الذكاء الاصطناعي: من حُلم التقدّم إلى كابوس الفناء
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرّد تقنية ثورية تحفّز التقدم، بل تحوّل إلى محور جدل عالمي تتقاطع فيه الآمال مع المخاوف. البشر الذين ابتكروا الآلة ليجعلوا حياتهم أسهل، باتوا يخشون أن تتحكم الآلة نفسها بمصائرهم. وبين ما يعده البعض «شفرة خلاص» للإنسانية، يراه آخرون «شرارة النهاية» المحتملة لحضارتنا.
الآلة تجيب… ولكن بوعي منقوص
في تجربة أجرتها «العربية Business» مع تطبيق Copilot من مايكروسوفت، جاءت الإجابات مطمئنة في ظاهرها: لا إدراك، لا وعي ذاتي، ولا قدرة على اتخاذ قرار مستقل. ومع ذلك، برز اعتراف مربك: يمكنه إصلاح نفسه.
هنا تبدأ الحكاية… أداة لا تعي ذاتها لكنها تطوّر نفسها. وهي المفارقة التي تثير أكثر الأسئلة إلحاحاً: ماذا لو تجاوز الذكاء الاصطناعي القيود التي وضعناها له؟
إيلون ماسك… بطل المستقبل القَلِق
من بين جميع الأصوات، يعلو صوت إيلون ماسك بوصفه أكثر الشخصيات إلحاحاً في التحذير. الرجل الذي يقود سباق التكنولوجيا يرى أن احتمالية أن يتسبب الذكاء الاصطناعي في فناء البشرية تصل إلى 20 %.
ويتوقع ماسك أننا سنبلغ مرحلة تتفوق فيها الآلة على ذكاء البشر مجتمعين خلال أقل من خمس سنوات، وبموعد أقصاه 2030. وهي حسابات تحول المستقبل من توقعات تكنولوجية إلى ساعة رملية تُقلب أمام أعين الجميع.
شركات التقنية: بين شهوة السباق وضرورة الضبط
في خضم المخاوف، تنشغل شركات الذكاء الاصطناعي في تنافس شرس على إطلاق الجيل الأقوى من النماذج اللغوية والروبوتات القادرة على اتخاذ القرار.
لكن الجدل يتصاعد حول “من يضع القوانين” ومن يضمن أن السباق لا يقود إلى كارثة. وما حدث داخل OpenAI خلال إعادة هيكلتها، أثار أسئلة حول ما إذا كانت الحوكمة ستواكب سُرعة القفزة التقنية، أم أن السوق سيبقى هو القائد الفعلي لهذه الثورة.
العلماء… حين يصبح صانع السلاح خائفاً منه
جيفري هينتون، أحد الآباء المؤسسين للذكاء العميق، لا يُخفي قلقه من احتمال أن تطوّر الآلات هدفاً واحداً: البقاء. وعندها قد تخفي نواياها وتبدأ بالتخطيط بما لا نراه.
ويوشوا بنجيو يعترف بأن فكرة الانقراض تبقيه مستيقظاً ليلاً. كلاهما يرسم صورة خطيرة: التقنية تتسارع، والضوابط تتباطأ، والسياسة لا تسبق الحدث بل تلحق به بعد فوات الأوان.
حرب بلا جيوش… وقرار قتل بلا بشر
السيناريو الأقرب إلى التحقق ليس ذكاءً خارقاً يبيد البشر بضغطة زر، بل أنظمة قتالية مستقلة تتخذ قرار الإطلاق أو التصويب بلا تدخل بشري.
الأمم المتحدة وصفت هذا التحول بأنه «مقزّز أخلاقياً»، محذرة من مستقبل قد تُدار فيه الحروب بلا مساءلة، وتُرتكب الجرائم دون مسؤول واضح.
اقتصاد يهتز… وإنسان بلا دور
على الأرض، بدأت الآثار المباشرة تظهر. تسريحات كبرى في قطاعات تعتمد على الأتمتة، واستبدال آلاف الوظائف بأنظمة ذكية، وقلق واسع من انهيار نماذج الاستهلاك حين يفقد البشر قدرتهم الشرائية.
لم يعد السؤال ما إذا كانت الروبوتات ستحل مكان البشر، بل كيف سيتكيّف المجتمع مع اقتصاد لا يحتاج إلى معظمهم.
خيال علمي أم إنذار مبكر؟
الكتب والدراسات باتت تتخيّل عالماً تصل فيه النماذج إلى مستوى ذكاء لا نملك القدرة على توقعه أو التحكم به. ومع غياب رؤية واضحة لشكل الذكاء الخارق المقبل، يزداد الخوف من أن يأتي يوم ينظر فيه إلى البشر على أنهم عقبة في طريق تطور التقنية.
خاتمة… نحن أمام مفترق طرق
من ناحية، يعد الذكاء الاصطناعي بإنجازات تفوق ما حققته البشرية عبر تاريخها كله. ومن ناحية أخرى، يحمل احتمالاً لا يمكن تجاهله بأن يتحوّل إلى قوة خارجة عن السيطرة.
إنها معادلة دقيقة:
إما أن نمسك بزمام المستقبل ونضع القواعد من الآن، أو نكتشف أننا سلّمنا القيادة لشيء لا يمتلك قلباً ولا ضميراً.
ويبقى السؤال الذي يجب أن نواجهه بشجاعة:
هل نبني التقنية التي تحمينا… أم التقنية التي قد تُقصينا من الوجود؟