تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشال: حتمية‭ ‬عودة‭ ‬الثقل‭ ‬الاقتصادي‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭ ‬إلى‭ ‬الشرق

الشال: حتمية‭ ‬عودة‭ ‬الثقل‭ ‬الاقتصادي‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭ ‬إلى‭ ‬الشرق

منذ‭ ‬استلام‭ ‬الرئيس‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬مسؤولياته‭ ‬في‭ ‬العشرين‭ ‬من‭ ‬يناير‭ ‬2025،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬العالم‭ ‬كما‭ ‬عهدناه‭ ‬سابقاً،‭ ‬ولن‭ ‬يكون‭ ‬كذلك‭ ‬لعدة‭ ‬سنوات‭ ‬قادمة‭ ‬على‭ ‬أقل‭ ‬تقدير‭. ‬ويحظى‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬بسلطة‭ ‬شبه‭ ‬كاملة‭ ‬بعد‭ ‬فوز‭ ‬حزبه‭ ‬بأغلبية‭ ‬مطلقة‭ ‬في‭ ‬جناحَي‭ ‬السلطة‭ ‬التشريعية،‭ ‬وغلبة‭ ‬محافظة‭ ‬في‭ ‬المحكمة‭ ‬العليا،‭ ‬وربما‭ ‬غلبة‭ ‬لاحقة‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬إدارة‭ ‬بنك‭ ‬الاحتياط‭ ‬الفيدرالي‭. ‬ومنذ‭ ‬أبريل‭ ‬2025،‭ ‬بدأت‭ ‬حرب‭ ‬رسومٍ‭ ‬جمركية‭ ‬غير‭ ‬تقليدية،‭ ‬لم‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬أعداء‭ ‬الأمس،‭ ‬وإنما‭ ‬شملت‭ ‬كل‭ ‬الحلفاء‭ ‬ولم‭ ‬تستثنِ‭ ‬الجيران،‭ ‬دون‭ ‬حرمة‭ ‬للحدود‭ ‬السيادية‭ ‬للدول‭. ‬ولأن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تُعد‭ ‬عاصمة‭ ‬العالم‭ ‬السياسية‭ ‬أو‭ ‬مقر‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬وعاصمة‭ ‬العالم‭ ‬الاقتصادية‭ ‬بما‭ ‬تمثله‭ ‬من‭ ‬نحو‭ ‬27‭% ‬من‭ ‬حجم‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي،‭ ‬وعاصمة‭ ‬العالم‭ ‬المالية‭ ‬لكونها‭ ‬أكبر‭ ‬سوق‭ ‬مالي‭ ‬ومقر‭ ‬البنك‭ ‬الدولي‭ ‬وصندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي،‭ ‬والأهم‭ ‬توافُق‭ ‬‮«‬بريتون‭ ‬وودز‮»‬‭ ‬على‭ ‬الدولار‭ ‬الأمريكي‭ ‬لاعتمادها‭ ‬عملتها‭ ‬عملة‭ ‬الاحتياط‭ ‬العالمي‭ ‬منذ‭ ‬نحو‭ ‬80‭ ‬عاماً،‭ ‬فإن‭ ‬أدوات‭ ‬البحث‭ ‬والتحليل‭ ‬التقليدية‭ ‬المعتادة‭ ‬لن‭ ‬تكون‭ ‬صالحة‭ ‬لمعرفة‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬المستقبل،‭ ‬إذ‭ ‬تحول‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬ملجأ‭ ‬ودواء‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬سابقة‭ ‬إلى‭ ‬مكمنٍ‭ ‬لداء‭ ‬محتمل‭.‬

الغرب‭ ‬والشرق‭:‬

في‭ ‬أواخر‭ ‬القرن‭ ‬الثامن‭ ‬عشر‭ ‬وبداية‭ ‬التاسع‭ ‬عشر،‭ ‬كان‭ ‬45‭ % ‬من‭ ‬حجم‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬للصين‭ ‬والهند،‭ ‬وفي‭ ‬نهاية‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬وبداية‭ ‬القرن‭ ‬الحالي،‭ ‬كان‭ ‬51‭ % ‬من‭ ‬حجم‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬والاتحاد‭ ‬الأوروبي‭. ‬وفي‭ ‬توقعات‭ ‬عام‭ ‬2025،‭ ‬أصبح‭ ‬45‭ % ‬من‭ ‬حجم‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الامريكية‭ ‬والاتحاد‭ ‬الأوروبي،‭ ‬و26‭ % ‬لأكبر‭ ‬ثلاثة‭ ‬اقتصادات‭ ‬في‭ ‬الشرق،‭ ‬وهي‭ ‬الصين‭ ‬واليابان‭ ‬والهند،‭ ‬وفي‭ ‬آسيا‭ ‬60‭ %‬‭ ‬من‭ ‬سكان‭ ‬العالم‭. ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬عالمنا،‭ ‬هو‭ ‬الجزم‭ ‬بحتمية‭ ‬عودة‭ ‬الثقل‭ ‬الاقتصادي‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭ ‬إلى‭ ‬الشرق،‭ ‬ويكفي‭ ‬القيام‭ ‬بعمل‭ ‬إسقاط‭ ‬رياضي‭ ‬على‭ ‬فروقات‭ ‬معدلات‭ ‬النمو،‭ ‬فالصين‭ ‬حققت‭ ‬معدلات‭ ‬بحدود‭ ‬5.4‭ % ‬للسنوات‭ ‬2021‭ ‬–‭ ‬2025،‭ ‬والهند‭ ‬7‭.‬9‭ % ‬لنفس‭ ‬الفترة،‭ ‬بينما‭ ‬حققت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬3‭.‬3‭ % ‬والاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬2‭.‬7‭ % ‬لمعدلي‭ ‬نموهما‭ ‬لنفس‭ ‬الفترة‭. ‬وفي‭ ‬المستقبل،‭ ‬من‭ ‬المتوقع‭ ‬أن‭ ‬يتخطى‭ ‬حجم‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الصيني‭ ‬حجم‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأمريكي‭ ‬بحلول‭ ‬عام‭ ‬2035،‭ ‬ومع‭ ‬إجراءات‭ ‬الإدارة‭ ‬الأمريكية‭ ‬الجديدة،‭ ‬قد‭ ‬تتسارع‭ ‬وتيرة‭ ‬الانتقال‭ ‬إلى‭ ‬الشرق‭. ‬وأكبر‭ ‬مخاطر‭ ‬التسارع‭ ‬هو‭ ‬التهديد‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬يختصر‭ ‬زمن‭ ‬تحقق‭ ‬الضرر‭ ‬على‭ ‬الدولار‭ ‬كعملة‭ ‬احتياط‭ ‬عالمي،‭ ‬أو‭ ‬يفضي‭ ‬إلى‭ ‬قفز‭ ‬مبكر‭ ‬نحو‭ ‬عالم‭ ‬جديد،‭ ‬بنظام‭ ‬مالي‭ ‬جديد‭ ‬وبديل‭ ‬لـ‭ ‬‮«‬بريتون‭ ‬وودز‮»‬‭.‬

العالم‭ ‬والإقليم‭:‬

تكمن‭ ‬أهمية‭ ‬الإقليم‭ ‬بالنسبة‭ ‬للعالم‭ ‬في‭ ‬عاملين‭ ‬أساسييين‭: ‬أولهما‭ ‬هو‭ ‬مخزون‭ ‬الطاقة،‭ ‬وثانيهما‭ ‬موقعه‭ ‬الجغرافي‭ ‬وتوسطه‭ ‬لمسار‭ ‬التغيير‭ ‬إلى‭ ‬الشرق‭ ‬الذي‭ ‬بدأ،‭ ‬والاثنان‭ ‬عنصرا‭ ‬قوة‭ ‬إن‭ ‬تم‭ ‬التعامل‭ ‬معهما‭ ‬بوعي،‭ ‬وعامل‭ ‬الوقت‭ ‬في‭ ‬ولوج‭ ‬حصافة‭ ‬التعامل‭ ‬معهما‭ ‬في‭ ‬غاية‭ ‬الأهمية‭. ‬والوقود‭ ‬الأحفوري،‭ ‬أو‭ ‬النفط‭ ‬والغاز،‭ ‬يتعرض‭ ‬لضغوط‭ ‬لخفض‭ ‬مستويات‭ ‬استهلاكهما‭ ‬وخفض‭ ‬أسعارهما،‭ ‬للتطور‭ ‬التقني‭ ‬دور‭ ‬في‭ ‬الضغط،‭ ‬ولمبرر‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬البيئة‭ ‬دور،‭ ‬وللسياسة‭ ‬دور،‭ ‬ولكنهما‭ ‬سوف‭ ‬يظلان‭ ‬معنا‭ ‬لعقود‭ ‬قادمة‭ ‬وإن‭ ‬مع‭ ‬انخفاض‭ ‬متصل‭ ‬في‭ ‬مستوى‭ ‬مساهمتهما‭ ‬النسبية‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬الطاقة‭. ‬وتبني‭ ‬سياسات‭ ‬عامة‭ ‬للإفادة‭ ‬القصوى‭ ‬منهما‭ ‬مع‭ ‬امتصاص‭ ‬الأثر‭ ‬السلبي‭ ‬لانخفاض‭ ‬مساهمة‭ ‬إيراداتهما‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬خياراً،‭ ‬ويبدو‭ ‬أن‭ ‬معظم‭ ‬دول‭ ‬الإقليم‭ ‬باتت‭ ‬تعي‭ ‬وتتعامل‭ ‬مع‭ ‬تلك‭ ‬الحقيقة‭. ‬والتعامل‭ ‬مع‭ ‬الموقع‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬مع‭ ‬وفرة‭ ‬المال‭ ‬واكتمال‭ ‬البنى‭ ‬التحتية‭ ‬عنصر‭ ‬قوة‭ ‬آخر‭ ‬إن‭ ‬تم‭ ‬الاستثمار‭ ‬فيه‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬الإقليم‭ ‬وسيطاً‭ ‬تجارياً‭ ‬ووسيط‭ ‬نقل‭ ‬وسياحة،‭ ‬ويبدو‭ ‬أن‭ ‬ثلاث‭ ‬دول‭ ‬ضمن‭ ‬الإقليم‭ ‬باتت‭ ‬في‭ ‬مواقع‭ ‬تنافسية‭ ‬قوية‭ ‬للإفادة‭ ‬القصوى‭ ‬من‭ ‬التحول‭ ‬إلى‭ ‬الشرق‭.‬
أردنا‭ ‬مما‭ ‬تقدم‭ ‬التنبيه‭ ‬بأننا‭ ‬نعيش‭ ‬في‭ ‬حقبة‭ ‬فيها‭ ‬تحول‭ ‬جوهري‭ ‬لعالمنا،‭ ‬حدث‭ ‬مثله‭ ‬قبل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬قرنين‭ ‬عندما‭ ‬خسر‭ ‬الشرق‭ ‬ثقله‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والسياسي‭ ‬الذي‭ ‬نقل‭ ‬إلى‭ ‬الغرب،‭ ‬وحدث‭ ‬قبل‭ ‬نحو‭ ‬قرن‭ ‬من‭ ‬الزمن‭ ‬عندما‭ ‬انتقل‭ ‬الثقل‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والسياسي‭ ‬من‭ ‬الغرب‭ ‬إلى‭ ‬الغرب‭ ‬الأقصى،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬أوروبا‭ ‬إلى‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭. ‬ومع‭ ‬كل‭ ‬تغيير‭ ‬جوهري‭ ‬في‭ ‬عالمنا،‭ ‬يكسب‭ ‬من‭ ‬يبدأ‭ ‬مبكراً‭ ‬في‭ ‬تبني‭ ‬أدوات‭ ‬تحليل‭ ‬وقناعات‭ ‬واستراتيجيات‭ ‬تتماشى‭ ‬مسبقاً‭ ‬ومتطلبات‭ ‬العالم‭ ‬الجديد‭. ‬وبدأت‭ ‬دول‭ ‬عديدة‭ ‬في‭ ‬صياغة‭ ‬وتنفيذ‭ ‬استراتيجيات‭ ‬تعظم‭ ‬الإفادة‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬التحولات‭ ‬الجارية‭ ‬وتقلل‭ ‬تكلفتها‭ ‬إلى‭ ‬حدودها‭ ‬الدنيا،‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬الكويت،‭ ‬فأولوياتها‭ ‬لا‭ ‬توحي‭ ‬أنها‭ ‬تعي‭ ‬حقائق‭ ‬تحولات‭ ‬عالمنا‭ ‬الجوهرية،‭ ‬فأولوياتها‭ ‬لازالت‭ ‬تعمق‭ ‬الضرر‭ ‬وتقلل‭ ‬النفع‭.‬

رجوع لأعلى