تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرأسمالية‭ ‬العالمية‭.. ‬ازدهار‭ ‬يوسّع‭ ‬دوائر‭ ‬الفقر

الرأسمالية‭ ‬العالمية‭.. ‬ازدهار‭ ‬يوسّع‭ ‬دوائر‭ ‬الفقر

في‭ ‬وقت‭ ‬تُسوَّق‭ ‬فيه‭ ‬العولمة‭ ‬بوصفها‭ ‬محرّكاً‭ ‬للتنمية‭ ‬والازدهار،‭ ‬يقدّم‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬سلاسل‭ ‬القيمة‭ ‬الرأسمالية‮»‬‭ ‬قراءة‭ ‬مغايرة‭ ‬تكشف‭ ‬الوجه‭ ‬الآخر‭ ‬لمنظومة‭ ‬الإنتاج‭ ‬العالمية‭. ‬فخلف‭ ‬الشعارات‭ ‬البراقة‭ ‬عن‭ ‬النمو‭ ‬والتكامل‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬تتبدّى‭ ‬شبكة‭ ‬معقدة‭ ‬من‭ ‬العلاقات‭ ‬التي‭ ‬تعيد‭ ‬إنتاج‭ ‬الفقر،‭ ‬وتعمّق‭ ‬استغلال‭ ‬العمال،‭ ‬وتسرّع‭ ‬استنزاف‭ ‬البيئة‭.‬
الكتاب،‭ ‬الذي‭ ‬أعدّه‭ ‬الباحثان‭ ‬بنيامين‭ ‬سلوين‭ ‬وكريستين‭ ‬بيرنهولد،‭ ‬لا‭ ‬يكتفي‭ ‬بتفكيك‭ ‬الخطاب‭ ‬السائد‭ ‬حول‭ ‬‮«‬سلاسل‭ ‬القيمة‭ ‬العالمية‮»‬،‭ ‬بل‭ ‬يعيد‭ ‬تعريف‭ ‬هذه‭ ‬المنظومة‭ ‬من‭ ‬جذورها،‭ ‬باعتبارها‭ ‬امتداداً‭ ‬مباشراً‭ ‬للعلاقات‭ ‬الطبقية‭ ‬الرأسمالية‭ ‬العابرة‭ ‬للحدود‭.‬

من‭ ‬‮«‬العالمية‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬الرأسمالية‮»‬

منذ‭ ‬أواخر‭ ‬السبعينيات،‭ ‬ومع‭ ‬تسارع‭ ‬العولمة،‭ ‬توزعت‭ ‬عمليات‭ ‬الإنتاج‭ ‬على‭ ‬بلدان‭ ‬عدة،‭ ‬تقودها‭ ‬شركات‭ ‬عابرة‭ ‬للقوميات‭. ‬واعتُبر‭ ‬هذا‭ ‬النمط،‭ ‬الذي‭ ‬عُرف‭ ‬بـ«سلاسل‭ ‬القيمة‭ ‬العالمية‮»‬،‭ ‬أداة‭ ‬لتعزيز‭ ‬التنمية‭ ‬عبر‭ ‬التجارة‭ ‬والانفتاح‭.‬
لكن‭ ‬المؤلفين‭ ‬يرفضان‭ ‬هذا‭ ‬التصور،‭ ‬ويقدّمان‭ ‬بدلاً‭ ‬منه‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬سلاسل‭ ‬القيمة‭ ‬الرأسمالية‮»‬،‭ ‬للتأكيد‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الشبكات‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬آلية‭ ‬إنتاج‭ ‬وتبادل،‭ ‬بل‭ ‬بنية‭ ‬هدفها‭ ‬الأساسي‭ ‬تعظيم‭ ‬الأرباح،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬جاء‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الإنسان‭ ‬والطبيعة‭. ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنظور،‭ ‬لا‭ ‬يصبح‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬استجابة‭ ‬لحاجات‭ ‬المجتمع،‭ ‬بل‭ ‬نتيجة‭ ‬مباشرة‭ ‬لسعي‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬الدائم‭ ‬إلى‭ ‬التراكم‭ ‬والتوسع‭.‬

الاستغلال‭ ‬قاعدة‭ ‬لا‭ ‬استثناء

يضع‭ ‬الكتاب‭ ‬في‭ ‬صلب‭ ‬تحليله‭ ‬فكرة‭ ‬أن‭ ‬استغلال‭ ‬العمل‭ ‬ونهب‭ ‬الموارد‭ ‬الطبيعية‭ ‬ليسا‭ ‬انحرافًا‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الرأسمالي،‭ ‬بل‭ ‬شرطاً‭ ‬أساسياً‭ ‬لاستمراره‭. ‬فالشركات‭ ‬الكبرى،‭ ‬عبر‭ ‬هذه‭ ‬السلاسل،‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬وسائل‭ ‬متعددة‭ ‬لاستخراج‭ ‬الفائض،‭ ‬سواء‭ ‬عبر‭ ‬إطالة‭ ‬ساعات‭ ‬العمل‭ ‬أو‭ ‬رفع‭ ‬الإنتاجية‭ ‬دون‭ ‬مقابل‭ ‬عادل‭.‬
ويعرض‭ ‬المؤلفان‭ ‬أمثلة‭ ‬توضّح‭ ‬كيف‭ ‬يعيش‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬العمال‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬السلاسل‭ ‬بأجور‭ ‬متدنية‭ ‬لا‭ ‬تكفي‭ ‬لتغطية‭ ‬الاحتياجات‭ ‬الأساسية،‭ ‬ضمن‭ ‬ما‭ ‬يصفانه‭ ‬بـ«أنظمة‭ ‬النمو‭ ‬المُفقِرة»؛‭ ‬أي‭ ‬أن‭ ‬الشركات‭ ‬تحقق‭ ‬أرباحاً‭ ‬متزايدة،‭ ‬فيما‭ ‬يزداد‭ ‬العمال‭ ‬فقراً‭.‬
ومن‭ ‬هنا،‭ ‬لا‭ ‬يكتفي‭ ‬الكتاب‭ ‬بانتقاد‭ ‬معايير‭ ‬الفقر‭ ‬التقليدية،‭ ‬مثل‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬يعتمدها‭ ‬البنك‭ ‬الدولي،‭ ‬بل‭ ‬يدعو‭ ‬إلى‭ ‬تبنّي‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬الأجر‭ ‬المعيشي‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬الحد‭ ‬الأدنى‭ ‬من‭ ‬الدخل،‭ ‬بل‭ ‬يشمل‭ ‬القدرة‭ ‬الفعلية‭ ‬على‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬التعليم‭ ‬والصحة‭ ‬والخدمات‭ ‬الأساسية‭.‬
البيئة‭.. ‬الخسارة‭ ‬الأقل‭ ‬ظهورًا

إلى‭ ‬جانب‭ ‬البشر،‭ ‬يلفت‭ ‬الكتاب‭ ‬إلى‭ ‬الكلفة‭ ‬البيئية‭ ‬الباهظة‭ ‬لسلاسل‭ ‬القيمة‭ ‬الرأسمالية‭. ‬فالتوسع‭ ‬المستمر‭ ‬في‭ ‬الإنتاج‭ ‬والنقل‭ ‬واستهلاك‭ ‬الطاقة‭ ‬يفاقم‭ ‬التغير‭ ‬المناخي‭ ‬ويضغط‭ ‬على‭ ‬الأنظمة‭ ‬البيئية‭.‬
ويشير‭ ‬المؤلفان‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬‮«‬التخصص‭ ‬المفرط‮»‬‭ ‬داخل‭ ‬هذه‭ ‬السلاسل،‭ ‬حيث‭ ‬تُركَّز‭ ‬كل‭ ‬مرحلة‭ ‬إنتاجية‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬مختلفة،‭ ‬يضاعف‭ ‬حركة‭ ‬السلع‭ ‬عبر‭ ‬العالم،‭ ‬بما‭ ‬يعنيه‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬ارتفاع‭ ‬الانبعاثات‭ ‬واستهلاك‭ ‬الموارد‭. ‬كما‭ ‬يفندان‭ ‬الرهان‭ ‬على‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬وحدها،‭ ‬موضحين‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬تحسن‭ ‬في‭ ‬الكفاءة‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬يُعاد‭ ‬توظيفه‭ ‬في‭ ‬توسيع‭ ‬الإنتاج،‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬تقليص‭ ‬الأثر‭ ‬البيئي‭.‬

نقاط‭ ‬قوة‭.. ‬وثغرات

ورغم‭ ‬قوة‭ ‬الطرح‭ ‬النظري‭ ‬والتجريبي،‭ ‬لا‭ ‬يخلو‭ ‬الكتاب‭ ‬من‭ ‬ملاحظات‭ ‬نقدية‭. ‬فمن‭ ‬أبرزها‭ ‬ميله‭ ‬إلى‭ ‬ربط‭ ‬الشركات‭ ‬متعددة‭ ‬الجنسيات‭ ‬بدولها‭ ‬الأصلية،‭ ‬مثل‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬‮«‬رأس‭ ‬مال‭ ‬أمريكي‮»‬‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬‮«‬سلاسل‭ ‬قيمة‭ ‬صينية‮»‬‭. ‬ويرى‭ ‬بعض‭ ‬النقاد‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الطرح‭ ‬قد‭ ‬يُبسط‭ ‬طبيعة‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬المعولم،‭ ‬الذي‭ ‬أصبح‭ ‬أكثر‭ ‬تشابكاً‭ ‬وتعقيداً‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يُختزل‭ ‬في‭ ‬انتماء‭ ‬وطني‭ ‬مباشر‭.‬
كما‭ ‬يُؤخذ‭ ‬على‭ ‬الكتاب‭ ‬عدم‭ ‬منحه‭ ‬الأزمات‭ ‬الدورية‭ ‬في‭ ‬الرأسمالية‭ ‬المساحة‭ ‬الكافية،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الأزمات‭ ‬تشكل‭ ‬عنصراً‭ ‬محورياً‭ ‬في‭ ‬فهم‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬فائض‭ ‬التراكم‭ ‬وصعوبة‭ ‬إيجاد‭ ‬فرص‭ ‬استثمار‭ ‬مربحة‭.‬

الرأسمالية‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬التوترات

تتجلى‭ ‬هذه‭ ‬التناقضات‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬تصاعد‭ ‬الحروب‭ ‬التجارية،‭ ‬والاضطرابات‭ ‬الجيوسياسية،‭ ‬والصراع‭ ‬على‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬والتكنولوجيا‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يتزايد‭ ‬دور‭ ‬الدولة،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬لحماية‭ ‬مصالح‭ ‬شركاتها،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬لجذب‭ ‬الاستثمارات‭ ‬وإعادة‭ ‬تموضعها‭ ‬داخل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭.‬
كما‭ ‬يبرز‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المشهد‭ ‬الصعود‭ ‬الصيني‭ ‬بوصفه‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬التحولات،‭ ‬مع‭ ‬انتقال‭ ‬الصين‭ ‬من‭ ‬‮«‬مصنع‭ ‬العالم‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬لاعب‭ ‬متقدم‭ ‬في‭ ‬التكنولوجيا‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬لا‭ ‬يلغي‭ ‬استمرار‭ ‬الهيمنة‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬قطاعات‭ ‬استراتيجية،‭ ‬مثل‭ ‬أشباه‭ ‬الموصلات،‭ ‬ولا‭ ‬يخفي‭ ‬التحديات‭ ‬البنيوية‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الصيني‭ ‬نفسه،‭ ‬من‭ ‬تباطؤ‭ ‬النمو‭ ‬إلى‭ ‬ارتفاع‭ ‬المديونية‭.‬

سؤال‭ ‬مفتوح

في‭ ‬المحصلة،‭ ‬يقدّم‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬سلاسل‭ ‬القيمة‭ ‬الرأسمالية‮»‬‭ ‬مساهمة‭ ‬فكرية‭ ‬مهمة‭ ‬في‭ ‬فهم‭ ‬التحولات‭ ‬العميقة‭ ‬التي‭ ‬يشهدها‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭. ‬فهو‭ ‬لا‭ ‬يكتفي‭ ‬بوصف‭ ‬آليات‭ ‬الإنتاج‭ ‬والتبادل،‭ ‬بل‭ ‬يكشف‭ ‬ما‭ ‬تختزنه‭ ‬من‭ ‬علاقات‭ ‬قوة‭ ‬واستغلال‭ ‬وتدمير‭ ‬بيئي‭.‬
وفي‭ ‬عالم‭ ‬تتزايد‭ ‬فيه‭ ‬التحديات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والمناخية،‭ ‬يطرح‭ ‬الكتاب‭ ‬سؤالًا‭ ‬يتجاوز‭ ‬الاقتصاد‭ ‬إلى‭ ‬السياسة‭ ‬والأخلاق‭:‬
هل‭ ‬يمكن‭ ‬إصلاح‭ ‬النظام‭ ‬الرأسمالي‭ ‬من‭ ‬الداخل،‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬بدائل‭ ‬أكثر‭ ‬عدالة‭ ‬واستدامة‭ ‬بات‭ ‬ضرورة‭ ‬لا‭ ‬خياراً؟

رجوع لأعلى