الذهب يهبط دون 5000 دولار للأونصة
هبطت أسعار الذهب في التعاملات العالمية الاثنين إلى ما دون مستوى 5000 دولار للأونصة، متأثرة بتراجع توقعات خفض أسعار الفائدة في الولايات المتحدة على المدى القريب، في وقت أدت فيه قفزة أسعار الطاقة إلى إعادة إشعال مخاوف التضخم عالمياً. وفي المقابل، ساهم ضعف الدولار نسبياً في الحد من خسائر المعدن النفيس، في ظل حالة عدم اليقين التي تهيمن على الأسواق المالية.
وانخفض سعر الذهب في المعاملات الفورية بنحو 0.70 % ليصل إلى 4985 دولاراً للأوقية (الأونصة)، بينما تراجعت العقـود الأمريكية الآجلة للذهـب تسليـم أبـريـل بنحـو 1.30 % إلــى 4995 دولاراً للأوقيـة. كمـا تراجعــت أسعــار الفضة فـي المعامـلات الفوريـة بنسبــة 2.5 % إلى نحو 78.50 دولاراً للأوقية، في انعكاس لضعف عام في أسواق المعادن النفيسة.
ضغوط التضخم وأسعار الطاقة
يأتي التراجع الأخير في أسعار الذهب في وقت ارتفعت فيه أسعار الطاقة بشكل حاد خلال الأسابيع الماضية، ما أعاد إلى الواجهة المخاوف من عودة التضخم للارتفاع في الاقتصادات الكبرى. فارتفاع أسعار النفط والغاز يرفع تكاليف الإنتاج والنقل عالمياً، ما ينعكس على مستويات الأسعار في مختلف القطاعات الاقتصادية.
وتشير بيانات الأسواق إلى أن ارتفاع تكاليف الطاقة قلّص التوقعات بشأن إمكانية قيام مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بخفض أسعار الفائدة في المدى القريب، إذ يخشى صناع السياسة النقدية أن يؤدي التيسير النقدي إلى تغذية التضخم مجدداً. وقد دفع ذلك المستثمرين إلى إعادة تسعير توقعاتهم بشأن مسار السياسة النقدية الأمريكية خلال الأشهر المقبلة.
وفي هذا السياق، يرى محللون أن ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات مرتفعة نسبياً في الفترة الأخيرة نتيجة التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط عزز المخاوف من موجة تضخم جديدة قد تعرقل مسار التراجع التدريجي في الأسعار الذي شهدته الاقتصادات المتقدمة خلال العام الماضي.
تأثير الدولار على الذهب
إلى جـانب أسعـار الفائدة، يلعب الدولار الأمريكي دوراً محورياً في تحديد اتجاهات الذهب، نظراً لأن المعدن النفيس يتم تسعيره عالمياً بالدولار. وعادة ما يؤدي ارتفاع العملة الأمريكية إلى الضغط على أسعار الذهب، إذ يصبح المعدن أكثر تكلفة بالنسبة للمستثمرين الذين يتعاملون بعملات أخرى.
لكن في جلسة الاثنين، ساهم ضعف نسبي في الدولار في الحد من خسائر الذهب، ما منع الأسعار من الهبوط الحاد. ويشير محللون إلى أن استمرار التقلبات في سوق العملات قد يؤدي إلى تحركات متباينة في أسعار الذهب خلال الفترة المقبلة، خاصة مع اقتراب اجتماعات البنوك المركزية الكبرى.
التوترات الجيوسياسية
ودورها في السوق
رغم الضغوط الناجمة عن السياسة النقدية، فإن الذهب ما يزال يستفيد جزئياً من التوترات الجيوسياسية المتصاعدة في بعض مناطق العالم، وعلى رأسها الشرق الأوسط. فهذه التوترات غالباً ما تدفع المستثمرين إلى اللجوء إلى الأصول الآمنة مثل الذهب لحماية ثرواتهم من التقلبات.
وقد أدت الاضطرابات الأخيرة في منطقة الخليج، بما في ذلك المخاوف بشأن أمن إمدادات النفط عبر مضيق هرمز، إلى ارتفاع أسعار الطاقة وتقلب الأسواق المالية. ويعد هذا المضيق ممراً استراتيجياً يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية، ما يجعل أي اضطرابات فيه ذات تأثير كبير على الاقتصاد العالمي.
ورغم أن الذهب عادة ما يستفيد من مثل هذه التوترات، فإن تأثير السياسة النقدية في المرحلة الحالية يبدو أقوى، إذ يركز المستثمرون بشكل أساسي على اتجاه أسعار الفائدة الأمريكية.
تقلبات حادة بعد موجة ارتفاع تاريخية
يأتي التراجع الأخير في أسعار الذهب بعد مـوجــة ارتفاع قوية شهدها المعدن النفيس في الأسابيع الماضية. فقد لامس الذهب مستويات قياسية تجاوزت 5400 دولار للأونصة في وقت سابق من هذا الشهر، مدعوماً بتصاعد التوترات الجيوسياسية وتزايد الطلب على الملاذات الآمنة.
غير أن هذه المكاسب بدأت تتآكل مع تحول تركيز الأسواق مجدداً إلى السياسة النقدية الأمريكية. فقد ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأمريكية، كما تعزز الدولار في بعض الفترات، ما أدى إلى عمليات جني أرباح واسعة في سوق الذهب.
ويرى خبراء أن هذا التراجع لا يعني بالضرورة نهاية الاتجاه الصعودي طويل الأجل للذهب، بل قد يعكس تصحيحاً طبيعياً بعد ارتفاعات قوية شهدتها الأسعار خلال الأشهر الماضية.
أداء المعادن النفيسة الأخرى
لم يقتصر التراجع على الذهب فقط، بل شمل أيضاً المعادن النفيسة الأخرى. فقد انخفضت أسعار الفضة بنسبة 2.5 % إلى نحو 78.50 دولاراً للأوقية، متأثرة بضعف الطلب الصناعي وارتفاع الدولار في بعض الفترات.
كما شهدت معادن مثل البلاديوم والبلاتين تقلبات ملحوظة، في ظل حالة عدم اليقين التي تسيطر على الاقتصاد العالمي. ويؤكد محللون أن المعادن الصناعية تحديداً أكثر حساسية لتوقعات النمو الاقتصادي، ما يجعلها عرضة لتقلبات أكبر مقارنة بالذهب.
توقعات الأسواق للفترة المقبلة
تترقب الأسواق هذا الأسبوع اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، حيث يأمل المستثمرون في الحصول على إشارات أوضح بشأن مسـار السيـاسـة النقدية خلال النصف الثاني من العام. وتشير التوقعات الحالية إلى أن البنك المركزي قد يبقي أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعه المقبل، مع استمرار تقييمه لتطـــورات التضخـــم والنمو الاقتصادي.
ويرى محللون أن مسار الذهب في المدى القريب سيعتمد إلى حد كبير على ثلاثة عوامل رئيسية:
1 – سياسة الاحتياطي الفيدرالي: أي إشارات إلى خفض الفائدة قد تدعم أسعار الذهب سريعاً.
2 – أسعار الطاقة: استمرار ارتفاع النفط قد يعيد الضغوط التضخمية.
3 – التوترات الجيوسياسية: تصاعد الصراعات قد يعزز الطلب على الأصول الآمنة.
وفي حال استمرت الضغوط الحالية، قد يتحرك الذهب ضمن نطاق يتراوح بين 5000 و5200 دولار للأونصة خلال الأسابيع المقبلة، بحسب تقديرات بعض المحللين.
الذهب كملاذ آمن
رغم التقلبات الحالية، لا يزال الذهب يحتفظ بمكانته كأحد أهم الأصول الدفاعية في أوقات الأزمات. فالمستثمرون يلجؤون إليه تقليدياً لحماية ثرواتهم من التضخم وتقلبات العملات والأسواق المالية.
وفي فترات الاضطرابات الاقتصادية أو الجيوسياسية، غالباً ما يشهد الذهب تدفقات استثمارية قوية من الصناديق والمؤسسات المالية، وهو ما يفسر ارتفاعه المتكرر خلال الأزمات العالمية.
غير أن هذه الميزة لا تعني أن الذهب محصن من التقلبات قصيرة الأجل، إذ تظل تحركاته مرتبطة بعوامل اقتصادية ومالية عديدة، من بينها أسعار الفائدة والدولار ومستويات التضخم.