السوق السعودية تتماسك رغم الضغوط
أنهى مؤشر سوق الأسهم السعودية الرئيسية (تاسي) تعاملات جلسة الاثنين على انخفاض طفيف بلغت نسبته 0.08 %، ليفقد 9.34 نقطة ويغلق عند مستوى 11,262.62 نقطة، في جلسة اتسمت بالحذر والترقب، وسط ضغوط قطاعية على الأسهم القيادية، قابلها نشاط ملحوظ في بعض الأسهم الفردية وتحركات انتقائية دعمت تماسك السوق قرب مستوياته الحالية.
وجاء الأداء العام للسوق متوازناً نسبياً رغم الإغلاق في المنطقة الحمراء، حيث افتتح المؤشر تداولاته عند 11,273.53 نقطة، قبل أن يلامس أعلى مستوى له خلال الجلسة عند 11,294.5 نقطة، فيما سجل أدنى مستوى عند 11,241.05 نقطة، ما يعكس استمرار التذبذب المحدود داخل نطاق ضيق نسبيًا.
سيولة نشطة
وعلى مستوى التداولات، بلغت السيولة الإجمالية في السوق نحو 4.47 مليارات ريال، توزعت على 253.84 مليون سهم، في مؤشر على استمرار النشاط التداولي عند مستويات جيدة، رغم غياب الزخم الصاعد الواضح على المؤشر العام.
كما أظهرت حركة الأسهم تباينًا واضحًا، إذ تراجعت أسهم 156 شركة، مقابل ارتفاع أسهم 100 شركة، فيما استقرت 13 شركة دون تغيير، وهو ما يعكس غلبة الضغوط البيعية على المسار العام للسوق خلال الجلسة، وإن لم تكن هذه الضغوط حادة بما يكفي لدفع المؤشر إلى خسائر أوسع.
ويشير هذا التوزيع إلى أن السوق لا تزال تتحرك في إطار إعادة تموضع للسيولة بين القطاعات والأسهم، أكثر من كونها في موجة هبوط واسعة النطاق، خاصة مع استمرار النشاط الملحوظ في بعض الأسهم القيادية والمتوسطة.
ضغوط قطاعية
وجاء تراجع مؤشر «تاسي» متأثراً بهبوط 16 قطاعاً من أصل القطاعات المدرجة، في حين اقتصر اللون الأخضر على 5 قطاعات فقط، ما يؤكد أن الجلسة اتسمت بطابع دفاعي وحذر استثماري واضح.
وتصدّر قطاع الاتصالات قائمة القطاعات المتراجعة بعد هبوطه بنسبة 0.59 %، تلاه قطاع الطاقة الذي تراجع بنسبة 0.13 %، فيما انخفض قطاع البنوك بنسبة 0.09 %، وهي ثلاثة قطاعات رئيسية ذات وزن مؤثر على المؤشر العام، ما يفسر إلى حد كبير سبب الإغلاق السلبي للمؤشر رغم محدودية التراجع.
في المقابل، سجلت بعض القطاعات أداءً إيجابياً، تصدرها قطاع المواد الأساسية بارتفاع نسبته 0.95 %، تلاه قطاع التطبيقات وخدمات التقنية الذي صعد بنسبة 0.87 %، ما يعكس استمرار وجود فرص انتقائية داخل السوق، خصوصاً في القطاعات المرتبطة بالنمو الصناعي والتقني.
سيطرة قيادية
ومن حيث قيمة التداولات، تصدر سهم أرامكو السعودية النشاط بسيولة بلغت 313.28 مليون ريال، رغم تراجعه بنسبة 0.15 %، ما يؤكد استمرار تركّز جزء مهم من السيولة في الأسهم القيادية الكبرى.
وجاء سهم الراجحي في المرتبة الثانية من حيث السيولة، بقيمة تداول بلغت 273.02 مليون ريال، مع ارتفاع طفيف في السهم بنسبة 0.09 %، فيما حل سهم سابك للمغذيات الزراعية ثالثاً بسيولة بلغت 149.67 مليون ريال، بعد أن أنهى الجلسة مرتفعًا بنسبة 0.60 %.
أما من حيث أحجام التداول، فقد تصدر سهم أمريكانا القائمة بتداول 59.38 مليون سهم مع استقرار سعره عند 1.86 ريال، تلاه سهم باتك بتداولات بلغت 25.59 مليون سهم، ما يعكس استمرار الزخم المضاربي على بعض الأسهم ذات التداولات النشطة.
وسجلت بعض الأسهم مستويات سعرية لافتة، حيث بلغ سهم سابك للمغذيات الزراعية أعلى مستوى له خلال 52 أسبوعاً عند 150.8 ريالاً، كما سجل سهم الناقول مستوى 55 ريالاً، بينما شهدت السوق أيضًا تسجيل بعض القيعان التاريخية الجديدة لعدد من الأسهم، من بينها سهم ذيب عند 28.76 ريالاً.
«نمو» الإيجابي
وفي السوق الموازية، خالف مؤشر «نمو حد أعلى» الاتجاه العام للسوق الرئيسية، ليغلق على ارتفاع نسبته 0.07 %، مضيفاً 14.71 نقطة إلى رصيده، ليصل إلى مستوى 22,538.79 نقطة.
ويعكس هذا الأداء استمرار المرونة النسبية في السوق الموازية، التي غالباً ما تستقطب سيولة ذات طابع مختلف وأكثر انتقائية، خصوصاً مع بقاء شهية المستثمرين قائمة تجاه بعض الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تتمتع بإمكانات نمو مستقبلية.
ويشير تماسك «نمو» إلى أن الضغوط التي شهدتها السوق الرئيسية لم تكن كافية لتعميم المسار السلبي على كامل السوق المالية السعودية، وهو ما يدعم فرضية استمرار التدوير القطاعي والانتقائية بدلاً من وجود اتجاه بيعي شامل.
اندفاعة أجنبية
وعلى مستوى التدفقات الاستثمارية، أظهرت البيانات أن المستثمرين الأجانب ضخّوا سيولة قوية في سوق الأسهم السعودية خلال الربع الأول من عام 2026، مدفوعين بقرار هيئة السوق المالية فتح السوق أمام جميع فئات المستثمرين الأجانب وتمكينهم من الاستثمار المباشر في السوق الرئيسية، اعتباراً من 1 فبراير 2026.
وبحسب الإحصائية المجمعة، ارتفع صافي مشتريات المستثمرين الأجانب في السوق الرئيسية بنسبة 240.55 % على أساس سنوي خلال الربع الأول، بزيادة تقدر بنحو 5.77 مليارات ريال مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
وبلغ صافي مشتريات الأجانب في السوق السعودي خلال الربع الأول من العام الجاري نحو 8.17 مليارات ريال (ما يعادل 2.18 مليار دولار)، مقابل 2.4 مليار ريال في الربع ذاته من عام 2025، في تطور يعكس تغيراً هيكلياً مهماً في جاذبية السوق السعودية أمام المستثمر الدولي.
وعلى المستوى الشهري، سجل المستثمرون الأجانب صافي شراء خلال شهر يناير بقيمة 4.96 مليارات ريال، بزيادة سنوية بلغت 90.3 %، كما واصلوا الشراء في فبراير بصافي بلغ 3.74 مليارات ريال، قافزًا بنسبة 183.3 % على أساس سنوي.
ورغم تسجيل صافي بيع في شهر مارس بقيمة 527.94 مليون ريال، فإن هذا التراجع جاء أقل بكثير من مستواه في الفترة المقابلة من العام الماضي، حيث انخفضت قيمة صافي البيع بنسبة 65.4 % على أساس سنوي، ما يؤكد أن الزخم الأجنبي لا يزال حاضراً رغم بعض التقلبات الشهرية.
تحول تنظيمي
ويُنظر إلى قرار فتح السوق المالية السعودية لجميع فئات المستثمرين الأجانب بوصفه أحد أبرز التحولات التنظيمية في السوق خلال السنوات الأخيرة، نظراً لما يحمله من أثر مباشر على اتساع قاعدة المستثمرين ورفع كفاءة السوق وتعزيز مستويات السيولة والعمق الاستثماري.
وشملت التعديلات التنظيمية إلغاء مفهوم المستثمر الأجنبي المؤهل في السوق الرئيسية، بما يتيح لمختلف فئات المستثمرين الأجانب الدخول إلى السوق دون الحاجة إلى استيفاء متطلبات التأهيل السابقة، كما تم إلغاء الإطار التنظيمي لاتفاقيات المبادلة التي كانت تُستخدم سابقاً كوسيلة تمنح المستثمرين غير المقيمين منافع اقتصادية فقط دون ملكية مباشرة للأسهم المدرجة.
ومن شأن هذه الخطوة أن تعزز من تنافسية السوق السعودية إقليمياً ودوليًا، وتزيد من قدرتها على استقطاب رؤوس الأموال طويلة الأجل، خصوصًا في ظل توسع السوق وعمقها القطاعي وارتباطها المتزايد بالمؤشرات العالمية.
مشتريات وملكية
وفي السياق ذاته، ارتفع إجمالي مشتريات المستثمرين الأجانب في السوق السعودي خلال الربع الأول من عام 2026 بنسبة 15.47 % على أساس سنوي، ليصل إلى 128.16 مليار ريال (ما يعادل 34.18 مليار دولار)، مقارنة بنحو 110.99 مليارات ريال في الفترة نفسها من عام 2025.
كما ارتفعت إجمالي مبيعات الأجانب خلال الفترة ذاتها بنسبة 10.5 % لتبلغ 119.99 مليار ريال (نحو 31.99 مليار دولار)، مقارنة مع 108.59 مليارات ريال في الربع الأول من العام الماضي، وهو ما يعكس زيادة واضحة في حجم النشاط الأجنبي الكلي داخل السوق السعودية، سواء على جانب الشراء أو البيع.
أما على صعيد الملكية الأجنبية، فقد ارتفعت قيمة ملكية المستثمرين الأجانب في السوق الرئيسية بنهاية شهر مارس 2026 بنسبة 7.2 % على أساس سنوي، وبزيادة بلغت 31.21 مليار ريال مقارنة بالشهر ذاته من العام الماضي، لتصل إلى 462.13 مليار ريال (نحو 123.23 مليار دولار)، مقابل 430.92 مليار ريال في مارس 2025.
كما زادت ملكية الأجانب خلال الأشهر الثلاثة الأولى من 2026 بنحو 45.8 مليار ريال، بعد ارتفاعها بنسبة 11 % مقارنة بمستواها المسجل في نهاية ديسمبر 2025، والبالغ 416.33 مليار ريال، في إشارة واضحة إلى أن السوق السعودية دخلت مرحلة جديدة من الانفتاح الرأسمالي والتدفقات الدولية.
سوق تتحرك في مسار توازن
تعكس جلسة الاثنين صورة سوق تتحرك في مسار توازن دقيق بين ضغوط قطاعية قصيرة الأجل وتحولات هيكلية طويلة الأجل تصب في صالح تعميق السوق وزيادة جاذبيتها الاستثمارية. فبينما أغلق «تاسي» على تراجع محدود، فإن الصورة الأكبر تبدو أكثر إيجابية، مدفوعة بتوسع قاعدة المستثمرين الأجانب، وارتفاع ملكيتهم، وتزايد التدفقات إلى السوق السعودية بعد التعديلات التنظيمية الأخيرة.
وبالتالي، فإن السوق السعودية تبدو اليوم أمام مرحلة جديدة من إعادة التموضع، لا تُقاس فقط بحركة جلسة واحدة، بل بما تعكسه الأرقام من تغيرات أعمق في بنية المستثمرين واتجاهات السيولة والملكية.