الذهب يحلّق فوق ذروة 3 أسابيع
شهدت أسعار الذهب ارتفاعًا ملحوظًا إلى أعلى مستوياتها في أكثر من ثلاثة أسابيع خلال تعاملات أمس الاثنين، مدعومةً بتراجع الدولار الأمريكي وتصاعد التوترات الجيوسياسية، إضافة إلى تطورات قضائية مفاجئة في الولايات المتحدة أعادت رسم توقعات الأسواق بشأن التجارة العالمية والسياسة النقدية. ويأتي هذا الصعود في وقت تتزايد فيه رهانات المستثمرين على خفض أسعار الفائدة الأمريكية، وسط بيئة اقتصادية عالمية تتسم بعدم اليقين وعودة الذهب إلى الواجهة كملاذ آمن رئيسي.
ارتفاع قوي
ارتفع الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 1.2 % ليصل إلى 5163.60 دولارًا للأوقية (الأونصة) في التعاملات المبكرة، مسجلًا أعلى مستوى له في أكثر من ثلاثة أسابيع، قبل أن يقلص جزءاً من مكاسبه ويتداول قرب 5147 دولاراً. كما صعدت العقود الأمريكيـة الآجـلـة للذهـب تسليـم أبريـل بنحو 1.6 % إلى 5162.2 دولارًا، ما يعكس استمرار الطلب الاستثماري القوي على المعدن النفيس.
وجاء هذا الأداء مدفوعًا بانخفاض الدولار الأمريكي، بعد أن فسّر المتعاملون قرار المحكمة العليا الأمريكية بإلغاء جزء كبير من الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب سابقًا على أنه عامل داعم للنمو العالمي. وعادةً ما يؤدي ضعف الدولار إلى تعزيز جاذبية الذهب للمستثمرين من حاملي العملات الأخرى، مما يرفع الطلب عليه ويزيد من زخمه السعري.
إلا أن حالة عدم اليقين لم تختفِ بالكامل، إذ ما زالت الأسواق تترقب تداعيات القرار القضائي وتأثيره على العلاقات التجارية العالمية. كما ساهمت التوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران في تعزيز الإقبال على الذهب، في ظل مخاوف من احتمال انزلاق المنطقة إلى صراع أوسع، وهو ما يدفع المستثمرين عادة إلى التحوط عبر الأصول الآمنة.
عوامل السوق والسيولة المحدودة
وأشار متعاملون إلى أن إغلاق السوق الصينية في البر الرئيسي بمناسبة عطلة رأس السنة القمرية الجديدة أدى إلى انخفاض أحجام التداول العالمية، ما جعل تحركات الأسعار أكثر حساسية للأخبار والتطورات السياسية. ومن المتوقع أن يستأنف التداول في الصين غداً الثلاثاء، الأمر الذي قد يزيد من السيولة ويحدد الاتجاه التالي للأسعار.
كما أن غياب المتعاملين الصينيين، الذين يمثلون جزءًا كبيرًا من الطلب العالمي على الذهب، قد يؤدي إلى تقلبات مؤقتة، خصوصًا إذا تزامن عودتهم مع صدور بيانات اقتصادية أمريكية جديدة أو تصريحات من مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي.
التطورات السياسية والاقتصادية
أضعف قرار المحكمة العليا الأمريكيـة قـدرة الإدارة السابقة على التلويح بفرض رسوم جمركية مفاجئة، إلا أنه لم ينهِ حالة الغموض التي تقلق الشركات والشركاء التجاريين. وقال الممثل التجاري الأمريكي جيميسون غرير إن الدول التي أبرمت اتفاقيات تجارية مع واشنطن لم تعلن عن خطط للانسحاب منها بعد صدور الحكم، وهو ما ساهم في تهدئة بعض المخاوف، لكن الأسواق لا تزال حذرة من أي تحولات سياسية مفاجئة.
وعلى صعيد الاقتصاد الكلي، أظهرت البيانات أن النمو الاقتصادي الأمريكي تباطأ أكثر من المتوقع خلال الربع الأخير، حيث سجل الإنفاق الحكومي أكبر انخفاض له منذ عام 1972 بسبب الإغلاق الذي حدث العام الماضي. ومع ذلك، ظل إنفاق المستهلكين والشركات متماسكًا نسبيًا، مما يعكس استمرار قوة الطلب المحلي رغم التحديات.
هذه البيانات عززت توقعات الأسواق بأن مجلس الاحتياطي الاتحادي قد يبدأ في تخفيف السياسة النقدية خلال العام الجاري. ووفقًا لأداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة «سي إم إي»، يتوقع المستثمرون الآن ثلاثة تخفيضات في أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس لكل منها خلال عام 2026، وهو سيناريو يُعد إيجابيًا تقليدياً للذهب لأنه يقلل من تكلفة الفرصة البديلة لحيازته.
التوترات الأمريكية الإيرانية
في سياق آخر، أشارت إيران إلى استعدادها لتقديم تنازلات بشأن برنامجها النووي مقابل رفع العقوبات والاعتراف بحقها في تخصيب اليورانيوم، في محاولة لتجنب هجوم أمريكي محتمل. وعلى الرغم من أن هذه التصريحات قد تعطي الأسواق بعض الأمل في تهدئة التوترات، فإن المستثمرين يواصلون التحوط ضد سيناريوهات التصعيد، خاصة في ظل حساسية أسواق الطاقة والمال لأي تطورات عسكرية في الشرق الأوسط.
وغالبًا ما يرتفع الذهب في فترات التوترات الجيوسياسية، إذ يُنظر إليه كأداة لحفظ القيمة خلال الأزمات. وقد أدى الجمع بين المخاطر السياسية والتوقعات النقدية الميسرة إلى خلق بيئة داعمة للأسعار الحالية.
أداء المعادن النفيسة الأخرى
لم يقتصر الارتفاع على الذهب وحده، فقد صعدت الفضة في المعاملات الفورية بنسبة 2.3 % إلى 86.56 دولارًا للأوقية، مستفيدة من تحسن شهية المخاطرة وارتفاع الطلب الصناعي. كما ارتفع البلاتين بنسبة 1.2 % إلى 2182.60 دولاراً قبل أن يقلص مكاسبه، في حين زاد البلاديوم بنحو 0.5 % إلى 1753.75 دولاراً قبل أن يتراجع.
وتعكس تحركات هذه المعادن مزيجاً من العوامل الاستثمارية والصناعية، حيث يُستخدم بعضها بشكل واسع في قطاع السيارات والطاقة النظيفة، ما يجعل أداءها مرتبطًا أيضًا بتوقعات النمو الاقتصادي العالمي.
توقعات الذهب حتى نهاية 2026
بالنظر إلى النصف الثاني من العام الجاري وحتى نهاية 2026، تشير معظم التقديرات إلى أن الذهب قد يحافظ على اتجاه صاعد أو يتحرك ضمن نطاقات مرتفعة تاريخياً، مدفوعاً بثلاثة عوامل رئيسية: السياسة النقدية الأمريكية، الطلب الاستثماري، والمخاطر الجيوسياسية.
إذا نفذ الاحتياطي الفيدرالي التخفيضات المتوقعة في أسعار الفائدة، فمن المرجح أن يستمر الضغط على الدولار، ما قد يدعم الذهب للبقاء فوق مستويات نفسية مهمة. وفي حال تسارعت التخفيضات أو ظهرت مؤشرات على تباطؤ اقتصادي عالمي أعمق، قد نشهد محاولات لاختبار قمم سعرية جديدة قبل نهاية العام.
لكن في المقابل، فإن أي عودة قوية للتضخم أو تحول مفاجئ نحو سياسة نقدية أكثر تشددًا قد يحد من الزخم الصعودي. كذلك، فإن تحسن العلاقات التجارية العالمية أو تراجع التوترات الجيوسياسية قد يقلل من الطلب على الملاذات الآمنة مؤقتًا.
هل ستواصل البنوك المركزية شراء الذهب؟
تُعد مشتريات البنوك المركزية أحد أهم العوامل الداعمة للذهب خلال السنوات الأخيرة، ومن المرجح أن تستمر هذه الظاهرة حتى نهاية 2026. فقد اتجهت العديد من الاقتصادات الناشئة إلى زيادة احتياطياتها من الذهب بهدف تنويع الأصول وتقليل الاعتماد على الدولار، خاصة بعد تقلبات الأسواق العالمية والتوترات الجيوسياسية.
وتشير التوقعات إلى أن البنوك المركزية في آسيا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية قد تواصل تعزيز احتياطياتها، سواء لأسباب استراتيجية أو تحوطية. ويُنظر إلى الذهب كأصل سيادي محايد لا يرتبط مباشرة بالسياسات النقدية لدولة واحدة، وهو ما يزيد جاذبيته في عالم يشهد تغيرات متسارعة في النظام المالي الدولي.
ومع ذلك، قد تتباطأ وتيرة الشراء إذا استقرت الأسواق المالية أو تحسنت عوائد السندات بشكل ملحوظ، لأن بعض البنوك المركزية قد ترى فرصًا أفضل في أدوات الدخل الثابت. لكن الاتجاه العام يشير إلى استمرار الطلب الرسمي على الذهب كجزء من استراتيجية طويلة الأجل.