الدين الأمريكي تحت النار : سوق السندات تعاقب واشنطن.. والحرب ترفع فاتورة التمويل
في تطور لافت داخل أكبر سوق دين في العالم، بدأت سوق السندات الأمريكية تعكس بوضوح أثر الحرب التي يقودها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ضد إيران، في وقت تتزايد فيه المخاوف من أن تتحول هذه الحرب من حدث جيوسياسي إلى عبء مالي ونقدي مباشر على الاقتصاد الأمريكي.
فبعد أشهر من الرهان على أن أي تصعيد قد يبقى محدوداً أو قصير الأجل، بدأت الأسواق تعيد تسعير المشهد بشكل أكثر واقعية، مع تراجع إقبال المستثمرين على سندات الخزانة الأمريكية، خصوصاً في الآجال القصيرة والمتوسطة، وارتفاع العوائد إلى مستويات تفوق التوقعات، في إشارة إلى أن المستثمرين لم يعودوا يتعاملون مع الدين الأمريكي كملاذ خالٍ تماماً من القلق.
وهذا التحول بالغ الدلالة، لأن سوق السندات لا تقيس فقط تكلفة الاقتراض الحكومي، بل تمثل أيضاً مرآة حساسة لتوقعات التضخم، والسياسة النقدية، والنمو، والانضباط المالي، وثقة المستثمرين في قدرة الحكومة الأمريكية على تمويل التزاماتها بكفاءة ودون اضطراب.
ضعف الطلب يكشف التحول
خلال الأسبوع الماضي، جاءت نتائج مزادات سندات الخزانة لأجل سنتين و5 و7 سنوات أضعف من المتوقع، ما اضطر وزارة الخزانة إلى تقديم عوائد أعلى لجذب المشترين، في مؤشر واضح على تراجع شهية المستثمرين تجاه الدين الأمريكي في ظل البيئة الحالية.
وهذا الأداء شكّل تناقضاً واضحاً مع المزاج الذي ساد قبل فترة قصيرة فقط، حين سجل أحد مزادات السندات لأجل 30 عاماً أعلى طلب في تاريخه، ما يعكس أن السوق انتقلت بسرعة من الاطمئنان النسبي إلى الحذر المتزايد.
ويكشف هذا التباين أن المستثمرين لم يعودوا ينظرون إلى السندات الأمريكية بالمنطق التقليدي ذاته، بل باتوا يفرّقون بين آجال الاستحقاق وفقاً لحساسية كل منها تجاه الفائدة، والتضخم، وتمويل العجز، وتكاليف الحرب.
السندات القصيرة تحت الضغط
الضغوط كانت أوضح على السندات قصيرة الأجل، وهي الفئة الأكثر تأثراً بتوقعات السياسة النقدية الأمريكية. فمع ارتفاع أسعار النفط نتيجة الحرب، بدأت الأسواق تتعامل مع سيناريو أكثر صعوبة يتمثل في عودة الضغوط التضخمية وتأجيل أي خفض محتمل للفائدة، بل وارتفاع احتمالات أن يضطر الاحتياطي الفيدرالي إلى الإبقاء على معدلات الفائدة مرتفعة لفترة أطول، أو حتى إعادة النظر في مسارها إذا تصاعدت الصدمة.
وهذا التحول في التوقعات يفسر لماذا تعرضت السندات القصيرة لموجة ضغط أقوى من بعض الآجال الأخرى، لأن المستثمرين باتوا أكثر حساسية تجاه أي تطور قد يدفع الفيدرالي إلى تبني موقف أكثر تشدداً.
وفي هذا السياق، فإن ارتفاع النفط لم يعد مجرد متغير طاقي، بل أصبح أداة لإعادة تسعير الفائدة نفسها، وهو ما يضع سوق السندات في قلب الحرب وليس على هامشها.
الحرب تضعف صورة الدين الأمريكي
إلى جانب أثر النفط والتضخم، برز عامل آخر لا يقل أهمية، يتمثل في التكلفة المباشرة للحرب وانعكاسها على صورة الدين العام الأمريكي.
فالتقارير المتداولة تشير إلى أن البنتاغون يسعى للحصول على 200 مليار دولار إضافية من الكونغرس لتمويل العمليات العسكرية والاحتياجات المرتبطة بالحرب، في وقت تعاني فيه الولايات المتحدة أساساً من عجز مالي مرتفع ومسار دين عام يثير القلق منذ سنوات.
ولا تقتصر الكلفة على الذخائر عالية الثمن التي استُهلكت خلال العمليات، بل تشمل أيضاً الأضرار التي لحقت بطائرات ومعدات رادار وقواعد عسكرية أمريكية نتيجة الهجمات الإيرانية، ما يعني أن الفاتورة المالية للحرب مرشحة للتوسع إذا طال أمدها أو اتسع نطاقها.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية بالنسبة لسوق السندات: فكل دولار إضافي يُنفق على الحرب يعني في الغالب مزيداً من الاقتراض، وكل اقتراض إضافي يعني معروضاً أكبر من السندات، ما يفرض ضغوطاً تصاعدية على العوائد.
السوق بدأت «تسعّر الحرب»
في هذا الإطار، قال جوزيف بروسويلاس، كبير الاقتصاديين في RSM، إن سوق سندات الخزانة استجابت أخيراً للحرب في الشرق الأوسط، وبدأت بتقييم أثر صدمة الطاقة والتضخم والاختلال المالي الناجم عن الصراع.
هذا التوصيف مهم للغاية، لأنه يعني أن السوق لم تعد ترى الحرب كخطر سياسي منفصل، بل بدأت تتعامل معها كعامل مالي واقتصادي مباشر يغيّر هيكل المخاطر الأمريكية.
وأشار بروسويلاس إلى أن المستثمرين باتوا يواجهون ثلاثة مخاوف متداخلة:
1 – وضع مالي أمريكي غير مستدام
2 – مخاطر تضخم متصاعدة
3 – زيادة عدم اليقين المرتبط بالحرب
وهي تركيبة تُعد من أكثر البيئات إزعاجاً لسوق السندات، لأنها تجمع بين ما يضر الائتمان السيادي، وما يضغط على السياسة النقدية، وما يرفع علاوة المخاطر في آن واحد.
العوائد ترتفع.. والتقلبات تتسع
انعكس هذا التحول بوضوح على حركة السوق. فقد ارتفع عائد السند الأمريكي لأجل سنتين إلى ما يزيد على 4 %، بينما تجاوز عائد السند لأجل 10 سنوات مستوى 4.4 %، في إشارة إلى أن المستثمرين يطلبون الآن تعويضاً أعلى مقابل الاحتفاظ بالدين الأمريكي.
كما ارتفع مؤشر MOVE، وهو المؤشر الأبرز الذي يقيس تقلبات سوق السندات الأمريكية، إلى مستويات تعكس اضطراباً في تسعير السياسة النقدية وعدم استقرار في منحنى العائد.
وهذا الارتفاع في التقلبات ليس مجرد تفصيل فني، بل يمثل تحذيراً مهماً، لأن سوق السندات الأمريكية هي المرجع الأساسي لتسعير الاقتراض عالمياً. وعندما ترتفع تقلباتها، فإن الأثر لا يقتصر على واشنطن، بل يمتد إلى الرهن العقاري، والائتمان المصرفي، وسندات الشركات، والأسواق الناشئة، والدولار، وتكلفة رأس المال عالمياً.
مراقبو السندات يعودون إلى الواجهة
لطالما لعبت سوق السندات دوراً غير مباشر في كبح جماح الساسة والرؤساء الأمريكيين، لأنها تفرض حدوداً عملية على القدرة على التوسع المالي دون تكلفة.
وهذا ما حدث في محطات سابقة، حين أجبرت موجات بيع السندات الإدارات الأمريكية على تعديل مواقفها أو التراجع عن بعض السياسات. ويُذكر أن ترمب نفسه اضطر في العام الماضي إلى التخفيف من حدة حربه التجارية بعدما تسبب اضطراب سوق السندات في إرسال إشارات تحذيرية واضحة.
واليوم، ومع دخول الولايات المتحدة في حرب فعلية ذات كلفة مفتوحة، يبدو أن ما يُعرف بـ«مراقبي السندات» قد يعودون إلى ممارسة نفوذهم من جديد، عبر فرض تكلفة أعلى على الاقتراض وإرسال رسالة مفادها أن التمويل غير المحدود لم يعد مضموناً دون ثمن.
وبحسب بروسويلاس، فإن الحاجة إلى إنفاق إضافي لتمويل الحرب ستؤدي إلى زيادة الدين الأمريكي، وهو ما يثير عمليات بيع في السوق لأن المستثمرين سيطالبون بعلاوة مخاطر إضافية لتغطية احتمالات التوسع المالي والتضخم وعدم اليقين.
تكاليف الاقتراض مرشحة للصعود
الخطورة هنا لا تقتصر على الحكومة الفيدرالية فقط، بل تمتد إلى الاقتصاد الأمريكي بأكمله. فارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل، وخاصة سندات الـ10 سنوات، ينعكس مباشرة على تكلفة الاقتراض في الاقتصاد الحقيقي.
فعلى سبيل المثال، تعتمد معدلات الرهن العقاري لأجل 30 عاماً جزئياً على عائد السندات الأمريكية طويلة الأجل، ما يعني أن أي ارتفاع إضافي في عوائد الخزانة سيزيد الضغط على سوق الإسكان، ويؤثر على تمويل الشركات، والاستثمار، والإنفاق الاستهلاكي.
وبالتالي، فإن الحرب لا تهدد فقط التوازن المالي للحكومة، بل قد ترفع أيضاً تكلفة المال على الأسر والشركات الأمريكية، وهو ما يضعف النشاط الاقتصادي في وقت غير مناسب.
وهذه المعادلة شديدة الحساسية:
عرض ضخم من السندات + شهية أقل + مخاطر حرب + تضخم + عجز مرتفع = ضغط تصاعدي على العوائد.
وهنا يصبح السؤال المركزي: هل تستطيع الولايات المتحدة تمويل هذا الحجم من الاحتياجات دون أن ترتفع تكلفة الاقتراض إلى مستويات أكثر إيلاماً؟
ضغط أوسع على أسواق الدخل الثابت
ولا تتوقف الضغوط عند الدين الحكومي. فقد أشار سلوك أيضاً إلى أن إجمالي إصدار سندات الشركات في 2026 قد يصل إلى تريليوني دولار، مدفوعاً خصوصاً بزيادة المعروض من شركات الحوسبة السحابية الكبرى، التي تحتاج إلى تمويلات ضخمة للاستثمار في البنية التحتية الرقمية والذكاء الاصطناعي.
وأضاف أن إجمالي المعروض من أدوات الدخل الثابت الاستثمارية هذا العام قد يبلغ 14 تريليون دولار، وهو رقم ضخم يوضح أن السوق لا تواجه فقط عبء تمويل الحرب والعجز الحكومي، بل أيضاً فيضاً من الإصدارات الاستثمارية من القطاع الخاص.
وهذا التراكم في المعروض يعني ببساطة أن أسعار الفائدة وفروق الائتمان ستظل تحت ضغط تصاعدي، لأن المستثمرين سيصبحون أكثر انتقائية، ولن يضخوا أموالهم إلا بعوائد أعلى وهوامش أوسع.