وأكبر على أجندة عملها، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الوقت أيضًا ليس في صالح الحكومة فعليها تسريع وتيرة الإنجازات خاصةً على صعيد المشاريع التنموية الكبرى، فقد مضى من عمر هذه الحكومة نحو عامين.
هناك زخم إعلامي كبير حيال المشاريع التنموية الكبرى التي أطلقتها الحكومة والتي تُقدَّر قيمة الاستثمارات فيها بحوالي 60 مليار دولار، الأهم أن الإنجاز في هذه المشاريع بالسرعة المطلوبة وأن تحظى هذه المشاريع بالأولوية في أجندة عمل الحكومة. المواطن يريد أن يرى ترجمة توجيهات سموِّ رئيس مجلس الوزراء الشيخ أحمد العبدالله بأهمية تكاتف وتآزر الجهود من أجل العمل الحثيث والمتسارع وبأقصى الطاقات والخبرات لتحقيق التوجيهات السامية لصاحب السمو أمير البلاد الشيخ مشعل الأحمد وترجمتها على أرض الواقع لتحقيق الأهداف التنموية والاقتصادية للبلاد، وذلك بما يسهم في تعزيز التنمية الشاملة والمستدامة وترسيخ التعاون الثنائي الاستراتيجي خاصة بين حكومتي الكويت والصين.
● ما البدائل المتاحة لدى الكويت للتغلب على عجز الموازنة المتكرر خاصة في أوقات تراجع أسعار النفط عالمياً؟
يجب أن تؤخذ توجيهات اللجنة الوزارية المعنية بمتابعة الأولويات الاستراتيجية في تنفيذ المشاريع التنموية الكبرى بما يدعم مسيرة تعزيز علاقات البلاد مع مختلف دول العالم، حيث نتطلَّع لجذب المزيد من الخبرات العالمية للمشاركة في المشروعات الراهنة والمستقبلية الضخمة في الكويت.
وهناك أمور في غاية الأهمية يجب العمل عليها بجانب تقليص الإنفاق الحكومي أوَّلها التعديلات التشريعية اللازمة لدعم الاستثمار وتتضمَّن التشريعات اللازمة لتعزيز الاستثمارات في المشاريع التنموية الكبرى في الكويت، إصلاحات تشريعية وهيكلية لدعم التنمية الشاملة، ورفع كفاءة الأداء، وتسهيل الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وتنويع مصادر الدخل، وتحسين بيئة الأعمال والقوانين الاقتصادية والمالية وقانون الضرائب وتأسيس الشركات.
● تحسين بيئة الأعمال شعار رفع منذ سنوات ليست بالقليلة لكن لا تقدم ملموس، ما تعليقك؟
أتفق معكم تمامًا، لا شك أن تحسين بيئة الأعمال في الكويت للمشاريع التنموية الكبرى عنوان كبير وفضفاض لكن يجب أن يرتكز على إصلاحات تشريعية وتنظيمية، مثل قانون الاستثمار الأجنبي، ويدعمها تحفيز تنويع الاقتصاد خارج قطاع النفط كما تشمل الجهود تطوير البنية التحتية البشرية والرقمية، وتحسين البنية التحتية المادية لدعم المشروعات الكبرى في قطاعات الطاقة والنقل والمدن الذكية، بهدف تحويل الكويت إلى مركز مالي وتجاري إقليمي، كشعار وهدف رُصد منذ سنوات عديدة، لكنني أعتقد أن السبب وراء ضعف التقدُّم باتجاه تحسين بيئة الأعمال هو غياب المحاسبة وضعف الرقابة، فغيابهما عرقل كثيراً من فرص التطوير وأضاع فرصاً استثمارية عديدة على الاقتصاد الكويتي.
● ما توقعاتكم لمستقبل اسعار النفط خاصة في ظل اعتماد موازنة الكويت بشكل شبة كامل على هذا القطاع؟
في ظل استمرار حالة التقلب، يُرجح أن يبلغ متوسط سعر خام برنت ما بين 60-68 دولاراً للبرميل خلال الربع الرابع من عام 2025، وإذا كان سعر التعادل لبرميل النفط في الموازنة الكويتية عند 70 دولارًا فهذا يعني أننا سنواجه عجزًا متوقعاً في الميزانية المقبلة، لكن ليس بالأمر المقلق فهذا السعر قريب من سعر النفط العالمي، ولتجاوز هذا العجز وإن كان بسيطًا فالحكومة مطالبة بتقليص المصروفات العامة، رفع معدّلات الإنتاج خاصةً في القطاعات غير النفطية كإجراء وقائي، فضلاً عن إعادة النظر في الرسوم والضرائب، يمكننا الاقتراض من الأسواق ومؤسسات التمويل الدولية، لكن المتأمَّل دوماً في مثل هذه الظروف أن يكون لدينا قطاع خاص فاعل ومنتج ويعزِّز الناتج الإجمالي القومي ـ ويأتي في المقام الأول الصناعات القائمة على النفط لتقليل الاعتماد على النفط، لكن ما يدعو إلى التفاؤل أن الاقتصاد الكويتي يستند إلى مصدّات مالية ضخمة، واحتياطات نفطية هائلة بتكاليف إنتاج منخفضة، ومستويات دخل فرد مرتفعة للغاية.
● ماذا عن أداء القطاع المصرفي الكويتي ونمو الاقراض الاستهلاكي؟
لدينا قطاع مصرفي يتمتع بملاءة مالية قوية جداً ويحقق بصفة شبه مستمرة أداءً قوياً ويمثِّل رافدًا تمويلياً كبيراً للحكومة، والبنك المركزي حريص دائمًا على سلامة القطاع المصرفي والمالي بعيداً عن أية هزات أو أزمات من خلال الرقابة اللصيقة على القطاع ومتابعة كلِّ ما يدور على الساحة المالية المحلية والإقليمية والدولية. أما على صعيد القروض الاستهلاكية فأرى أنها باتت محدودة في ظلِّ شروط الإقراض التي لا تتيح للأفراد الإقراض بأكثر من 40 % من صافي الدخل الشهري لاسيَّما وأن 90 % من المواطنين موظَّفون لدى القطاع العام، لكن على صعيد العمالة الوافدة فالخيارات التمويلية الاستهلاكية قليلة للغاية، لكن ليست هناك مخاوف من هذه الناحية، فالنمو المحقَّق دائمًا في القروض الاستهلاكية يبقى في حدود المعقول، ووفقًا للبيانات المالية الصادرة مؤخراً عن البنك المركزي فقد نمت القروض الممنوحة للمقيمين بنحو 6 % حيث سجَّلت حوالي 52 مليار دينار خلال التسعة أشهر الأولى من العام 2025 وهذا معدَّل نمو طبيعي ومقبول.
● ماذا عن السيولة النقدية الفائضة لدي القطاع المصرفي وسبل توظيفها بالطــرق المثلى؟
البنوك في الوقت الراهن تحتجز جزءاً كبيراً من السيولة الفائضة لديها من أجل تمويل المشاريع التنموية الكبرى، حيث تشير التقديرات إلى أن لدى القطاع المصرفي الكويتي سيولة نقدية متاحة في حدود 6-7 مليارات دينار وهي كافية للتمويل الإسكاني للمشاريع الحالية أو تلك المرتقبة، والقواعد المالية لدى البنوك راسخة وتستطيع أن تموِّل التوسُّع في الائتمان.
● لماذا غابت الكويت عن اصدار السندات والصكوك كأداة تمويل متداولة عالمياً هل السبب يرجع إلي ضعف بيئة التشريعات؟
أولاً لابدَّ من التفرقة بين إصدار السندات أو الصكوك، كلاهما عملية لتمويل الشركات أو الحكومات، حيث تبيع هذه الجهات أوراقًا مالية للمستثمرين مقابل رأس المال. الفرق الأساسي هو أن السندات دين تقليدي، بينما الصكوك تمثِّل حصة شائعة في ملكية أصول حقيقية ومتوافقة مع مبادئ الشريعة الإسلامية، لدينا تشريعات كافية للقيام بإصدار سندات أو صكوك، هيئة أسواق المال لديها التعليمات اللازمة والصلاحية الكاملة لإصدار سندات، لكن القرار يعود بالدرجة الأولى إلى صاحب الإصدار ورؤيته للسوق ومدى الاحتياج إلى هذه الأداة التمويلية.
غياب الإصدارات عن السوق الكويتي يعود لعدة عوامل أبرزها عدم توافر عامل الخبرة لدى الجهات الراغبة في الإصدار وربما التخوُّف من بعض المخاطر المصاحبة، كما أنه من الأسهل إصدارات السندات خارج الكويت لوجود أسواق ذات ثقل وعمق كبير في مجال الإصدار وهذا الثقل لا زال مفقودًا في السوق المحلي، فقط نحتاج إلى من يبادر أولاً ومن ثم يفتح المجال واسعًا أمام الباقين كجانب أمان لمن يقوم من بعده بهذه الخطوة، عندها سنرى إصدارات في السوق المحلي.
● ما توقعاتكم بشأن أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي نهاية العام الجاري؟
أغلب التوقعات لدى البنوك المركزية العالمية وبالتبعية في بنوك الخليج المركزية وكذلك لدينا كخبراء اقتصاد تشير الي خضوع رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي للضغوط التي يمارسها الرئيس ترامب لخفض سعر الفائدة نهاية العام الجاري.