الذهب يتراجع تحت ضغط الدولار وقفزة النفط
شهدت أسواق المعادن الثمينة خلال الأيام الأخيرة حالة من التذبذب الواضح، مع تعرض أسعار الذهب لضغوط قوية دفعتها إلى التراجع بشكل ملحوظ، وذلك في ظل مجموعة من العوامل الاقتصادية والجيوسياسية المتشابكة. فقد انخفض سعر الذهب بصورة حادة متأثراً بارتفاع قيمة الدولار الأمريكي وتصاعد المخاوف المرتبطة بالتضخم، بالتزامن مع صعود أسعار النفط نحو مستويات مرتفعة تقترب من 120 دولاراً للبرميل، إضافة إلى استمرار الحرب في الشرق الأوسط للأسبوع الثاني دون ظهور مؤشرات واضحة على قرب التوصل إلى تسوية.
وخلال التداولات الأخيرة، تراجع سعر الذهب بنسبة وصلت إلى نحو 3 في المئة، لينخفض إلى ما يقارب 5015 دولاراً للأونصة، بعد أن سجل أول انخفاض أسبوعي له منذ أكثر من شهر. ورغم هذا التراجع القوي، تمكن المعدن النفيس لاحقاً من تقليص جزء من خسائره مع نهاية الجلسات، في ظل محاولات المستثمرين إعادة تقييم الأوضاع الاقتصادية والمالية العالمية.
وجاء هذا التراجع في أسعار الذهب في وقت ارتفعت فيه قيمة الدولار الأمريكي بشكل ملحوظ، إذ صعد مؤشر يقيس قوة العملة الأمريكية أمام سلة من العملات الرئيسية بنحو 0.7 في المئة. ويُعد ارتفاع الدولار من أبرز العوامل التي تضغط عادة على أسعار الذهب، لأن المعدن الأصفر يُسعَّر عالمياً بالدولار، ما يجعل شراءه أكثر تكلفة بالنسبة للمستثمرين الذين يتعاملون بعملات أخرى.
التطورات الجيوسياسية
وفي الوقت نفسه، ساهمت التطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط في تعقيد المشهد الاقتصادي العالمي، حيث أدى اتساع نطاق الحرب بين الولايات المتحدة وكيان الاحتلال من جهة وإيران من جهة أخرى إلى اضطراب كبير في أسواق الطاقة. وقد دفعت هذه التطورات عدداً من كبار منتجي النفط إلى خفض إنتاجهم، في ظل المخاوف من تضرر البنية التحتية للطاقة وتعطل طرق الإمداد الرئيسية.
وأدى هذا الوضع إلى ارتفاع أسعار النفط بشكل حاد، الأمر الذي زاد من المخاوف المرتبطة بالتضخم، خصوصاً في الولايات المتحدة. فارتفاع تكاليف الطاقة ينعكس بشكل مباشر على أسعار النقل والإنتاج والسلع المختلفة، ما يعزز الضغوط التضخمية على الاقتصاد العالمي.
أسعار الفائدة
وفي هذا السياق، يعتقد عدد من المحللين أن استمرار ارتفاع أسعار النفط قد يدفع مجلس الاحتياطي الفدرالي الأمريكي إلى الإبقاء على أسعار الفائدة المرتفعة لفترة أطول مما كان متوقعاً، بل إن بعض التقديرات لا تستبعد احتمال رفعها مجدداً إذا تصاعدت الضغوط التضخمية بشكل أكبر. وتُعد أسعار الفائدة المرتفعة من العوامل السلبية بالنسبة للذهب، لأنها تزيد من جاذبية الأصول المدرة للعوائد مثل السندات، مقارنة بالمعدن النفيس الذي لا يدر عائداً.
كما أن قوة الدولار وارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية يشكلان عاملين إضافيين يحدان من الطلب الاستثماري على الذهب. وفي مثل هذه الظروف، يلجأ بعض المستثمرين إلى بيع جزء من حيازاتهم من المعدن النفيس للحصول على السيولة، خاصة خلال فترات التراجع الحاد في أسواق الأسهم العالمية.
ومع ذلك، ورغم التراجع الأخير، فإن الذهب لا يزال يحافظ على مكاسب قوية منذ بداية العام، إذ ارتفع سعره بنحو الخُمس مقارنة بمستوياته في مطلع العام. ويعكس هذا الارتفاع استمرار الطلب على الأصول الآمنة في ظل حالة عدم اليقين التي تهيمن على الاقتصاد العالمي.
فالتوترات التجارية والسياسية التي شهدها العالم خلال الفترة الماضية، إلى جانب السياسات الاقتصادية المثيرة للجدل التي تبناها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ساهمت في تعزيز توجه المستثمرين نحو الأصول التي تُعد ملاذاً آمناً، وفي مقدمتها الذهب. كما أن الجدل المتكرر حول استقلالية مجلس الاحتياطي الفدرالي أثار مخاوف إضافية لدى الأسواق، ما دفع العديد من المستثمرين إلى زيادة استثماراتهم في المعادن الثمينة.
البنوك المركزية
ومن العوامل الأخرى التي دعمت أسعار الذهب خلال الأشهر الماضية استمرار البنوك المركزية في شراء كميات كبيرة منه لتعزيز احتياطاتها. فقد واصل بنك الشعب الصيني زيادة حيازاته من الذهب خلال شهر فبراير الماضي، مسجلاً بذلك الشهر السادس عشر على التوالي من عمليات الشراء، وهو ما يعكس توجهاً متزايداً لدى العديد من الدول لتنويع احتياطاتها بعيداً عن الدولار.
وفي هذا السياق، أوضح إد مير، محلل المعادن في شركة «ماركس» (Marex)، في مذكرة تحليلية أن مسار الذهب خلال الفترة المقبلة سيعتمد إلى حد كبير على تطورات الصراع في الشرق الأوسط. وأشار إلى أن انتهاء النزاع بسرعة نسبية قد يؤدي إلى تراجع الدولار وعودة الذهب إلى الارتفاع، في حين أن استمرار الحرب لفترة أطول قد يدفع العملة الأمريكية وعوائد السندات إلى الصعود، نتيجة توقعات بارتفاع التضخم، الأمر الذي قد يقلص فرص خفض أسعار الفائدة.
وأضاف مير أن المستثمرين يواجهون حالياً مرحلة من الضبابية العالية في الأسواق، موضحاً أن هناك أوقاتاً مناسبة للشراء وأخرى للبيع، لكن المرحلة الحالية قد تكون الأنسب لاتباع استراتيجية الانتظار والترقب حتى تتضح الصورة بشكل أكبر.
وفي خضم هذه التطورات، تراجعت أسعار الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 1.6 في المئة لتصل إلى نحو 5091.06 دولاراً للأونصة. كما تراجعت أسعار الفضة بنسبة 1.7 في المئة لتسجل 83.11 دولاراً للأونصة. كذلك انخفض البلاتين بنحو 2.2 في المئة، في حين خسر البلاديوم نحو 0.8 في المئة من قيمته.
أما مؤشر «بلومبيرغ» الفوري للدولار فقد ارتفع بنسبة 0.6 في المئة خلال التداولات الأخيرة، بعد أن كان قد سجل زيادة أكبر بلغت 1.3 في المئة خلال الأسبوع الماضي، وهو ما يعكس استمرار قوة العملة الأمريكية في مواجهة العملات الرئيسية الأخرى.
وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو أسواق الذهب أمام مرحلة من التقلبات المرتفعة، حيث تتداخل العوامل الاقتصادية مع التطورات الجيوسياسية بشكل معقد، ما يجعل اتجاه الأسعار في المدى القريب مرهوناً بدرجة كبيرة بتطورات الحرب في الشرق الأوسط، ومسار أسعار النفط، إضافة إلى قرارات السياسة النقدية في الولايات المتحدة.