تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرقائق‭ ‬الإلكترونية‭ ‬النفط‭ ‬الثمين‭ ‬الجديد

DD1 1

‭- ‬التنافس‭ ‬يحتدم‭ ‬بين‭ ‬أميركا‭ ‬والصين‭ ‬على‭ ‬الرقائق‭ ‬الإلكترونية
‭- ‬إيرادات‭ ‬القطاع‭ ‬تجاوزت‭ ‬655‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬بنهاية‭ ‬2024

الرقائق‭ ‬هي‭ ‬النفط‭ ‬الثمين‭ ‬الجديد‭ ‬والمصدر‭ ‬النادر‭ ‬الأكثر‭ ‬حيوية‭ ‬الذي‭ ‬يعتمد‭ ‬عليه‭ ‬العالم‭ ‬الحديث،‭ ‬والمعركة‭ ‬من‭ ‬أجله‭ ‬بدأت‭ ‬منذ‭ ‬عقد‭ ‬من‭ ‬الزمان،‭ ‬لكن‭ ‬الصراع‭ ‬فيها‭ ‬يحتدم‭ ‬حاليا‭ ‬بين‭ ‬طرفين‭ ‬لا‭ ‬ثالث‭ ‬لهما،‭ ‬هما‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬والصين،‭ ‬وتلعب‭ ‬تايوان‭ ‬دورا‭ ‬محوريا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الصراع،‭ ‬بل‭ ‬تكاد‭ ‬تكون‭ ‬هي‭ ‬أساسه‭.‬
تبدو‭ ‬الرقائق‭ ‬اليوم‭ ‬أكثر‭ ‬أولوية‭ ‬مع‭ ‬تحول‭ ‬صناعة‭ ‬أشباه‭ ‬الموصلات‭ ‬إلى‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أكبر‭ ‬الصناعات‭ ‬العالمية‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬القيمة‭ ‬والأثر‭.‬
فبحسب‭ ‬بيانات‭ ‬مؤسسة‭ ‬غارتنر،‭ ‬بلغت‭ ‬إيرادات‭ ‬القطاع‭ ‬نحو‭ ‬655‭.‬9‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬أمريكي‭ ‬خلال‭ ‬عام‭ ‬2024،‭ ‬وهو‭ ‬رقم‭ ‬يعكس‭ ‬تسارعًا‭ ‬واضحًا‭ ‬في‭ ‬الطلب‭ ‬العالمي‭ ‬على‭ ‬الشرائح‭ ‬المستخدمة‭ ‬في‭ ‬قطاعات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬والحوسبة،‭ ‬والاتصالات،‭ ‬والصناعات‭ ‬المتقدمة‭.‬
هذا‭ ‬الحجم‭ ‬الاقتصادي‭ ‬يضع‭ ‬القطاع‭ ‬ضمن‭ ‬أكبر‭ ‬سلاسل‭ ‬القيمة‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬ويجعل‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬قدرته‭ ‬الإنتاجية‭ ‬هدفًا‭ ‬استراتيجيًّا‭ ‬للدول‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬اقتصاداتها‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬مباشر‭ ‬على‭ ‬استقرار‭ ‬تدفق‭ ‬هذه‭ ‬المكوّنات‭ ‬الحيوية‭.‬
ويشير‭ ‬تقرير‭ ‬متخصص‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬القدرة‭ ‬الإنتاجية‭ ‬العالمية،‭ ‬المقاسة‭ ‬بعدد‭ ‬الألواح‭ ‬الدائرية‭ ‬الرقيقة‭ ‬من‭ ‬السليكون‭ (‬الويفر‭) ‬وتصنع‭ ‬منها‭ ‬آلاف‭ ‬الرقائق‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬واحد،‭ ‬من‭ ‬المتوقع‭ ‬أن‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬33‭.‬7‭ ‬مليون‭ ‬ويفر‭ ‬شهريًا‭ ‬بحلول‭ ‬2025،‭ ‬بزيادة‭ ‬تتراوح‭ ‬بين‭ ‬6‭ ‬و7‭ %.‬
وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التوسع‭ ‬يبدو‭ ‬كبيراً،‭ ‬فإن‭ ‬توزيع‭ ‬هذه‭ ‬القدرة‭ ‬يظل‭ ‬مختلاً‭ ‬بشدة؛‭ ‬إذ‭ ‬تتركز‭ ‬معظم‭ ‬قدرات‭ ‬التصنيع‭ ‬المتقدمة‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬محددة،‭ ‬أبرزها‭ ‬تايوان‭ ‬وكوريا‭ ‬الجنوبية‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬بينما‭ ‬تحتفظ‭ ‬الصين‭ ‬بحصة‭ ‬ضخمة‭ ‬من‭ ‬طاقة‭ ‬التصنيع‭ ‬التقليدية‭.‬
ومعظم‭ ‬هذه‭ ‬القدرة‭ ‬موجودة‭ ‬في‭ ‬الصين‭ ‬وتايوان‭ ‬وكوريا‭ ‬الجنوبية،‭ ‬ووفقًا‭ ‬لبيانات‭ ‬حديثة‭ ‬تهيمن‭ ‬آسيا‭ ‬وحدها‭ ‬على‭ ‬حوالي‭ ‬75‭ % ‬من‭ ‬طاقة‭ ‬التصنيع‭ ‬العالمية،‭ ‬ما‭ ‬يجعلها‭ ‬محوراً‭ ‬رئيسياً‭ ‬لسلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬لهذه‭ ‬السلعة‭ ‬المهمة‭.‬
هذا‭ ‬التركّز‭ ‬يظهر‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬دور‭ ‬تايوان‭ ‬التي‭ ‬تُعد‭ ‬اللاعب‭ ‬الأكبر؛‭ ‬إذ‭ ‬تشير‭ ‬البيانات‭ ‬الرسمية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬قيمة‭ ‬إنتاج‭ ‬أشباه‭ ‬الموصلات‭ ‬لديها‭ ‬خلال‭ ‬عام‭ ‬2024‭ ‬تجاوزت‭ ‬152‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬أمريكي،‭ ‬مع‭ ‬سيطرة‭ ‬شركة‭ ‬تي‭ ‬إس‭ ‬إم‭ ‬سي‭ ‬على‭ ‬التقنيات‭ ‬الأكثر‭ ‬تقدمًا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬القطاع‭.‬
هذا‭ ‬التركيز‭ ‬يجعل‭ ‬الصناعة‭ ‬عرضة‭ ‬لمخاطر‭ ‬سياسية‭ ‬واستراتيجية‭ ‬قد‭ ‬تهدد‭ ‬سلسلة‭ ‬التوريد‭ ‬العالمية‭ ‬بأكملها‭ ‬إذا‭ ‬تعرّضت‭ ‬أي‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المناطق‭ ‬لاضطراب‭ ‬سياسي‭ ‬أو‭ ‬عسكري‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬كارثة‭ ‬طبيعية‭.‬
هذا‭ ‬الوضع‭ ‬المعقد‭ ‬يمنح‭ ‬الرقائق‭ ‬مكانة‭ ‬تتجاوز‭ ‬مجرد‭ ‬سلعة‭ ‬صناعية‭ ‬مهمة،‭ ‬لتصبح‭ ‬عنصراً‭ ‬أساسيًا‭ ‬من‭ ‬عناصر‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬والاقتصادي‭ ‬للدول‭.‬
فكل‭ ‬القطاعات‭ ‬التي‭ ‬تحرك‭ ‬اقتصاد‭ ‬اليوم‭ ‬من‭ ‬السيارات‭ ‬الكهربائية‭ ‬إلى‭ ‬الهواتف،‭ ‬ومن‭ ‬الحوسبة‭ ‬السحابية‭ ‬إلى‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬للطاقة،‭ ‬ومن‭ ‬الروبوتات‭ ‬إلى‭ ‬المعدات‭ ‬الصناعية‭ ‬والزراعية‭ ‬تعتمد‭ ‬بشكل‭ ‬كلي‭ ‬على‭ ‬الشرائح‭ ‬الإلكترونية‭.‬
وفرضت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬قيودًا‭ ‬صارمة‭ ‬على‭ ‬وصول‭ ‬الصين‭ ‬للتقنيات‭ ‬المتقدمة،‭ ‬خاصة‭ ‬الشرائح‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬10‭ ‬نانومترات،‭ ‬وشملت‭ ‬هذه‭ ‬القيود‭ ‬منع‭ ‬الشركات‭ ‬الأميركية‭ ‬من‭ ‬تصدير‭ ‬المعدات‭ ‬والبرمجيات‭ ‬للصين‭.‬
كما‭ ‬تضمنت‭ ‬أيضاً،‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬هولندا‭ ‬واليابان‭ ‬لتقييد‭ ‬وصول‭ ‬شركتي‭ ‬آي‭ ‬إس‭ ‬إم‭ ‬إل‭ ‬ونيكون‭ -‬هما‭ ‬مزودان‭ ‬أساسيان‭ ‬للمعدات‭ ‬التي‭ ‬تحتاج‭ ‬إليها‭ ‬مصانع‭ ‬الرقائق‭- ‬إلى‭ ‬السوق‭ ‬الصينية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬اعتبرته‭ ‬بكين‭ ‬محاولة‭ ‬لعرقلة‭ ‬صعودها‭ ‬الصناعي‭ ‬وكذلك‭ ‬العسكري‭.‬
هذا‭ ‬الصراع‭ ‬جعل‭ ‬الرقائق‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬استراتيجية‭ ‬ردع‭ ‬جيوسياسي،‭ ‬وليس‭ ‬مجرد‭ ‬صناعة‭ ‬تجارية‭.‬

رجوع لأعلى