تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدين‭ ‬الأمريكي‭ ‬تحت‭ ‬النار‭ : ‬سوق‭ ‬السندات‭ ‬تعاقب‭ ‬واشنطن‭.. ‬والحرب‭ ‬ترفع‭ ‬فاتورة‭ ‬التمويل

الدين‭ ‬الأمريكي‭ ‬تحت‭ ‬النار‭ : ‬سوق‭ ‬السندات‭ ‬تعاقب‭ ‬واشنطن‭.. ‬والحرب‭ ‬ترفع‭ ‬فاتورة‭ ‬التمويل

في‭ ‬تطور‭ ‬لافت‭ ‬داخل‭ ‬أكبر‭ ‬سوق‭ ‬دين‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬بدأت‭ ‬سوق‭ ‬السندات‭ ‬الأمريكية‭ ‬تعكس‭ ‬بوضوح‭ ‬أثر‭ ‬الحرب‭ ‬التي‭ ‬يقودها‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬دونالد‭ ‬ترمب‭ ‬ضد‭ ‬إيران،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬تتزايد‭ ‬فيه‭ ‬المخاوف‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬من‭ ‬حدث‭ ‬جيوسياسي‭ ‬إلى‭ ‬عبء‭ ‬مالي‭ ‬ونقدي‭ ‬مباشر‭ ‬على‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأمريكي‭.‬
فبعد‭ ‬أشهر‭ ‬من‭ ‬الرهان‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬تصعيد‭ ‬قد‭ ‬يبقى‭ ‬محدوداً‭ ‬أو‭ ‬قصير‭ ‬الأجل،‭ ‬بدأت‭ ‬الأسواق‭ ‬تعيد‭ ‬تسعير‭ ‬المشهد‭ ‬بشكل‭ ‬أكثر‭ ‬واقعية،‭ ‬مع‭ ‬تراجع‭ ‬إقبال‭ ‬المستثمرين‭ ‬على‭ ‬سندات‭ ‬الخزانة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬الآجال‭ ‬القصيرة‭ ‬والمتوسطة،‭ ‬وارتفاع‭ ‬العوائد‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬تفوق‭ ‬التوقعات،‭ ‬في‭ ‬إشارة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬المستثمرين‭ ‬لم‭ ‬يعودوا‭ ‬يتعاملون‭ ‬مع‭ ‬الدين‭ ‬الأمريكي‭ ‬كملاذ‭ ‬خالٍ‭ ‬تماماً‭ ‬من‭ ‬القلق‭.‬
وهذا‭ ‬التحول‭ ‬بالغ‭ ‬الدلالة،‭ ‬لأن‭ ‬سوق‭ ‬السندات‭ ‬لا‭ ‬تقيس‭ ‬فقط‭ ‬تكلفة‭ ‬الاقتراض‭ ‬الحكومي،‭ ‬بل‭ ‬تمثل‭ ‬أيضاً‭ ‬مرآة‭ ‬حساسة‭ ‬لتوقعات‭ ‬التضخم،‭ ‬والسياسة‭ ‬النقدية،‭ ‬والنمو،‭ ‬والانضباط‭ ‬المالي،‭ ‬وثقة‭ ‬المستثمرين‭ ‬في‭ ‬قدرة‭ ‬الحكومة‭ ‬الأمريكية‭ ‬على‭ ‬تمويل‭ ‬التزاماتها‭ ‬بكفاءة‭ ‬ودون‭ ‬اضطراب‭.‬

ضعف‭ ‬الطلب‭ ‬يكشف‭ ‬التحول

خلال‭ ‬الأسبوع‭ ‬الماضي،‭ ‬جاءت‭ ‬نتائج‭ ‬مزادات‭ ‬سندات‭ ‬الخزانة‭ ‬لأجل‭ ‬سنتين‭ ‬و5‭ ‬و7‭ ‬سنوات‭ ‬أضعف‭ ‬من‭ ‬المتوقع،‭ ‬ما‭ ‬اضطر‭ ‬وزارة‭ ‬الخزانة‭ ‬إلى‭ ‬تقديم‭ ‬عوائد‭ ‬أعلى‭ ‬لجذب‭ ‬المشترين،‭ ‬في‭ ‬مؤشر‭ ‬واضح‭ ‬على‭ ‬تراجع‭ ‬شهية‭ ‬المستثمرين‭ ‬تجاه‭ ‬الدين‭ ‬الأمريكي‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬البيئة‭ ‬الحالية‭.‬
وهذا‭ ‬الأداء‭ ‬شكّل‭ ‬تناقضاً‭ ‬واضحاً‭ ‬مع‭ ‬المزاج‭ ‬الذي‭ ‬ساد‭ ‬قبل‭ ‬فترة‭ ‬قصيرة‭ ‬فقط،‭ ‬حين‭ ‬سجل‭ ‬أحد‭ ‬مزادات‭ ‬السندات‭ ‬لأجل‭ ‬30‭ ‬عاماً‭ ‬أعلى‭ ‬طلب‭ ‬في‭ ‬تاريخه،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬أن‭ ‬السوق‭ ‬انتقلت‭ ‬بسرعة‭ ‬من‭ ‬الاطمئنان‭ ‬النسبي‭ ‬إلى‭ ‬الحذر‭ ‬المتزايد‭.‬
ويكشف‭ ‬هذا‭ ‬التباين‭ ‬أن‭ ‬المستثمرين‭ ‬لم‭ ‬يعودوا‭ ‬ينظرون‭ ‬إلى‭ ‬السندات‭ ‬الأمريكية‭ ‬بالمنطق‭ ‬التقليدي‭ ‬ذاته،‭ ‬بل‭ ‬باتوا‭ ‬يفرّقون‭ ‬بين‭ ‬آجال‭ ‬الاستحقاق‭ ‬وفقاً‭ ‬لحساسية‭ ‬كل‭ ‬منها‭ ‬تجاه‭ ‬الفائدة،‭ ‬والتضخم،‭ ‬وتمويل‭ ‬العجز،‭ ‬وتكاليف‭ ‬الحرب‭.‬

السندات‭ ‬القصيرة‭ ‬تحت‭ ‬الضغط

الضغوط‭ ‬كانت‭ ‬أوضح‭ ‬على‭ ‬السندات‭ ‬قصيرة‭ ‬الأجل،‭ ‬وهي‭ ‬الفئة‭ ‬الأكثر‭ ‬تأثراً‭ ‬بتوقعات‭ ‬السياسة‭ ‬النقدية‭ ‬الأمريكية‭. ‬فمع‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬نتيجة‭ ‬الحرب،‭ ‬بدأت‭ ‬الأسواق‭ ‬تتعامل‭ ‬مع‭ ‬سيناريو‭ ‬أكثر‭ ‬صعوبة‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬عودة‭ ‬الضغوط‭ ‬التضخمية‭ ‬وتأجيل‭ ‬أي‭ ‬خفض‭ ‬محتمل‭ ‬للفائدة،‭ ‬بل‭ ‬وارتفاع‭ ‬احتمالات‭ ‬أن‭ ‬يضطر‭ ‬الاحتياطي‭ ‬الفيدرالي‭ ‬إلى‭ ‬الإبقاء‭ ‬على‭ ‬معدلات‭ ‬الفائدة‭ ‬مرتفعة‭ ‬لفترة‭ ‬أطول،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬مسارها‭ ‬إذا‭ ‬تصاعدت‭ ‬الصدمة‭.‬
وهذا‭ ‬التحول‭ ‬في‭ ‬التوقعات‭ ‬يفسر‭ ‬لماذا‭ ‬تعرضت‭ ‬السندات‭ ‬القصيرة‭ ‬لموجة‭ ‬ضغط‭ ‬أقوى‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬الآجال‭ ‬الأخرى،‭ ‬لأن‭ ‬المستثمرين‭ ‬باتوا‭ ‬أكثر‭ ‬حساسية‭ ‬تجاه‭ ‬أي‭ ‬تطور‭ ‬قد‭ ‬يدفع‭ ‬الفيدرالي‭ ‬إلى‭ ‬تبني‭ ‬موقف‭ ‬أكثر‭ ‬تشدداً‭.‬
وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬فإن‭ ‬ارتفاع‭ ‬النفط‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مجرد‭ ‬متغير‭ ‬طاقي،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬أداة‭ ‬لإعادة‭ ‬تسعير‭ ‬الفائدة‭ ‬نفسها،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يضع‭ ‬سوق‭ ‬السندات‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬الحرب‭ ‬وليس‭ ‬على‭ ‬هامشها‭.‬

الحرب‭ ‬تضعف‭ ‬صورة‭ ‬الدين‭ ‬الأمريكي

إلى‭ ‬جانب‭ ‬أثر‭ ‬النفط‭ ‬والتضخم،‭ ‬برز‭ ‬عامل‭ ‬آخر‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬أهمية،‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬التكلفة‭ ‬المباشرة‭ ‬للحرب‭ ‬وانعكاسها‭ ‬على‭ ‬صورة‭ ‬الدين‭ ‬العام‭ ‬الأمريكي‭.‬
فالتقارير‭ ‬المتداولة‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬البنتاغون‭ ‬يسعى‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬200‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬إضافية‭ ‬من‭ ‬الكونغرس‭ ‬لتمويل‭ ‬العمليات‭ ‬العسكرية‭ ‬والاحتياجات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالحرب،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬تعاني‭ ‬فيه‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬أساساً‭ ‬من‭ ‬عجز‭ ‬مالي‭ ‬مرتفع‭ ‬ومسار‭ ‬دين‭ ‬عام‭ ‬يثير‭ ‬القلق‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭.‬
ولا‭ ‬تقتصر‭ ‬الكلفة‭ ‬على‭ ‬الذخائر‭ ‬عالية‭ ‬الثمن‭ ‬التي‭ ‬استُهلكت‭ ‬خلال‭ ‬العمليات،‭ ‬بل‭ ‬تشمل‭ ‬أيضاً‭ ‬الأضرار‭ ‬التي‭ ‬لحقت‭ ‬بطائرات‭ ‬ومعدات‭ ‬رادار‭ ‬وقواعد‭ ‬عسكرية‭ ‬أمريكية‭ ‬نتيجة‭ ‬الهجمات‭ ‬الإيرانية،‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الفاتورة‭ ‬المالية‭ ‬للحرب‭ ‬مرشحة‭ ‬للتوسع‭ ‬إذا‭ ‬طال‭ ‬أمدها‭ ‬أو‭ ‬اتسع‭ ‬نطاقها‭.‬
وهنا‭ ‬تبدأ‭ ‬المشكلة‭ ‬الحقيقية‭ ‬بالنسبة‭ ‬لسوق‭ ‬السندات‭: ‬فكل‭ ‬دولار‭ ‬إضافي‭ ‬يُنفق‭ ‬على‭ ‬الحرب‭ ‬يعني‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬مزيداً‭ ‬من‭ ‬الاقتراض،‭ ‬وكل‭ ‬اقتراض‭ ‬إضافي‭ ‬يعني‭ ‬معروضاً‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬السندات،‭ ‬ما‭ ‬يفرض‭ ‬ضغوطاً‭ ‬تصاعدية‭ ‬على‭ ‬العوائد‭.‬
السوق‭ ‬بدأت‭ ‬‮«‬تسعّر‭ ‬الحرب‮»‬

في‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬قال‭ ‬جوزيف‭ ‬بروسويلاس،‭ ‬كبير‭ ‬الاقتصاديين‭ ‬في‭ ‬RSM،‭ ‬إن‭ ‬سوق‭ ‬سندات‭ ‬الخزانة‭ ‬استجابت‭ ‬أخيراً‭ ‬للحرب‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬وبدأت‭ ‬بتقييم‭ ‬أثر‭ ‬صدمة‭ ‬الطاقة‭ ‬والتضخم‭ ‬والاختلال‭ ‬المالي‭ ‬الناجم‭ ‬عن‭ ‬الصراع‭.‬
هذا‭ ‬التوصيف‭ ‬مهم‭ ‬للغاية،‭ ‬لأنه‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬السوق‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬ترى‭ ‬الحرب‭ ‬كخطر‭ ‬سياسي‭ ‬منفصل،‭ ‬بل‭ ‬بدأت‭ ‬تتعامل‭ ‬معها‭ ‬كعامل‭ ‬مالي‭ ‬واقتصادي‭ ‬مباشر‭ ‬يغيّر‭ ‬هيكل‭ ‬المخاطر‭ ‬الأمريكية‭.‬
وأشار‭ ‬بروسويلاس‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬المستثمرين‭ ‬باتوا‭ ‬يواجهون‭ ‬ثلاثة‭ ‬مخاوف‭ ‬متداخلة‭:‬
1‭ – ‬وضع‭ ‬مالي‭ ‬أمريكي‭ ‬غير‭ ‬مستدام
2‭ – ‬مخاطر‭ ‬تضخم‭ ‬متصاعدة
3‭ – ‬زيادة‭ ‬عدم‭ ‬اليقين‭ ‬المرتبط‭ ‬بالحرب
وهي‭ ‬تركيبة‭ ‬تُعد‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬البيئات‭ ‬إزعاجاً‭ ‬لسوق‭ ‬السندات،‭ ‬لأنها‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬يضر‭ ‬الائتمان‭ ‬السيادي،‭ ‬وما‭ ‬يضغط‭ ‬على‭ ‬السياسة‭ ‬النقدية،‭ ‬وما‭ ‬يرفع‭ ‬علاوة‭ ‬المخاطر‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد‭.‬

العوائد‭ ‬ترتفع‭.. ‬والتقلبات‭ ‬تتسع

انعكس‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬بوضوح‭ ‬على‭ ‬حركة‭ ‬السوق‭. ‬فقد‭ ‬ارتفع‭ ‬عائد‭ ‬السند‭ ‬الأمريكي‭ ‬لأجل‭ ‬سنتين‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬على‭ ‬4‭ %‬،‭ ‬بينما‭ ‬تجاوز‭ ‬عائد‭ ‬السند‭ ‬لأجل‭ ‬10‭ ‬سنوات‭ ‬مستوى‭ ‬4‭.‬4‭ %‬،‭ ‬في‭ ‬إشارة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬المستثمرين‭ ‬يطلبون‭ ‬الآن‭ ‬تعويضاً‭ ‬أعلى‭ ‬مقابل‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬بالدين‭ ‬الأمريكي‭.‬
كما‭ ‬ارتفع‭ ‬مؤشر‭ ‬MOVE،‭ ‬وهو‭ ‬المؤشر‭ ‬الأبرز‭ ‬الذي‭ ‬يقيس‭ ‬تقلبات‭ ‬سوق‭ ‬السندات‭ ‬الأمريكية،‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬تعكس‭ ‬اضطراباً‭ ‬في‭ ‬تسعير‭ ‬السياسة‭ ‬النقدية‭ ‬وعدم‭ ‬استقرار‭ ‬في‭ ‬منحنى‭ ‬العائد‭.‬
وهذا‭ ‬الارتفاع‭ ‬في‭ ‬التقلبات‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬تفصيل‭ ‬فني،‭ ‬بل‭ ‬يمثل‭ ‬تحذيراً‭ ‬مهماً،‭ ‬لأن‭ ‬سوق‭ ‬السندات‭ ‬الأمريكية‭ ‬هي‭ ‬المرجع‭ ‬الأساسي‭ ‬لتسعير‭ ‬الاقتراض‭ ‬عالمياً‭. ‬وعندما‭ ‬ترتفع‭ ‬تقلباتها،‭ ‬فإن‭ ‬الأثر‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬واشنطن،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬الرهن‭ ‬العقاري،‭ ‬والائتمان‭ ‬المصرفي،‭ ‬وسندات‭ ‬الشركات،‭ ‬والأسواق‭ ‬الناشئة،‭ ‬والدولار،‭ ‬وتكلفة‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬عالمياً‭.‬

مراقبو‭ ‬السندات‭ ‬يعودون‭ ‬إلى‭ ‬الواجهة

لطالما‭ ‬لعبت‭ ‬سوق‭ ‬السندات‭ ‬دوراً‭ ‬غير‭ ‬مباشر‭ ‬في‭ ‬كبح‭ ‬جماح‭ ‬الساسة‭ ‬والرؤساء‭ ‬الأمريكيين،‭ ‬لأنها‭ ‬تفرض‭ ‬حدوداً‭ ‬عملية‭ ‬على‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التوسع‭ ‬المالي‭ ‬دون‭ ‬تكلفة‭.‬
وهذا‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬محطات‭ ‬سابقة،‭ ‬حين‭ ‬أجبرت‭ ‬موجات‭ ‬بيع‭ ‬السندات‭ ‬الإدارات‭ ‬الأمريكية‭ ‬على‭ ‬تعديل‭ ‬مواقفها‭ ‬أو‭ ‬التراجع‭ ‬عن‭ ‬بعض‭ ‬السياسات‭. ‬ويُذكر‭ ‬أن‭ ‬ترمب‭ ‬نفسه‭ ‬اضطر‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬الماضي‭ ‬إلى‭ ‬التخفيف‭ ‬من‭ ‬حدة‭ ‬حربه‭ ‬التجارية‭ ‬بعدما‭ ‬تسبب‭ ‬اضطراب‭ ‬سوق‭ ‬السندات‭ ‬في‭ ‬إرسال‭ ‬إشارات‭ ‬تحذيرية‭ ‬واضحة‭.‬
واليوم،‭ ‬ومع‭ ‬دخول‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬فعلية‭ ‬ذات‭ ‬كلفة‭ ‬مفتوحة،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬بـ«مراقبي‭ ‬السندات‮»‬‭ ‬قد‭ ‬يعودون‭ ‬إلى‭ ‬ممارسة‭ ‬نفوذهم‭ ‬من‭ ‬جديد،‭ ‬عبر‭ ‬فرض‭ ‬تكلفة‭ ‬أعلى‭ ‬على‭ ‬الاقتراض‭ ‬وإرسال‭ ‬رسالة‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬التمويل‭ ‬غير‭ ‬المحدود‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مضموناً‭ ‬دون‭ ‬ثمن‭.‬
وبحسب‭ ‬بروسويلاس،‭ ‬فإن‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬إنفاق‭ ‬إضافي‭ ‬لتمويل‭ ‬الحرب‭ ‬ستؤدي‭ ‬إلى‭ ‬زيادة‭ ‬الدين‭ ‬الأمريكي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يثير‭ ‬عمليات‭ ‬بيع‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬لأن‭ ‬المستثمرين‭ ‬سيطالبون‭ ‬بعلاوة‭ ‬مخاطر‭ ‬إضافية‭ ‬لتغطية‭ ‬احتمالات‭ ‬التوسع‭ ‬المالي‭ ‬والتضخم‭ ‬وعدم‭ ‬اليقين‭.‬

تكاليف‭ ‬الاقتراض‭ ‬مرشحة‭ ‬للصعود

الخطورة‭ ‬هنا‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬الحكومة‭ ‬الفيدرالية‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأمريكي‭ ‬بأكمله‭. ‬فارتفاع‭ ‬عوائد‭ ‬السندات‭ ‬طويلة‭ ‬الأجل،‭ ‬وخاصة‭ ‬سندات‭ ‬الـ10‭ ‬سنوات،‭ ‬ينعكس‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬تكلفة‭ ‬الاقتراض‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الحقيقي‭.‬
فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬تعتمد‭ ‬معدلات‭ ‬الرهن‭ ‬العقاري‭ ‬لأجل‭ ‬30‭ ‬عاماً‭ ‬جزئياً‭ ‬على‭ ‬عائد‭ ‬السندات‭ ‬الأمريكية‭ ‬طويلة‭ ‬الأجل،‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬ارتفاع‭ ‬إضافي‭ ‬في‭ ‬عوائد‭ ‬الخزانة‭ ‬سيزيد‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬سوق‭ ‬الإسكان،‭ ‬ويؤثر‭ ‬على‭ ‬تمويل‭ ‬الشركات،‭ ‬والاستثمار،‭ ‬والإنفاق‭ ‬الاستهلاكي‭.‬
وبالتالي،‭ ‬فإن‭ ‬الحرب‭ ‬لا‭ ‬تهدد‭ ‬فقط‭ ‬التوازن‭ ‬المالي‭ ‬للحكومة،‭ ‬بل‭ ‬قد‭ ‬ترفع‭ ‬أيضاً‭ ‬تكلفة‭ ‬المال‭ ‬على‭ ‬الأسر‭ ‬والشركات‭ ‬الأمريكية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يضعف‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬غير‭ ‬مناسب‭.‬

وهذه‭ ‬المعادلة‭ ‬شديدة‭ ‬الحساسية‭:‬
عرض‭ ‬ضخم‭ ‬من‭ ‬السندات‭ + ‬شهية‭ ‬أقل‭ + ‬مخاطر‭ ‬حرب‭ + ‬تضخم‭ + ‬عجز‭ ‬مرتفع‭ = ‬ضغط‭ ‬تصاعدي‭ ‬على‭ ‬العوائد‭.‬
وهنا‭ ‬يصبح‭ ‬السؤال‭ ‬المركزي‭: ‬هل‭ ‬تستطيع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تمويل‭ ‬هذا‭ ‬الحجم‭ ‬من‭ ‬الاحتياجات‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬ترتفع‭ ‬تكلفة‭ ‬الاقتراض‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬أكثر‭ ‬إيلاماً؟

ضغط‭ ‬أوسع‭ ‬على‭ ‬أسواق‭ ‬الدخل‭ ‬الثابت

ولا‭ ‬تتوقف‭ ‬الضغوط‭ ‬عند‭ ‬الدين‭ ‬الحكومي‭. ‬فقد‭ ‬أشار‭ ‬سلوك‭ ‬أيضاً‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬إجمالي‭ ‬إصدار‭ ‬سندات‭ ‬الشركات‭ ‬في‭ ‬2026‭ ‬قد‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬تريليوني‭ ‬دولار،‭ ‬مدفوعاً‭ ‬خصوصاً‭ ‬بزيادة‭ ‬المعروض‭ ‬من‭ ‬شركات‭ ‬الحوسبة‭ ‬السحابية‭ ‬الكبرى،‭ ‬التي‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تمويلات‭ ‬ضخمة‭ ‬للاستثمار‭ ‬في‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬الرقمية‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي‭.‬
وأضاف‭ ‬أن‭ ‬إجمالي‭ ‬المعروض‭ ‬من‭ ‬أدوات‭ ‬الدخل‭ ‬الثابت‭ ‬الاستثمارية‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬قد‭ ‬يبلغ‭ ‬14‭ ‬تريليون‭ ‬دولار،‭ ‬وهو‭ ‬رقم‭ ‬ضخم‭ ‬يوضح‭ ‬أن‭ ‬السوق‭ ‬لا‭ ‬تواجه‭ ‬فقط‭ ‬عبء‭ ‬تمويل‭ ‬الحرب‭ ‬والعجز‭ ‬الحكومي،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬فيضاً‭ ‬من‭ ‬الإصدارات‭ ‬الاستثمارية‭ ‬من‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭.‬
وهذا‭ ‬التراكم‭ ‬في‭ ‬المعروض‭ ‬يعني‭ ‬ببساطة‭ ‬أن‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة‭ ‬وفروق‭ ‬الائتمان‭ ‬ستظل‭ ‬تحت‭ ‬ضغط‭ ‬تصاعدي،‭ ‬لأن‭ ‬المستثمرين‭ ‬سيصبحون‭ ‬أكثر‭ ‬انتقائية،‭ ‬ولن‭ ‬يضخوا‭ ‬أموالهم‭ ‬إلا‭ ‬بعوائد‭ ‬أعلى‭ ‬وهوامش‭ ‬أوسع‭.‬

رجوع لأعلى