الدفع الرقمي يفرض هيمنته على إنفاق الكويتيين
تشهد الكويت تحولاً استهلاكياً عميقاً يعيد رسم خريطة الإنفاق اليومي، مع تراجع غير مسبوق في الاعتماد على السحب النقدي، مقابل صعود لافت للدفع الإلكتروني عبر نقاط البيع والمشتريات عبر الإنترنت، في انعكاس مباشر لتسارع الرقمنة المالية وتغيّر سلوك المستهلكين.
وأظهرت الأرقام الرسمية الصادرة عن بنك الكويت المركزي أن اجمالي الانفاق الاستهلاكي بلغ نحو 34.35 مليار دينار خلال 9 أشهر، واستحوذ الدفع الإلكتروني منها على نحو 27.52 مليار دينار، ما يعادل قرابة 80 % من إجمالي الإنفاق، في حين لم تتجاوز قيمة سحوبات «الكاش» عبر أجهزة السحب الآلي 6.83 مليارات دينار، بنسبة تقل عن 20 %، وهو أدنى مستوى تاريخي لاعتماد النقد في السوق المحلي.
ويعكس هذا التحول المتسارع ارتفاع ثقة المستهلكين في أدوات الدفع الرقمية، مدعوماً بتوسع البنية التحتية لنقاط البيع، خاصة شبكة «كي نت»، التي باتت تغطي مختلف أنماط التجارة، من المولات والمتاجر الكبرى إلى المحلات الصغيرة والمتوسطة، ما جعل الدفع الإلكتروني جزءاً أساسياً من نمط الحياة اليومية.
كما لعبت التجارة الإلكترونية وخدمات التوصيل السريع دوراً محورياً في تسريع هذا التحول، حيث أصبح بإمكان المستهلك إنجاز معظم مشترياته دون الحاجة إلى التعامل النقدي، وهو ما أسهم في تقليص الاعتماد على الكاش، ورفع كفاءة العمليات التجارية.
تشريعات تُسرّع التحول
وجاءت السياسات الحكومية لتدفع هذا الاتجاه بقوة، إذ أصدرت وزارة التجارة والصناعة القرار الوزاري رقم 182 لسنة 2025، الذي حظر التعاملات النقدية في تجارة الذهب والأحجار الكريمة والمعادن الثمينة، وألزم باستخدام وسائل الدفع غير النقدية المعتمدة من بنك الكويت المركزي، في خطوة تعزز الشفافية وتحد من التداولات النقدية عالية المخاطر.
ويمثل القرار نقلة نوعية في ضبط التدفقات المالية، ويُتوقع أن يسهم في تقليص إضافي لسحوبات الكاش، وتحفيز استخدام البطاقات المصرفية وأدوات الدفع الرقمية في قطاعات كانت تقليدياً تعتمد على النقد.
إنفاق يومي بالملايين
على صعيد التجارة الإلكترونية العابرة للحدود، أظهرت البيانات أن الكويتيين ينفقون يومياً نحو 3.81 ملايين دينار على المشتريات الإلكترونية من الخارج، ليصل إجمالي الإنفاق خلال أول 9 أشهر من 2025 إلى 1.041 مليار دينار.
ورغم تراجع هذا الرقم بنسبة 4.79 % مقارنة بالفترة نفسها من 2024، إلا أن الإنفاق ظل متماسكاً، مع تسجيل نمو فصلي واضح، حيث ارتفعت المشتريات من 308.5 ملايين دينار في الربع الأول إلى 399.4 مليون دينار في الربع الثالث، مدفوعة بالمواسم والعروض العالمية.
واستحوذت بطاقات الائتمان على 69% من هذا الإنفاق بقيمة 716.7 مليون دينار، ما يعكس تفضيل المستهلكين لمرونة الدفع والمكافآت، وفي الوقت ذاته يسلط الضوء على أهمية تعزيز الوعي المالي لتجنب التوسع غير المدروس في الاستهلاك الائتماني.