الذهب يتراجع رغم الحرب مع إيران
خالف الذهب العالمي توقعات العديد من المحللين خلال الأسبوع الأول من اندلاع الحرب مع إيران، بعدما أنهى تعاملاته على تراجع ملحوظ، رغم تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط. فقد اعتاد المستثمرون في مثل هذه الظروف التوجه إلى المعدن الأصفر باعتباره الملاذ الآمن الأول في أوقات الأزمات، إلا أن سلوك الأسواق هذه المرة جاء مختلفًا، حيث اتجهت شريحة واسعة من المستثمرين إلى تعزيز حيازاتها من الدولار الأميركي بحثًا عن السيولة النقدية، ما شكل ضغطًا واضحًا على أسعار الذهب.
هبوط الذهب
وعلى الرغم من أن الحروب والأزمات الجيوسياسية غالبًا ما تدفع الطلب على الذهب إلى الارتفاع، فإن الأسواق في هذه المرحلة فضلت الاحتفاظ بالسيولة، وهو ما دعم العملة الأميركية على حساب المعادن الثمينة. ونتيجة لذلك، سجل الذهب أول انخفاض أسبوعي بعد أربعة أسابيع متتالية من الصعود، وفق تحليل فني صادر عن شركة «غولد بيليون» لتداول الذهب.
وخلال الأسبوع الماضي، تراجع سعر أونصة الذهب العالمية بنحو 2 %، مسجلًا أدنى مستوى له في أسبوعين عند 4,996 دولاراً للأونصة، قبل أن يقلص جزءًا من خسائره ويغلق التداولات قرب مستوى 5,171 دولارًا للأونصة. وكان المعدن النفيس قد سجل في بداية الأسبوع أعلى مستوى له في أربعة أسابيع عند 5,419 دولاراً للأونصة، قبل أن تتعرض الأسعار لموجة بيع حادة دفعت الذهب للتراجع والتداول بالقرب من مستوى 5,000 دولار للأونصة.
توقعات أسعار الذهب
وفي هذا السياق، قال محللوا أسواق المعادن الثمينة، إن الأداء المتراجع للذهب خلال الأسبوع الأول من الحرب يعكس تغيراً مؤقتاً في سلوك المستثمرين خلال الأزمات الكبرى. وأوضح أن الأسواق في المراحل الأولى من الصدمات الجيوسياسية تميل إلى البحث عن السيولة النقدية، وليس فقط الأصول الآمنة التقليدية.
وأضافوا أن هذا التوجه أدى إلى ارتفاع الطلب على الدولار الأميركي بشكل ملحوظ، ما تسبب في الضغط على أسعار الذهب، رغم استمرار حالة عدم اليقين في الأسواق العالمية.
وأشاروا إلى أن الذهب شهد بالفعل موجة صعود قوية في بداية الأسبوع الماضي، حيث ارتفعت الأسعار بأكثر من 2 % مع اندلاع التصعيد العسكري بعد الضربات الواسعة التي استهدفت إيران، الأمر الذي دفع المستثمرين إلى تسعير المخاطر الجيوسياسية بسرعة.
وأوضحوا أن المخاوف من احتمال تعطل إمدادات الطاقة العالمية، لا سيما عبر مضيق هرمز الذي يمر من خلاله نحو 20 % من إمدادات النفط العالمية، ساهمت في دعم الطلب على الأصول الآمنة في بداية التداولات.
تأثير قوة الدولار
وبيّنوا أن صعود الدولار الأميركي لعب دوراً حاسمًا في تغيير اتجاه الذهب خلال الأسبوع، إذ سجلت العملة الأميركية أعلى مستوى لها في نحو ثلاثة أشهر ونصف الشهر، منهية الأسبوع على ارتفاع بنسبة 1.2 %، مدعومة بزيادة الطلب عليها كملاذ آمن، بالتزامن مع الارتفاع القياسي في أسعار النفط.
وأكدوا أن قوة الدولار غالباً ما تشكل عامل ضغط مباشر على أسعار الذهب، نظراً إلى العلاقة العكسية بينهما في الأسواق العالمية؛ فكلما ارتفع الدولار تقل جاذبية الذهب بالنسبة للمستثمرين الذين يتعاملون بعملات أخرى.
تغير توقعات السياسة النقدية الأميركية
وأضافوا أن تغير توقعات السياسة النقدية الأميركية ساهم أيضاً في الضغط على أسعار الذهب. فقد أدت المخاوف من ارتفاع معدلات التضخم نتيجة الحرب وارتفاع أسعار الطاقة إلى ترجيح الأسواق بقاء أسعار الفائدة الأميركية عند مستوياتها الحالية لفترة أطول.
وأوضحوا أن هذه التوقعات عززت جاذبية الدولار وأدوات الدين المقومة به، مقارنة بالذهب الذي لا يدر عائداً، ما دفع بعض المستثمرين إلى إعادة توزيع محافظهم الاستثمارية لصالح الأصول ذات العائد.
بيانات سوق العمل
وفي سياق متصل، أشاروا إلى أن بيانات سوق العمل الأميركية الأخيرة أضافت مزيداً من الضبابية إلى المشهد الاقتصادي، بعد أن أظهر تقرير الوظائف فقدان الاقتصاد الأميركي نحو 92 ألف وظيفة، مقابل توقعات كانت تشير إلى إضافة نحو 58 ألف وظيفة، مع ارتفاع معدل البطالة إلى 4.4 %.
وأوضحوا أن هذه المؤشرات تعكس بداية تباطؤ في سوق العمل الأميركي، وهو ما قد يدفع الأسواق إلى إعادة تقييم توقعاتها لمسار السياسة النقدية خلال الفترة المقبلة.
وأضافوا أن هذه التطورات قد تنعكس بشكل مباشر على حركة الذهب في الأسابيع القادمة، مشيرًا إلى أن المعدن النفيس قد يعاود اختبار مستوى 5,200 دولار للأونصة خلال تعاملات الأسبوع الجاري، في حال تراجعت الضغوط الناتجة عن قوة الدولار.
مشتريات البنوك المركزية
وعلى صعيد الطلب الرسمي، أوضحوا أن مشتريات البنوك المركزية من الذهب ما زالت مستمرة، لكنها فقدت جزءًا من زخمها خلال الفترة الأخيرة. فقد سجل صافي المشتريات خلال شهر يناير نحو 5 أطنان فقط، مقارنة بمتوسط شهري بلغ نحو 27 طناً خلال عام 2025.
وأشاروا إلى أن بنوك آسيا الوسطى والشرقية قادت عمليات الشراء خلال تلك الفترة، إلى جانب بعض البنوك في أوروبا الشرقية، في حين كان البنك المركزي الروسي أكبر بائع للذهب خلال الشهر ذاته.
وأضافوا أن الصين واصلت تعزيز احتياطاتها من المعدن الأصفر، حيث أعلن البنك المركزي الصيني تمديد برنامج شراء الذهب للشهر السادس عشر على التوالي خلال فبراير، مع إضافة نحو 30 ألف أونصة جديدة إلى احتياطاته، ليصل الإجمالي إلى نحو 74.22 مليون أونصة.
وأكدوا أن استمرار مشتريات البنوك المركزية يعكس توجهاً طويل الأجل لتنويع الاحتياطيات بعيداً عن الدولار، وهو عامل قد يواصل دعم الطلب على الذهب عالمياً، حتى في ظل التقلبات قصيرة الأجل التي تشهدها الأسواق.