تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الذهب‭ ‬يختبر‭ ‬قمما‭ ‬تاريخية‭ ‬وسط‭ ‬قلق‭ ‬الأسواق

الذهب‭ ‬يختبر‭ ‬قمما‭ ‬تاريخية‭ ‬وسط‭ ‬قلق‭ ‬الأسواق

عاد‭ ‬الذهب‭ ‬ليتصدر‭ ‬المشهد‭ ‬المالي‭ ‬العالمي‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬أبريل‭ ‬2026،‭ ‬مع‭ ‬اقترابه‭ ‬مجدداً‭ ‬من‭ ‬مستويات‭ ‬تاريخية،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬تعيش‭ ‬فيه‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الفترات‭ ‬حساسية‭ ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬السياسة‭ ‬والاقتصاد‭ ‬والجغرافيا‭ ‬السياسية‭. ‬فالمعدن‭ ‬الأصفر،‭ ‬الذي‭ ‬لطالما‭ ‬مثّل‭ ‬الملاذ‭ ‬التقليدي‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬الضبابية،‭ ‬وجد‭ ‬نفسه‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬اهتمامات‭ ‬المستثمرين،‭ ‬مع‭ ‬تزايد‭ ‬المخاوف‭ ‬بشأن‭ ‬اتساع‭ ‬رقعة‭ ‬التوترات‭ ‬الإقليمية،‭ ‬واستمرار‭ ‬حالة‭ ‬عدم‭ ‬اليقين‭ ‬بشأن‭ ‬مسار‭ ‬السياسة‭ ‬النقدية‭ ‬الأميركية،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬التحولات‭ ‬السريعة‭ ‬في‭ ‬شهية‭ ‬المخاطرة‭ ‬داخل‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭.‬
ولم‭ ‬يعد‭ ‬الذهب‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬مجرد‭ ‬أصل‭ ‬دفاعي‭ ‬يلجأ‭ ‬إليه‭ ‬المستثمرون‭ ‬عند‭ ‬الأزمات،‭ ‬بل‭ ‬تحوّل‭ ‬إلى‭ ‬مؤشر‭ ‬نفسي‭ ‬ومالي‭ ‬يعكس‭ ‬مستوى‭ ‬القلق‭ ‬العالمي،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬تباطؤ‭ ‬النمو‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬هشاشة‭ ‬التوازنات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬من‭ ‬احتمالات‭ ‬تغير‭ ‬السياسات‭ ‬التجارية‭ ‬والنقدية‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وأوروبا‭ ‬وآسيا‭. ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق،‭ ‬فإن‭ ‬قراءة‭ ‬حركة‭ ‬الذهب‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مرتبطة‭ ‬فقط‭ ‬بسوق‭ ‬المعادن،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬مرتبطة‭ ‬مباشرة‭ ‬بمزاج‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬بأكمله‭.‬

تحرك‭ ‬سعري

خلال‭ ‬تعاملات‭ ‬2‭ ‬أبريل،‭ ‬حافظ‭ ‬الذهب‭ ‬على‭ ‬تماسكه‭ ‬قرب‭ ‬مستويات‭ ‬مرتفعة،‭ ‬رغم‭ ‬التذبذب‭ ‬الواضح‭ ‬في‭ ‬الأسعار،‭ ‬في‭ ‬إشارة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬السوق‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬تتعامل‭ ‬بحذر‭ ‬شديد‭ ‬مع‭ ‬أي‭ ‬متغير‭ ‬جديد‭. ‬هذا‭ ‬التذبذب‭ ‬لا‭ ‬يُقرأ‭ ‬عادة‭ ‬بوصفه‭ ‬ضعفاً‭ ‬في‭ ‬الاتجاه،‭ ‬بل‭ ‬يعكس‭ ‬صراعًا‭ ‬بين‭ ‬قوتين‭: ‬الأولى‭ ‬هي‭ ‬استمرار‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬التحوط،‭ ‬والثانية‭ ‬هي‭ ‬عمليات‭ ‬جني‭ ‬الأرباح‭ ‬الطبيعية‭ ‬بعد‭ ‬موجات‭ ‬صعود‭ ‬متتالية‭ ‬دفعت‭ ‬الأسعار‭ ‬إلى‭ ‬مناطق‭ ‬مرتفعة‭ ‬للغاية‭.‬
واللافت‭ ‬أن‭ ‬الذهب،‭ ‬رغم‭ ‬بعض‭ ‬التراجعات‭ ‬اللحظية،‭ ‬لم‭ ‬يفقد‭ ‬بنيته‭ ‬الصعودية‭ ‬العامة،‭ ‬بل‭ ‬ظل‭ ‬محتفظاً‭ ‬بزخم‭ ‬واضح،‭ ‬مدعوماً‭ ‬بعودة‭ ‬شريحة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬المستثمرين‭ ‬إلى‭ ‬الأصول‭ ‬الدفاعية،‭ ‬وتكشف‭ ‬حركة‭ ‬الأسعار‭ ‬أن‭ ‬المعدن‭ ‬النفيس‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬يتمتع‭ ‬بقدرة‭ ‬كبيرة‭ ‬على‭ ‬امتصاص‭ ‬الضغوط،‭ ‬حتى‭ ‬مع‭ ‬تغيرات‭ ‬السوق‭ ‬اليومية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعزز‭ ‬الانطباع‭ ‬بأن‭ ‬المستثمرين‭ ‬لا‭ ‬ينظرون‭ ‬إليه‭ ‬حالياً‭ ‬كصفقة‭ ‬قصيرة‭ ‬الأجل‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬كوسيلة‭ ‬استراتيجية‭ ‬لحماية‭ ‬المحافظ‭ ‬الاستثمارية‭.‬

دعم‭ ‬جيوسياسي

العامل‭ ‬الجيوسياسي‭ ‬كان‭ ‬ولا‭ ‬يزال‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬المحركات‭ ‬التي‭ ‬تدفع‭ ‬الذهب‭ ‬نحو‭ ‬الأعلى‭. ‬فكلما‭ ‬ارتفعت‭ ‬حدة‭ ‬التوترات‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬أو‭ ‬اتسعت‭ ‬دائرة‭ ‬القلق‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالعلاقات‭ ‬الدولية،‭ ‬يتجه‭ ‬المستثمرون‭ ‬عادة‭ ‬إلى‭ ‬تقليص‭ ‬تعرضهم‭ ‬للأصول‭ ‬ذات‭ ‬المخاطر‭ ‬العالية،‭ ‬والبحث‭ ‬عن‭ ‬ملاذات‭ ‬أكثر‭ ‬استقراراً،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬الذهب‭.‬
وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬فإن‭ ‬بقاء‭ ‬المشهد‭ ‬السياسي‭ ‬العالمي‭ ‬مفتوحًا‭ ‬على‭ ‬احتمالات‭ ‬متعددة،‭ ‬من‭ ‬الصراعات‭ ‬الإقليمية‭ ‬إلى‭ ‬الملفات‭ ‬التجارية‭ ‬بين‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى،‭ ‬عزز‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬المعدن‭ ‬النفيس‭. ‬وهذه‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬استجابة‭ ‬نفسية‭ ‬آنية،‭ ‬بل‭ ‬سلوك‭ ‬استثماري‭ ‬متكرر‭ ‬تاريخياً،‭ ‬إذ‭ ‬يثبت‭ ‬الذهب‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬أزمة‭ ‬أنه‭ ‬أحد‭ ‬أكثر‭ ‬الأصول‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬قيمته‭ ‬عندما‭ ‬تتراجع‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬الأخرى‭.‬
ومن‭ ‬المهم‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الدعم‭ ‬عادة‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬أكثر‭ ‬ثباتًا‭ ‬من‭ ‬المحفزات‭ ‬المضاربية‭ ‬قصيرة‭ ‬الأجل،‭ ‬لأنه‭ ‬يستند‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬عدم‭ ‬يقين‭ ‬عميقة،‭ ‬لا‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ ‬بيانات‭ ‬يومية‭ ‬أو‭ ‬تقلبات‭ ‬مؤقتة‭. ‬لذلك،‭ ‬فإن‭ ‬الذهب‭ ‬لا‭ ‬يرتفع‭ ‬فقط‭ ‬لأن‭ ‬التوترات‭ ‬موجودة،‭ ‬بل‭ ‬لأنه‭ ‬بات‭ ‬يُسعَّر‭ ‬أيضاً‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬احتمال‭ ‬استمرار‭ ‬هذه‭ ‬التوترات‭ ‬لفترة‭ ‬أطول‭.‬

أثر‭ ‬الدولار

إلى‭ ‬جانب‭ ‬العامل‭ ‬الجيوسياسي،‭ ‬يبقى‭ ‬الدولار‭ ‬الأميركي‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬مفاتيح‭ ‬فهم‭ ‬حركة‭ ‬الذهب‭. ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الطرفين‭ ‬معروفة‭ ‬تاريخياً‭ ‬بأنها‭ ‬علاقة‭ ‬عكسية؛‭ ‬فعندما‭ ‬يضعف‭ ‬الدولار،‭ ‬يصبح‭ ‬الذهب‭ ‬أقل‭ ‬تكلفة‭ ‬بالنسبة‭ ‬للمستثمرين‭ ‬من‭ ‬خارج‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬ما‭ ‬يعزز‭ ‬الطلب‭ ‬عليه‭ ‬ويدفع‭ ‬أسعاره‭ ‬إلى‭ ‬الارتفاع‭.‬
وفي‭ ‬المرحلة‭ ‬الحالية،‭ ‬استفاد‭ ‬الذهب‭ ‬من‭ ‬فترات‭ ‬تراجع‭ ‬العملة‭ ‬الأميركية،‭ ‬خصوصاً‭ ‬مع‭ ‬تزايد‭ ‬التساؤلات‭ ‬بشأن‭ ‬مدى‭ ‬قدرة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأميركي‭ ‬على‭ ‬مواصلة‭ ‬الصمود‭ ‬أمام‭ ‬تشديد‭ ‬مالي‭ ‬طويل‭ ‬أو‭ ‬تباطؤ‭ ‬محتمل‭ ‬في‭ ‬النمو‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الأسواق‭ ‬باتت‭ ‬تترقب‭ ‬عن‭ ‬كثب‭ ‬أي‭ ‬إشارات‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬مجلس‭ ‬الاحتياطي‭ ‬الفيدرالي،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬بشأن‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬بشأن‭ ‬تقييمه‭ ‬للمخاطر‭ ‬الاقتصادية‭ ‬المقبلة‭.‬
وهنا،‭ ‬يظهر‭ ‬الذهب‭ ‬كأحد‭ ‬أكبر‭ ‬المستفيدين‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬ضعف‭ ‬في‭ ‬العملة‭ ‬الأميركية،‭ ‬لأنه‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬ميزتين‭ ‬أساسيتين‭: ‬كونه‭ ‬أصلاً‭ ‬تحوطياً‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬المخاطر،‭ ‬وكونه‭ ‬أيضاً‭ ‬مستفيداً‭ ‬مباشراً‭ ‬من‭ ‬تراجع‭ ‬الدولار‭. ‬وهذه‭ ‬الثنائية‭ ‬منحت‭ ‬المعدن‭ ‬النفيس‭ ‬دعماً‭ ‬قوياً‭ ‬خلال‭ ‬الأشهر‭ ‬الأخيرة،‭ ‬وجعلت‭ ‬أي‭ ‬تراجع‭ ‬في‭ ‬الدولار‭ ‬بمثابة‭ ‬دفعة‭ ‬إضافية‭ ‬للأسعار‭.‬

رهان‭ ‬الفائدة

واحدة‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬القضايا‭ ‬التي‭ ‬تتابعها‭ ‬أسواق‭ ‬الذهب‭ ‬حاليًا‭ ‬هي‭ ‬مسار‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة‭ ‬الأميركية‭. ‬فكلما‭ ‬اقتربت‭ ‬الأسواق‭ ‬من‭ ‬سيناريو‭ ‬خفض‭ ‬الفائدة،‭ ‬ارتفعت‭ ‬جاذبية‭ ‬الذهب،‭ ‬لأن‭ ‬انخفاض‭ ‬العوائد‭ ‬يقلل‭ ‬من‭ ‬كلفة‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬بالأصول‭ ‬غير‭ ‬المدرة‭ ‬للعائد،‭ ‬مثل‭ ‬المعدن‭ ‬الأصفر‭.‬
وخلال‭ ‬2026،‭ ‬تصاعدت‭ ‬رهانات‭ ‬المستثمرين‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬البنوك‭ ‬المركزية،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬الاحتياطي‭ ‬الفيدرالي،‭ ‬قد‭ ‬تجد‭ ‬نفسها‭ ‬مضطرة‭ ‬إلى‭ ‬التحول‭ ‬نحو‭ ‬سياسة‭ ‬أكثر‭ ‬مرونة‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬ظهرت‭ ‬إشارات‭ ‬أوضح‭ ‬على‭ ‬تباطؤ‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬أو‭ ‬ضعف‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭. ‬وهذه‭ ‬التوقعات‭ ‬ليست‭ ‬تفصيلاً‭ ‬ثانوياً‭ ‬بالنسبة‭ ‬لسوق‭ ‬الذهب،‭ ‬بل‭ ‬تمثل‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬الأعمدة‭ ‬التي‭ ‬يستند‭ ‬إليها‭ ‬الاتجاه‭ ‬الصعودي‭ ‬الحالي‭.‬
فالمستثمر‭ ‬الذي‭ ‬يتوقع‭ ‬تراجع‭ ‬الفائدة‭ ‬لا‭ ‬ينظر‭ ‬فقط‭ ‬إلى‭ ‬الذهب‭ ‬كتحوط‭ ‬من‭ ‬المخاطر،‭ ‬بل‭ ‬كأصل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يحقق‭ ‬مكاسب‭ ‬سعرية‭ ‬إضافية‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬نقدية‭ ‬أكثر‭ ‬تيسيراً،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يفسر‭ ‬بقاء‭ ‬الذهب‭ ‬في‭ ‬بؤرة‭ ‬الاهتمام‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬الفترات‭ ‬التي‭ ‬تشهد‭ ‬بعض‭ ‬التهدئة‭ ‬المؤقتة‭ ‬في‭ ‬التوترات‭ ‬السياسية‭.‬

طلب‭ ‬مؤسسي

الدعم‭ ‬لا‭ ‬يأتي‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬المستثمرين‭ ‬الأفراد‭ ‬أو‭ ‬صناديق‭ ‬التحوط،‭ ‬بل‭ ‬أيضًا‭ ‬من‭ ‬البنوك‭ ‬المركزية‭ ‬التي‭ ‬واصلت‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬تعزيز‭ ‬احتياطياتها‭ ‬من‭ ‬الذهب‭. ‬هذا‭ ‬الاتجاه‭ ‬أضفى‭ ‬على‭ ‬السوق‭ ‬بعداً‭ ‬أكثر‭ ‬عمقًا،‭ ‬لأن‭ ‬الطلب‭ ‬الرسمي‭ ‬يُعد‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬أنواع‭ ‬الطلب‭ ‬استقراراً‭ ‬وأقلها‭ ‬تأثراً‭ ‬بالتقلبات‭ ‬اليومية‭.‬
وتزايدت‭ ‬أهمية‭ ‬هذا‭ ‬العامل‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬سعي‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬إلى‭ ‬تنويع‭ ‬احتياطياتها‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬الاعتماد‭ ‬الكامل‭ ‬على‭ ‬الدولار،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬الذهب‭ ‬يستعيد‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬مكانته‭ ‬التقليدية‭ ‬كأداة‭ ‬سيادية‭ ‬لحفظ‭ ‬القيمة‭. ‬ومع‭ ‬تزايد‭ ‬هذا‭ ‬التوجه،‭ ‬بات‭ ‬السوق‭ ‬يقرأ‭ ‬مشتريات‭ ‬البنوك‭ ‬المركزية‭ ‬بوصفها‭ ‬دعماً‭ ‬طويل‭ ‬الأجل‭ ‬للأسعار،‭ ‬وليس‭ ‬مجرد‭ ‬عنصر‭ ‬ثانوي‭ ‬في‭ ‬المعادلة‭.‬
هذا‭ ‬الطلب‭ ‬المؤسسي‭ ‬أضاف‭ ‬طبقة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬الصلابة‭ ‬إلى‭ ‬السوق،‭ ‬لأنه‭ ‬يحد‭ ‬من‭ ‬أثر‭ ‬بعض‭ ‬موجات‭ ‬البيع‭ ‬السريعة،‭ ‬ويمنح‭ ‬الأسعار‭ ‬قاعدة‭ ‬دعم‭ ‬أكثر‭ ‬تماسكاً‭. ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬قراءة‭ ‬لمستقبل‭ ‬الذهب‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬احتساب‭ ‬دور‭ ‬البنوك‭ ‬المركزية‭ ‬ستبقى‭ ‬قراءة‭ ‬ناقصة‭.‬
مستويات‭ ‬فنية

على‭ ‬المستوى‭ ‬الفني،‭ ‬يتحرك‭ ‬الذهب‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬حساسة‭ ‬للغاية،‭ ‬لأن‭ ‬البقاء‭ ‬قرب‭ ‬القمم‭ ‬التاريخية‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬السوق‭ ‬أمام‭ ‬اختبار‭ ‬مزدوج‭: ‬إما‭ ‬اختراق‭ ‬مستويات‭ ‬جديدة‭ ‬والانطلاق‭ ‬إلى‭ ‬موجة‭ ‬صعود‭ ‬أخرى،‭ ‬أو‭ ‬الدخول‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬تصحيح‭ ‬مؤقتة‭ ‬بفعل‭ ‬الضغوط‭ ‬البيعية‭ ‬وجني‭ ‬الأرباح‭.‬
لكن‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬حدوث‭ ‬تصحيح،‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬تغير‭ ‬الاتجاه‭ ‬العام،‭ ‬بل‭ ‬قد‭ ‬يُنظر‭ ‬إليه‭ ‬كسلوك‭ ‬طبيعي‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬صعد‭ ‬بسرعة‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬زمنية‭ ‬قصيرة‭. ‬فالتصحيحات‭ ‬الفنية‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬ضرورية‭ ‬لإعادة‭ ‬بناء‭ ‬الزخم،‭ ‬وتهيئة‭ ‬السوق‭ ‬لموجات‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬الارتفاع،‭ ‬خصوصاً‭ ‬عندما‭ ‬تظل‭ ‬العوامل‭ ‬الأساسية‭ ‬الداعمة‭ ‬قائمة‭ ‬كما‭ ‬هي‭ ‬الحال‭ ‬الآن‭.‬
وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬فإن‭ ‬نجاح‭ ‬الذهب‭ ‬في‭ ‬الثبات‭ ‬فوق‭ ‬مستويات‭ ‬دعم‭ ‬رئيسية‭ ‬سيُفسَّر‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬المستثمرين‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬إشارة‭ ‬إيجابية‭ ‬على‭ ‬استمرار‭ ‬القوة‭ ‬الشرائية،‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يعزز‭ ‬فرص‭ ‬استهداف‭ ‬مستويات‭ ‬أعلى‭ ‬خلال‭ ‬الربع‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬العام‭.‬

شهية‭ ‬المستثمرين

رغم‭ ‬النظرة‭ ‬الإيجابية‭ ‬العامة،‭ ‬فإن‭ ‬الأسواق‭ ‬لا‭ ‬تخلو‭ ‬من‭ ‬الحذر‭. ‬فكلما‭ ‬اقترب‭ ‬الذهب‭ ‬من‭ ‬قمم‭ ‬جديدة،‭ ‬ترتفع‭ ‬تلقائياً‭ ‬احتمالات‭ ‬جني‭ ‬الأرباح،‭ ‬خصوصاً‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬المستثمرين‭ ‬قصيري‭ ‬الأجل‭ ‬الذين‭ ‬استفادوا‭ ‬من‭ ‬الصعود‭ ‬السريع‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يفسر‭ ‬جزئيًا‭ ‬التذبذب‭ ‬الذي‭ ‬يرافق‭ ‬التداولات،‭ ‬ويجعل‭ ‬الأسعار‭ ‬تتحرك‭ ‬أحيانًا‭ ‬في‭ ‬نطاقات‭ ‬واسعة‭ ‬خلال‭ ‬الجلسة‭ ‬الواحدة‭.‬
لكن‭ ‬اللافت‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬تراجع‭ ‬في‭ ‬الأسعار‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬الأخيرة‭ ‬كان‭ ‬يقابَل‭ ‬غالبًا‭ ‬بعودة‭ ‬الشراء،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬وجود‭ ‬قناعة‭ ‬واسعة‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬بأن‭ ‬الذهب‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬يحتفظ‭ ‬بمبرراته‭ ‬الصعودية‭. ‬وهذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬السلوك‭ ‬عادة‭ ‬ما‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬السوق‭ ‬لم‭ ‬تصل‭ ‬بعد‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬إنهاك‭ ‬كامل،‭ ‬بل‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬مدعومة‭ ‬بتدفقات‭ ‬استثمارية‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬الأمان‭ ‬أو‭ ‬عن‭ ‬فرص‭ ‬استمرار‭ ‬الصعود‭.‬

رجوع لأعلى