الذهب يفقد بريق الحرب تحت ضغط الدولار والسيولة
شهدت أسعار الذهب تراجعاً ملحوظاً في تعاملات الخميس، منهية جلستين متتاليتين من المكاسب، في وقت كانت فيه الأسواق العالمية تترقب إشارات أوضح بشأن المسار السياسي والعسكري للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وما إذا كانت التطورات الراهنة تتجه نحو احتواء التصعيد أم نحو مرحلة أكثر اتساعاً قد تعيد خلط أوراق الأسواق والملاذات الآمنة من جديد. وجاء هذا التراجع في لحظة حساسة للأسواق العالمية، إذ لم يعد المستثمرون يتعاملون فقط مع الحرب كعامل داعم تلقائي للذهب، بل باتوا ينظرون أيضاً إلى التداعيات النقدية والمالية والسيولة المرتبطة بها، وهو ما جعل حركة المعدن النفيس أكثر تعقيداً وتقلباً من المعتاد.
تراجع الأسعار
في الأرقام، انخفض الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 1.17 % ليصل إلى 4454.33 دولارًا للأوقية وقت إعداد التقرير، فيما هبطت العقود الأمريكية الآجلة للذهب تسليم أبريل بنسبة 2.21 % إلى 4451.71 دولاراً للأوقية. ويعكس هذا الأداء أن السوق لم يعد يتفاعل فقط مع عنوان «الحرب» أو «التصعيد» بصورة ميكانيكية، بل بات يسعّر أيضًا مدى قدرة هذا التصعيد على تغيير سلوك البنوك المركزية، وتحويلات المستثمرين، وتكلفة التمويل، وهو ما يفسر لماذا فشل الذهب هذه المرة في الاحتفاظ بزخم الصعود رغم استمرار المخاطر الجيوسياسية في المنطقة.
ويبدو أن المستثمرين وجدوا أنفسهم أمام معادلة مزدوجة: فمن جهة، هناك حرب إقليمية واسعة بما يكفي لتبرير طلب قوي على الملاذات الآمنة، ومن جهة أخرى، هناك اضطراب حاد في السيولة والأسواق يدفع المؤسسات إلى بيع بعض أصولها الرابحة، وعلى رأسها الذهب، لتغطية خسائرها أو متطلبات الهامش في أسواق أخرى. وهذه النقطة تحديداً تفسر جانباً مهماً من سلوك الذهب في الفترة الأخيرة، حيث لم يعد التراجع دليلاً على انحسار الخوف، بل أحياناً نتيجة مباشرة لارتفاعه.
العامل الجيوسياسي
وبحسب ما نقلته «رويترز»، قال كبير محللي الأسواق المالية لدى «كابيتال دوت كوم»، كايل رودا، إن اتجاه الذهب خلال الساعات الأربع والعشرين إلى الثماني والأربعين المقبلة سيتحدد بدرجة كبيرة وفقاً لما ستسفر عنه الأخبار المتعلقة بالمفاوضات، مشيراً إلى أن التحركات الأكبر قد تظهر فعلياً مع بداية الأسبوع المقبل، عندما تتضح بشكل أكبر احتمالات انتقال الولايات المتحدة إلى خيارات عسكرية أكثر اتساعاً، بما في ذلك سيناريوهات التصعيد البري ضد إيران. وهذه القراءة تعني أن الذهب لا يزال رهينة العنوان السياسي المباشر، لكنه بات يتحرك بسرعة أعلى وحساسية أكبر تجاه أي تغير في نبرة التصريحات أو طبيعة التطورات الميدانية.
وتعززت هذه الحساسية مع تصريحات المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولاين ليفيت، التي أكدت أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب توعد بضرب إيران «بقوة أكبر» إذا لم تتقبل ما وصفته بـ«الهزيمة العسكرية»، وهي لهجة زادت من توتر الأسواق، لكنها في الوقت نفسه لم تكن كافية لدفع الذهب للصعود المستدام، لأن المتعاملين باتوا يضعون في الحسبان أيضاً أثر أي تصعيد على النفط، والتضخم، والفائدة، والدولار، وليس فقط على المزاج الاستثماري العام.
ضغط الفائدة
ومن أبرز العوامل التي زادت الضغط على الذهب خلال الساعات الأخيرة، التحول الملحوظ في توقعات السياسة النقدية الأمريكية. فبحسب أداة «فيد ووتش» التابعة لـ «سي إم إي»، لم تعد الأسواق تتوقع أي تيسير نقدي من جانب مجلس الاحتياطي الاتحادي خلال هذا العام، بعد أن كانت التقديرات قبل اندلاع الصراع تشير إلى احتمال خفض أسعار الفائدة مرتين على الأقل. وهذه النقلة في التسعير تعد سلبية بطبيعتها بالنسبة إلى الذهب، لأن المعدن الأصفر لا يدر عائدًا، وبالتالي يفقد جزءاً من جاذبيته عندما ترتفع أو تستقر الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول.
كما أظهرت بيانات «فيد ووتش» أيضاً ارتفاع احتمال إبقاء الاحتياطي الاتحادي على أسعار الفائدة دون تغيير في اجتمـاع ديسمبـر إلى 64.4 %، مقارنة مع 60.2 % قبل يوم واحد فقط. وهذا التحول لا يعكس فقط تشدداً نقدياً، بل يشير كذلك إلى أن الأسواق بدأت تتوقع أن يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة والتوترات في مضيق هرمز إلى موجة تضخمية جديدة، قد تجعل البنوك المركزية أكثر تحفظاً في أي حديث عن التيسير النقدي خلال الفترة المقبلة.
الدولار يتقدم
في المقابل، استفاد الدولار الأمريكي من هذه البيئة المضطربة، ليسجل مكاسب جديدة مع تزايد الإقبال عليه باعتباره أداة سيولة وملاذاً نقدياً مباشراً. فقد ارتفع مؤشر الدولار، الذي يقيس أداء العملة الأمريكية أمام سلة من ست عملات رئيسية، بنسبة 0.1 % إلى 99.69 نقطة أمس الخميس، بعد أن حقق في الجلسة السابقة أكبر مكسب يومي له خلال أسبوع. ويشكل هذا الارتفاع ضغطاً مباشراً على الذهب، لأن صعود الدولار يجعل شراء المعدن أكثر تكلفة بالنسبة إلى حائزي العملات الأخرى، ويقلص بالتالي من الطلب العالمي عليه.
وأشار محللون في «ويستباك» إلى أن الأسواق ما تزال شديدة التأثر بتدفق الأخبار، وأن التركيز الأساسي ينصب حاليًا على تقييم ما إذا كانت الأنباء الأخيرة تمثل بالفعل بداية محاولة جادة لاحتواء التصعيد أم مجرد تهدئة مؤقتة في مسار أزمة مفتوحة. وهذا النوع من الضبابية عادة ما يكون داعماً للذهب على المدى النظري، لكنه في الوقت نفسه يدعم الدولار أيضاً، خصوصاً عندما تتحول أولوية المستثمرين من «الحماية» إلى «السيولة الفورية».
منطق السيولة
وربما يكون هذا هو التفسير الأكثر أهمية لتراجع الذهب رغم الحرب. فالتاريخ المالي يثبت أن الذهب لا يرتفع دائماً في المراحل الأولى من الأزمات الحادة، بل قد يتراجع أحياناً عندما تدخل الأسواق في ما يسمى بـ «مرحلة الصدمة والذعر»، حيث يسارع المستثمرون إلى بيع الأصول القابلة للتسييل سريعاً لتغطية خسائرهم أو التزاماتهم في أماكن أخرى.
وهذا ما أكدته تقارير «فايننشال تايمز»، التي أشارت إلى أن الذهب فقد أكثر من 15 % منذ بداية الحرب في الشرق الأوسط، في حركة حادة أثارت تساؤلات حول مدى حفاظه على دوره التقليدي كملاذ آمن. فخلال الأيام الأولى من الصراع، حافظ الذهب نسبيًا على مستوياته، لكنه بدأ بعد ذلك يتعرض لضغوط بيعية مع تصاعد الحاجة إلى السيولة، ما أدى إلى تآكل جزء كبير من مكاسبه السابقة.
وقالت رونا أوكونيل، المحللة في شركة «ستون إكس»، إنه لا ينبغي للمستثمرين «الوقوع في فخ الملاذ الآمن»، موضحة أن الذهب كثيرًا ما ينخفض خلال فترات التراجع الحاد في أسواق الأسهم وسندات الخزانة، لأن المستثمرين يلجأون إلى تسييله من أجل جمع الأموال. وهذه العبارة تختصر بدقة ما يحدث حالياً: فالذهب لا يفقد صفته كملاذ، لكنه قد يتحول مؤقتاً إلى مصدر تمويل سريع عند احتدام الضغوط السوقية.
تصفية المراكز
ومن زاوية أكثر تقنية، أوضح جيسون تيرنر من بنك «بيرنبرغ» الألماني أن بيانات صناديق التحوط وشركات الوساطة تشير إلى أن المؤسسات المالية بدأت بالفعل في تصفية مراكزها المربحة في الذهب لتغطية متطلبات الهامش، أي الضمانات الإضافية التي تطلبها شركات الوساطة من المستثمرين عند تعرضهم لخسائر في أسواق أخرى مثل الأسهم والسندات. وهذه الممارسة شائعة في فترات التوتر الحاد، وهي تعني ببساطة أن المستثمر لا يبيع الذهب لأنه لم يعد يؤمن به، بل لأنه يحتاج إلى سيولة عاجلة في مكان آخر من محفظته. وتشير تقديرات «مجموعة فاندا للبيانات» إلى أن صناديق الاستثمار المتداولة في الذهب عالمياً شهدت تدفقات خارجة بنحو 10.8 مليارات دولار منذ بداية الحرب، ما يعكس حجم الضغوط التي تعرض لها المعدن خلال هذه المرحلة. كما انتشرت تكهنات بين بعض المحللين بشأن احتمال لجوء بعض البنوك المركزية إلى بيع جزء من احتياطياتها الذهبية لتوفير سيولة إضافية أو دعم الإنفاق الدفاعي، وهي فرضية لم تظهر بوضوح في البيانات الرسمية حتى الآن، لكنها ساهمت نفسياً في تعزيز ضغوط السوق.
البنوك المركزية
وتزايد الحديث عن هذا السيناريو بعد إعلان محافظ البنك المركزي البولندي أن بلاده تدرس بيع أو إعادة تقييم جزء من احتياطياتها من الذهب لتغطية الإنفاق الدفاعي. كما أشار محللو بنك «إتش إس بي سي» إلى أن ارتفاع أسعار النفط والمخاطر الجيوسياسية والإيرادات المحتملة الناتجة عن ارتفاع الذهب نفسه قد تشجع على المزيد من عمليات البيع من جانب القطاع الرسمي. وهذه النقطة، حتى وإن كانت محدودة حتى الآن، تبقى عاملاً مهماً في حسابات المستثمرين، لأن أحد أعمدة دعم الذهب خلال السنوات الأخيرة كان يتمثل في مشتريات البنوك المركزية العالمية.
خسائر من القمة
وعند النظر إلى الصورة الأوسع، يتضح أن الذهب كان قد سجل موجة صعود قوية منذ أوائل عام 2024، وبلغ ذروته عند مستوى قياسي وصل إلى 5594 دولاراً للأوقية في يناير، مدفوعًا بإقبال استثماري واسع وتوقعات بتيسير نقدي عالمي. لكن هذا المسار بدأ يفقد زخمه مع دخول الأسواق في دورة جديدة من التوترات التضخمية والمخاطر الجيوسياسية المعقدة. وبحسب البيانات الـواردة، فقد انخفض الذهـب بنسبـة تقـارب 16 % منذ اندلاع الحرب في الشرق الأوسط في 28 فبراير، ما أدى إلى محو معظم مكاسبه السنوية، رغم بقائه عند مستويات تاريخية مرتفعة نسبيًا مقارنة بمتوسطاته طويلة الأجل.
تغير طبيعة الطلب
ويقول جون ريد، استراتيجي السوق في مجلس الذهب العالمي، إن ما شهدته السوق خلال هذه المرحلة يعكس موجة واضحة من جني الأرباح وتقليص المخاطر وخفض الديون. وأضاف أن سيطرة المستثمرين المضاربين على جزء أكبر من حركة الذهب خلال العام الماضي، بدلاً من محركات الطلب التقليدية مثل المجوهرات أو الادخار طويل الأجل، جعلت المعدن أكثر عرضة للتقلبات الحادة وأقل استقراراً في أداء دوره التقليدي كأداة تنويع وحماية. وهذه ملاحظة مهمة، لأنها تعني أن الذهب لا يزال أصلاً دفاعياً مهماً، لكنه لم يعد يتحرك فقط وفق منطقه التاريخي البسيط، بل أصبح أكثر ارتباطًا بهيكل التمويل العالمي وسلوك المحافظ الكبرى.
الفائدة الحقيقية
كما أشار أدريان آش، مدير الأبحاث في منصة «بوليون فولت»، إلى أن الذهب والفضة يتأثران بشدة حالياً بتوقعات أسعار الفائدة، وأن العلاقة بين الذهب والفائدة الحقيقية عادت لتفرض نفسها بقوة. فمع ارتفاع الفائدة، ترتفع عوائد السندات، ما يمنح المستثمرين بديلاً أكثر جاذبية من الذهب بالنسبة إلى شريحة من الأموال الاستثمارية، خصوصاً في بيئة يسودها الحذر وتفضيل العائد المضمون على التحوط المجرد.
المعادن الأخرى
ولم يكن الذهب وحده تحت الضغط، إذ امتدت الخسائر إلى بقية المعادن النفيسة. فقد تراجعت الفضة في المعاملات الفورية بنسبة 2.35 % إلى 69.58 دولارًا للأوقية، فيما خسر البلاتين 2.2 % إلى 1888.89 دولاراً، وانخفض البلاديوم 0.71 % إلى 1404.62 دولاراً. ويعكس هذا التراجع الجماعي أن ما يحدث ليس مجرد إعادة تسعير للذهب وحده، بل موجة أوسع من تقليص الانكشاف على المعادن النفيسة عموماً، في ظل تفضيل مؤقت للدولار والسيولة النقدية.