تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الذهب‭ ‬يتراجع‭ ‬رغم‭ ‬تصاعد‭ ‬التوترات‭ ‬وضغوط‭ ‬التضخم

الذهب‭ ‬يتراجع‭ ‬رغم‭ ‬تصاعد‭ ‬التوترات‭ ‬وضغوط‭ ‬التضخم

شهدت أسواق المعادن الثمينة تحولات لافتة خلال تعاملات الخميس، بعدما تراجعت أسعار الذهب والفضة في العقود الآجلة رغم تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وتجدد الضربات العسكرية الأميركية داخل إيران. وجاء هذا الأداء المخالف للتوقعات في وقت سجل فيه التضخم الأميركي أسرع وتيرة ارتفاع خلال ثلاث سنوات، الأمر الذي أعاد تشكيل توقعات المستثمرين بشأن مستقبل أسعار الفائدة والسياسة النقدية في أكبر اقتصاد في العالم.
وعادة ما يستفيد الذهب من حالتي عدم اليقين السياسي والاقتصادي، إلا أن التطورات الأخيرة أظهرت أن الأسواق أصبحت أكثر حساسية تجاه بيانات التضخم وأسعار الفائدة من تأثرها بالأحداث الجيوسياسية وحدها. فبينما دفعت المخاوف الأمنية المستثمرين إلى البحث عن الملاذات الآمنة، فإن ارتفاع التضخم عزز في المقابل احتمالات بقاء الفائدة الأميركية عند مستويات مرتفعة لفترة أطول، وهو ما شكل عامل ضغط على المعدن الأصفر وغيره من الأصول غير المدرة للعائد.
وتأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه الأسواق العالمية مزيجاً معقداً من التحديات، يتصدرها استمرار الصراع في الشرق الأوسط، وارتفاع أسعار الطاقة، وتزايد المخاوف من موجة تضخمية جديدة قد تؤثر في قرارات البنوك المركزية حول العالم خلال الأشهر المقبلة.

ضغوط تضخمية
شكلت بيانات التضخم الأميركية المحرك الرئيسي لاتجاهات الأسواق خلال الساعات الماضية، بعدما أظهرت تسارعاً يفوق توقعات كثير من المحللين، ليسجل التضخم أعلى وتيرة نمو خلال ثلاث سنوات. وأعادت هذه البيانات إلى الواجهة المخاوف من أن تكون الضغوط السعرية أكثر استدامة مما كان متوقعاً، خصوصاً مع استمرار ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والتأمين نتيجة الاضطرابات الجيوسياسية.
ويتابع المستثمرون عن كثب أي مؤشرات تتعلق بالتضخم الأميركي نظراً لتأثيرها المباشر في قرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي. فكلما ارتفعت الأسعار بوتيرة أسرع، زادت احتمالات الإبقاء على السياسة النقدية المتشددة أو حتى اللجوء إلى مزيد من التشديد إذا اقتضت الحاجة، وهو ما ينعكس فوراً على أسواق الذهب والمعادن الثمينة.
وقد أدى هذا المشهد إلى ارتفاع عوائد السندات الأميركية وتراجع الرهانات على خفض سريع للفائدة، ما حد من جاذبية الذهب بالنسبة للمستثمرين الذين يقارنون بين الاحتفاظ بالمعدن الأصفر والاستثمار في أدوات مالية توفر عائداً دورياً.

الذهب تحت الضغط
رغم الأجواء الجيوسياسية المشحونة، تراجعت العقود الآجلة للذهب تسليم أغسطس بنسبة 0.70 % لتصل إلى 4103.70 دولار للأوقية، في إشارة إلى أن الأسواق أعطت أولوية أكبر لتداعيات التضخم والسياسة النقدية مقارنة بالمخاطر الأمنية.
ويعكس هذا التراجع حالة من الحذر بين المستثمرين الذين يفضلون انتظار وضوح أكبر بشأن توجهات الاحتياطي الفيدرالي خلال الفترة المقبلة. فارتفاع أسعار الفائدة أو استمرارها عند مستويات مرتفعة يقلص من جاذبية الذهب الذي لا يوفر عائداً مباشراً، ما يدفع بعض المستثمرين إلى تحويل أموالهم نحو أدوات مالية أخرى ذات عوائد أعلى.
وفي المقابل، أظهر الذهب الفوري قدراً من التماسك بعدما سجل ارتفاعاً طفيفاً بلغ 0.15 % ليصل إلى 4079.16 دولار للأوقية، وهو ما يعكس استمرار وجود طلب تحوطي من بعض المستثمرين الساعين إلى حماية محافظهم من المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية المتزايدة.
ويشير هذا التباين بين السوق الفورية والعقود الآجلة إلى أن المستثمرين ما زالوا منقسمين بشأن الاتجاه المقبل للأسعار، بين من يركز على المخاطر الجيوسياسية ومن يراهن على استمرار الضغوط النقدية.

استقرار الدولار
لعب استقرار الدولار الأميركي دوراً مهماً في الحد من مكاسب الذهب خلال تعاملات الخميس. فقد استقر مؤشر الدولار، الذي يقيس أداء العملة الأميركية أمام سلة من العملات الرئيسية، قرب مستوى 99.95 نقطة، محافظاً على معظم مكاسبه الأخيرة.
وعادة ما تؤدي قوة الدولار إلى زيادة تكلفة شراء الذهب بالنسبة للمستثمرين من خارج الولايات المتحدة، الأمر الذي يضغط على الطلب العالمي ويحد من قدرة الأسعار على الارتفاع. كما أن استقرار العملة الأميركية يعكس استمرار الثقة النسبية في الاقتصاد الأميركي رغم التحديات السياسية والعسكرية التي تواجهها المنطقة والعالم.
ويرى مراقبون أن أي تحرك قوي للدولار خلال الفترة المقبلة سيبقى عاملاً حاسماً في تحديد اتجاه الذهب، خصوصاً إذا تزامن مع تغيرات في توقعات أسعار الفائدة الأميركية أو صدور بيانات اقتصادية جديدة تؤثر في توجهات المستثمرين.

أداء الفضة
لم تكن الفضة بعيدة عن الضغوط التي تعرض لها الذهب، إذ تراجعت العقود الآجلة للفضة تسليم يوليو بنسبة 0.95 % لتصل إلى 64.13 دولار للأوقية. وجاء هذا التراجع متأثراً بالمخاوف ذاتها المرتبطة بالتضخم والفائدة، إضافة إلى حساسية الفضة تجاه التوقعات الاقتصادية العالمية بحكم استخدامها الصناعي الواسع.
لكن الفضة الفورية أظهرت أداء أفضل نسبياً، حيث ارتفعت بنسبة 0.60 % لتصل إلى 63.75 دولار للأوقية. ويعكس ذلك استمرار الطلب الفعلي على المعدن سواء لأغراض الاستثمار أو الاستخدامات الصناعية، خاصة في قطاعات التكنولوجيا والطاقة المتجددة والصناعات الإلكترونية.
ويؤكد هذا الأداء أن الفضة لا تتحرك فقط باعتبارها ملاذاً آمناً مثل الذهب، بل تتأثر أيضاً بتوقعات النشاط الصناعي العالمي ومستويات الطلب الحقيقي في الأسواق المختلفة.

المعادن الصناعية
على عكس الذهب والفضة، تمكن البلاتين والبلاديوم من تحقيق مكاسب ملحوظة خلال تعاملات الخميس، مدعومين بعوامل مرتبطة بالعرض والطلب الصناعي أكثر من ارتباطهما بالعوامل النقدية التقليدية.
وارتفـع البلاتين الـفـوري بنسبة 0.30 % ليصل إلى 1670.17 دولار للأوقية، مستفيداً من استمرار الطلب الصناعي القوي ووجود مخاوف تتعلق بإمدادات بعض الدول المنتجة الرئيسية.
أما البلاديوم فكان الرابح الأكبر بين المعادن الثمينة، بعدما قفز بنسبة 2.35 % ليصل إلى 1247.22 دولار للأوقية. ويعود هذا الأداء إلى توقعات باستمرار الطلب من قطاع صناعة السيارات، إضافة إلى مخاوف مرتبطة بالإمدادات العالمية في ظل التوترات السياسية والجيوسياسية المتصاعدة.
وتعكس هذه التحركات اختلاف طبيعة العوامل المؤثرة في كل معدن، حيث يرتبط الذهب والفضة بدرجة أكبر بالسياسة النقدية والاستثمار، بينما يتأثر البلاتين والبلاديوم بشكل أوسع بالطلب الصناعي وسلاسل الإمداد العالمية.

التوترات الإقليمية
أضافت التطورات العسكرية الأخيرة بعداً جديداً لحركة الأسواق العالمية، بعدما نفذت الولايات المتحدة جولة جديدة من الضربات ضد أهداف متعددة داخل إيران، في خطوة اعتبرها مراقبون تصعيداً إضافياً في المواجهة المستمرة بين البلدين.
وجاءت هذه العمليات العسكرية بعد تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترامب هدد فيها بشن هجمات جديدة إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق سلام، ما أعاد المخاوف من احتمال اتساع نطاق الصراع في منطقة تعد من أهم المناطق المنتجة للطاقة في العالم.
ورغم أن مثل هذه الأحداث تدعم عادة أسعار الذهب باعتباره ملاذاً آمناً، فإن الأسواق بدت أكثر اهتماماً بالتداعيات الاقتصادية المباشرة للصراع، وخاصة تأثيره المحتمل في أسعار النفط والتضخم العالمي والسياسات النقدية للبنوك المركزية.
كما يعتقد كثير من المستثمرين أن استمرار المواجهة قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل، ما يضيف ضغوطاً تضخمية جديدة ويجبر البنوك المركزية على الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، وهو ما يخلق بيئة متناقضة بالنسبة للذهب.

عوامل مترابطة بصورة
غير مسبوقة
يتوقف مستقبل الذهب والفضة وبقية المعادن الثمينة على ثلاثة عوامل رئيسية تتمثل في مسار التضخم الأميركي، وقرارات الاحتياطي الفيدرالي، وتطورات الصراع في الشرق الأوسط. فهذه العوامل أصبحت مترابطة بصورة غير مسبوقة، حيث يمكن لأي تغير في أحدها أن ينعكس فوراً على بقية الأسواق.
وفي حال استمرت الضغوط التضخمية بالارتفاع، فمن المرجح أن تظل أسعار الفائدة مرتفعة، ما قد يحد من مكاسب الذهب على المدى القصير. أما إذا تصاعدت المخاطر الجيوسياسية أو ظهرت مؤشرات على تباطؤ الاقتصاد العالمي، فقد يستعيد المعدن الأصفر دوره التقليدي كملاذ آمن ويعود إلى تحقيق مستويات قياسية جديدة.
وبين هذين المسارين، تبقى الأسواق في حالة ترقب حذر، فيما يحاول المستثمرون موازنة المخاطر الاقتصادية والسياسية في بيئة عالمية تتسم بقدر كبير من عدم اليقين والتقلبات.

رجوع لأعلى