الذهب يعاود الصعود رغم إشارات التهدئة
عاد الذهب إلى الواجهة مجدداً، ليس كملاذ آمن فقط، بل كأصل يتفاعل مع معادلة معقدة تجمع بين السياسة، والتضخم، وأسعار الفائدة، وسلوك المستثمرين. ففي جلسة الأول من أبريل 2026، سجل المعدن الأصفر ارتفاعاً ملحوظاً ليقترب من مستوى 4700 دولار للأونصة، في تحرك يعكس توازنًا دقيقاً بين آمال تهدئة الحرب مع إيران، واستمرار المخاطر الكامنة في الأسواق العالمية.
هذا الصعود لم يكن مجرد رد فعل عابر، بل جاء بعد فترة من التراجع الحاد، حيث سجل الذهب في مارس واحدة من أسوأ خسائره الشهرية منذ الأزمة المالية العالمية في 2008، متراجعاً بأكثر من 11 %، في ظل قوة الدولار وتصاعد توقعات استمرار السياسة النقدية المتشددة.
صعود حذر بعد خسائر قاسية
الارتفاع الأخير للذهب يبدو أقرب إلى تعافٍ تقني مدفوع بعوامل متعددة، وليس بداية موجة صعود قوية جديدة. فالمعدن الأصفر كان قد تعرض لضغوط مكثفة خلال الأسابيع الماضية نتيجة ارتفاع الدولار، وتراجع توقعات خفض أسعار الفائدة الأميركية، إضافة إلى تحول بعض المستثمرين نحو الأصول ذات العائد.
لكن مع بداية أبريل، بدأت الأسواق تعيد تقييم مراكزها، خصوصاً بعد موجة بيع مبالغ فيها نسبياً. وهنا جاء الارتفاع الأخير ليعكس عودة جزئية للطلب على الذهب، سواء من المستثمرين الباحثين عن التحوط، أو من المؤسسات التي ترى أن الأسعار الحالية أصبحت جذابة بعد التصحيح.
السياسة لا تكفي
لإخراج الذهب من المشهد
تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن احتمال إنهاء الحرب مع إيران خلال أسابيع، ساهمت في رفع شهية المخاطرة ودعم أسواق الأسهم. لكن اللافت أن الذهب لم يتراجع بشكل حاد، بل ارتفع، وهو ما يعكس أن الأسواق لا تزال غير مقتنعة بالكامل بانتهاء المخاطر.
فالذهب لا يتفاعل فقط مع الأخبار الإيجابية، بل مع درجة اليقين المرتبطة بها. وبينما قد تعطي التصريحات إشارات تهدئة، فإن الواقع الجيوسياسي يبقى مفتوحاً على احتمالات متعددة، ما يدفع المستثمرين إلى الاحتفاظ بجزء من مراكزهم في الذهب كأداة تحوط.
وهذا يعكس تحولًا مهماً في سلوك السوق: الذهب لم يعد يرتفع فقط عند اشتداد الأزمات، بل أصبح يحتفظ بجاذبيته حتى في مراحل «الهدوء غير المكتمل».
4700 دولار.. رقم
نفسي وسعري مهم
وصول الذهب إلى مستويات قريبة من 4700 دولار للأونصة يحمل دلالات تتجاوز مجرد رقم. فهذا المستوى يعكس عودة قوية للمعدن بعد التراجع، ويشير إلى أن السوق لا تزال ترى في الذهب أصلًا استراتيجيًا في بيئة مضطربة.
كما أن هذا المستوى أصبح بمثابة نقطة مقاومة نفسية، حيث يختبر الذهب قدرته على تثبيت مكاسبه. وإذا نجح في الاستقرار فوقها، فقد يفتح المجال أمام موجة صعود جديدة، خاصة إذا عادت التوترات الجيوسياسية أو تراجعت عوائد السندات.
الدولار والفائدة.. العاملان الحاسمان
رغم الصعود، لا يزال الذهب مقيداً بعاملين رئيسيين: الدولار الأميركي وعوائد السندات. فارتفاع الدولار يجعل الذهب أكثر تكلفة لحائزي العملات الأخرى، بينما تؤدي عوائد السندات المرتفعة إلى تقليل جاذبية الذهب كأصل لا يدر عائداً.
وقد أظهرت التطورات الأخيرة أن الأسواق أصبحت تميل إلى تأجيل توقعات خفض الفائدة الأميركية، بعدما كانت تتوقع تخفيضات خلال العام. وهذا التغير في التوقعات كان أحد الأسباب الرئيسية وراء تراجع الذهب في مارس.
لكن في المقابل، فإن أي إشارة إلى تراجع العوائد أو ضعف الدولار يمكن أن تعيد دعم الذهب بسرعة، وهو ما يجعل حركته مرتبطة بشكل وثيق بتوجهات السياسة النقدية.
البنوك المركزية.. اللاعب الصامت
أحد أهم العوامل التي تدعم الذهب على المدى المتوسط والطويل هو استمرار مشتريات البنوك المركزية. ففي السنوات الأخيرة، اتجهت العديد من الدول إلى تنويع احتياطياتها بعيداً عن الدولار، ما عزز الطلب الهيكلي على الذهب.
وهذا الطلب لا يظهر دائماً في تحركات يومية حادة، لكنه يشكل قاعدة دعم قوية للأسعار، ويحد من احتمالات الهبوط العنيف. كما أنه يعكس تحولاً استراتيجياً في النظام المالي العالمي، حيث أصبح الذهب جزءاً أساسياً من إعادة توزيع القوة النقدية.
تقلبات مرتفعة وسلوك استثماري جديد
اللافت في تحركات الذهب خلال الفترة الأخيرة هو ارتفاع مستوى التقلبات، حيث تضاعفت تقريباً مقارنة بمتوسطها التاريخي. ويعود ذلك إلى زيادة مشاركة المستثمرين الماليين، خصوصاً صناديق التحوط والمضاربين، الذين يتعاملون مع الذهب كأصل تداولي سريع، وليس فقط كأداة ادخار.
كما أن السوق شهدت عمليات جني أرباح واسعة بعد الارتفاعات الكبيرة التي سجلها الذهب في بداية 2026، ما أدى إلى تسارع وتيرة الهبوط في مارس، قبل أن تبدأ موجة التعافي الحالية.
هذا التغير في سلوك المستثمرين يعنـي أن الذهب أصبـح أكثر حساسية للأخبار والتوقعات، وأقل استقرارًا مقارنة بما كان عليه في فترات سابقة.
5400 دولار في الأفق
رغم الضغوط الحالية، لا تزال النظرة طويلة الأجل للذهب إيجابيـة. إذ تشيـر توقعـات مؤسسات مالية كبرى إلى إمكانية وصول الأسعار إلى نحو 5400 دولار للأونصة بحلول نهاية 2026، مدعومة بعوامل مثل مشتريات البنوك المركزية، واحتمالات خفض الفائدة، واستمرار التوترات الجيوسياسية.
لكن هذه التوقعات لا تعني أن الطريق سيكون سلساً. فالمخاطر على المدى القصير لا تزال قائمة، خاصة إذا استمر ارتفاع الدولار، أو إذا تحسنت شهية المخاطرة بشكل كبير، ما قد يدفع المستثمرين للخروج من الذهب مؤقتاً.