الذهب يخترق مستوى 5100 دولار مع تفاقم التوترات الجيوسياسية
وصل سعر الذهب إلى مستوى قياسي جديد، متجاوزاً 5100 دولار للأونصة أمس الاثنين، مواصلاً بذلك صعوداً تاريخياً مع إقبال المستثمرين على هذا الأصل كملاذ آمن وسط تصاعد حالة عدم اليقين الجيوسياسي.
وقفز سعر المعدن بنسبة 64% في عام 2025، مدعوماً بالطلب المستمر كملاذ آمن، وتيسير السياسة النقدية الأميركية، وعمليات شراء قوية من البنوك المركزية مع استمرار الصين في شراء الذهب للشهر الرابع عشر في ديسمبر – وتدفقات قياسية إلى صناديق المؤشرات المتداولة\. وقد ارتفعت الأسعار بأكثر من 17% هذا العام.
حمى الذهب تجتاح الخزائن الوطنية
لم يعد الذهب في عام 2026 مجرد أداة للتحوُّط من التضخم بالنسبة للأفراد، بل تحول إلى ركيزة أساسية في استراتيجيات الأمن القومي للبنوك المركزية حول العالم. هذا التحول الجذري يعكس رغبة دولية متزايدة في تقليل الاعتماد على الدولار الأميركي (De-dollarisation) كعملة احتياط وحيدة، خاصة في ظل استخدامه المتزايد كأداة في النزاعات التجارية والعقوبات السياسية.
الصين: سياسة التحرر من الدولار
تتصدر الصين المشهد العالمي بصفتها المشتري الأكثر إصراراً، حيث لم تتوقف عن إضافة الذهب إلى خزائنها للشهر الـ14 على التوالي. وبلوغ حيازتها 74.15 مليون أوقية بنهاية ديسمبر يعكس رؤية بكين بعيدة المدى لتأمين عملتها (اليوان) وتقليل مخاطر تعرضها للنظام المالي الغربي. هذا الشراء المتواصل في ظل أسعار قياسية يبعث برسالة قوية للأسواق بأن التنين الصيني يرى في الذهب «الملاذ النهائي» الذي لا يمكن تجميده أو مصادرته.
بولندا: طموح السيادة المالية في أوروبا الشرقية
في تحرك لافت بمنطقة اليورو، برزت بولندا كلاعب استراتيجي ثقيل في سوق المعدن الأصفر. إعلان محافظ البنك المركزي البولندي، آدم غلابينسكي، عن خطة لرفع الاحتياطيات إلى 700 طن يمثل قفزة نوعية، خاصة وأن البلاد كانت تمتلك 550 طناً فقط بنهاية 2025. هذا التوجه البولندي يهدف إلى تعزيز المصداقية المالية للدولة وحماية اقتصادها من التقلبات الجيوسياسية التي تعصف بالقارة الأوروبية، مما يجعلها واحدة من أكبر حائزي الذهب في المنطقة.
الأسواق الناشئة: درع واقٍ ضد التقلبات العالمية
لم تكن الأسواق الناشئة بعيدة عن هذا السباق؛ فقد كانت المحرك الرئيسي لصافي المشتريات المركزية التي بلغت 297 طناً في الأشهر الأحد عشر الأولى من العام الماضي. بالنسبة لهذه الدول، يمثل الذهب «الدرع الواقي» الذي يحمي عملاتها المحلية من الانهيار في حال تراجع الدولار أو اضطراب الأسواق الأميركية. إن اندفاع البنوك المركزية في دول ناشئة نحو الذهب يعكس عدم يقين جماعي تجاه النظام النقدي القائم، وبحثاً عن أصول ملموسة تضمن الاستقرار في أوقات الأزمات الكبرى.
وتشير استطلاعات مجلس الذهب العالمي إلى أن هذا النهم ليس مؤقتاً؛ فرغم الأسعار التي تخطت 5 آلاف دولار، لا تزال المزيد من البنوك المركزية تخطط لزيادة حيازتها خلال العام المقبل. هذا الإجماع المركزي يعزز من مكانة الذهب كعملة عالمية لا تخضع لسلطة حكومة واحدة، مما يضمن استمرار الطلب القوي ويدعم المستويات السعرية القياسية التي نشهدها اليوم.
كيف يستثمر العالم في الذهب؟
هذه خريطة طريقة الاستثمار بالذهب:
1. الأسواق الفورية والمستقبلية: تعتبر لندن المركز الأكثر نفوذاً للتداول الفوري بين البنوك والمؤسسات الكبرى، بينما تهيمن بورصة «كومكس» في نيويورك على سوق العقود المستقبلية، تليها بورصة شنغهاي و«توكوم» في اليابان. هذه الأسواق تتيح للمستثمرين تثبيت أسعار الشراء لتواريخ لاحقة.
2. الصناديق المتداولة (ETFs): شهدت صناديق المؤشرات المتداولة تدفقات قياسية في 2025 بلغت 89 مليار دولار، تصدرتها الصناديق في أميركا الشمالية. تتيح هذه الصناديق للمستثمرين الاستفادة من تحركات الأسعار دون الحاجة لتخزين المعدن فعلياً.
3. السبائك والعملات: في الصين والهند (أكبر المستهلكين عالمياً)، تحول المستهلكون من شراء المجوهرات إلى السبائك والعملات الذهبية كوسيلة استثمارية بحتة، هرباً من تكاليف المصنعية المرتفعة في الحلي، ورغبة في امتلاك أصول مادية صلبة في ظل اضطراب العملات.
توقعات 2026
مع ارتفاع الذهب بنسبة 18 في المائة منذ بداية العام الحالي، يشير المحللون إلى أن التنسيق بين السياسات المالية والتوترات التجارية سيظل الوقود المحرك للسوق. فالذهب اليوم لا يتحرك فقط بناءً على العرض والطلب، بل بناءً على «انعدام اليقين» العالمي، وهو ما يجعله المرشح الأول لمزيد من القفزات في حال استمرار الحرب التجارية وتوجه الدول نحو تنويع احتياطياتها بعيداً عن العملات التقليدية.
ارتفاع قياسي للفضة منذ بداية العام
وتجاوزت مكاسب الفضة 50% منذ مطلع 2026. وارتفع سعر الفضة في المعاملات الفورية بنسبة 5.79% إلى 108.91 دولار للأونصة، بعد أن سجّل رقماً قياسياً بلغ 109.44 دولار، مقارنة بنحو 72 دولارا كانت قد سجلتها في مطلع يناير الجاري.
وارتفع سعر البلاتين بنسبة 3.77% إلى 2871.40 دولار للأونصة، بعد أن سجّل رقماً قياسياً بلغ 2891.6 دولار في وقت سابق من الجلسة، بينما ارتفع سعر البلاديوم بنسبة 3.2% إلى 2075.30 دولار للأونصة، وهو أعلى مستوى له منذ أكثر من ثلاث سنوات.
ارتفع سعر الفضة فوق مستوى 100 دولار لأول مرة يوم الجمعة، مواصلاً ارتفاعه بنسبة 147% العام الماضي، حيث ساهمت تدفقات المستثمرين الأفراد وعمليات الشراء المدفوعة بالزخم في تفاقم فترة طويلة من شح المعروض في الأسواق المادية للمعدن.
في غضون ذلك، أدى ارتفاع الين إلى انخفاض الدولار أمس الاثنين، مع ترقب الأسواق لتدخل محتمل في الين، وقيام المستثمرين بتقليص مراكزهم الدولارية قبل اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي هذا الأسبوع.
يُتيح ضعف الدولار للذهب المُسعّر بالدولار إمكانية شرائه بشكل أكثر سهولة لحاملي العملات الأخرى.
وتوقع مدير شركة ميتالز فوكس، فيليب نيومان: «مزيداً من الارتفاع (للذهب). تشير توقعاتنا الحالية إلى أن الأسعار ستبلغ ذروتها عند نحو 5500 دولار في وقت لاحق من هذا العام».
وأضاف نيومان: «من المرجح حدوث تراجعات دورية مع جني المستثمرين للأرباح، لكننا نتوقع أن يكون كل تصحيح قصير الأجل وسيُقابل بإقبال قوي على الشراء».
تنسيق سياسات وضغوط على الدولار
فسر المتعاملون تحركات بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك على أنها إشارة إلى أن البنك المركزي يستعد لمساعدة المسؤولين اليابانيين على التدخل مباشرة في سوق العملات لدعم الين. وتراجع الدولار بأكبر وتيرة له منذ مايو خلال الأسبوع الماضي، وسط سياسات أميركية غير متوقعة، وتوترات الرسوم الجمركية بين الولايات المتحدة وأوروبا، وهجمات على استقلالية مجلس الاحتياطي الفيدرالي.
وقال دانييل بايزا، نائب الرئيس الأول في شركة «فرونتكلير» إن «الإشارة الأهم هي تنسيق السياسات. فإذا فسرّت الأسواق هذا التنسيق على أنه استعداد لقبول أوضاع أسهل للدولار عالمياً، خصوصاً إلى جانب نهج تيسيري من مجلس الاحتياطي الفيدرالي، فقد يعزز ذلك مزيداً من الضغوط الهبوطية على الدولار في الأجل القصير».
ويتجه الاهتمام مجدداً إلى الدولار واليابان بعد ارتفاع عوائد السندات اليابانية الأسبوع الماضي، ما أثار اضطراباً في أسواق الدخل الثابت العالمية. وتُعدّ الأيام المقبلة حاسمة للمستثمرين مع استعداد مجلس الاحتياطي الفيدرالي لإصدار قراره بشأن السياسة النقدية، وإعلان شركات عملاقة مثل «مايكروسوفت» و»تسلا» نتائجها المالية.
وانعكس ضعف الدولار في مكاسب للعملات الآسيوية، إذ ارتفع الرينغيت الماليزي إلى أقوى مستوى له منذ عام 2018، في حين قفز الوون الكوري الجنوبي بما يصل إلى 1.2%. وارتفعت سندات الخزانة الأميركية بشكل طفيف، مع تراجع عائد السندات القياسية لأجل 10 سنوات نقطة أساس واحدة إلى 4.21%.
تدخل محتمل ومخاطر سياسية
بالنسبة إلى كثير من متابعي الدولار، فإن مؤشرات الدعم الأميركي لتعزيز الين تعيد فتح النقاش بشأن احتمال تدخل منسق في أسواق الصرف الأجنبي لتوجيه العملة الأميركية نحو الانخفاض أمام عملات شركائها التجاريين الرئيسيين.
ويُعتقد أن مثل هذا الاتفاق سيساعد المصدرين الأميركيين على المنافسة مع نظرائهم، مثل الصين واليابان.
مخاوف من إغلاق حكومي جديد
خلال عطلة نهاية الأسبوع، ازدادت المخاوف من إغلاق حكومي أميركي جديد بعدما تعهد زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر بعرقلة حزمة إنفاق ضخمة، ما لم يُلغِ الجمهوريون تمويلاً مخصصاً لوزارة الأمن الداخلي، ما رفع مخاطر الإغلاق الجزئي.
كما يراقب المتعاملون التوترات الجيوسياسية بعد أن أرسل ترمب أصولاً بحرية إلى الشرق الأوسط، ما أثار تكهنات جديدة بأنه قد ينفذ تهديداته بمهاجمة إيران في ظل حملة قمع عنيفة للاحتجاجات على مستوى البلاد.
وسيركز مستثمرو السندات أيضاً على مسألة تغيير القيادة في البنك المركزي، بعدما قال ترمب الأسبوع الماضي إنه سيكشف قريباً عن خليفة لرئيس المجلس جيروم باول.