الشركات خفيفة الأصول تعيد تعريف القوة الاقتصادية
لفترة طويلة، ارتبطت قوة الشركات بحجم ما تمتلكه من أصول مادية، مثل المصانع والعقارات وأساطيل النقل. وعلى هذا الأساس بنت شركات كبرى مثل جنرال موتورز وإكسون موبيل وجنرال إلكتريك نفوذها خلال القرن العشرين، حين كانت الأصول الملموسة تمثل المعيار الأساسي للقدرة الاقتصادية.
لكن هذا المنطق تغيّر بصورة جوهرية في القرن الحادي والعشرين. فاليوم، باتت بعض أكثر الشركات قيمة في العالم تمتلك أصولاً مادية محدودة نسبياً مقارنة بالشركات التقليدية، ومع ذلك تدير نشاطاً اقتصادياً ضخماً عبر منصات رقمية وشبكات واسعة من المستخدمين والشركاء.
في هذا النموذج الجديد، لم تعد القيمة تُقاس فقط بما تملكه الشركة، بل بما تديره وتتحكم فيه. وهنا برز ما يُعرف بـالشركات خفيفة الأصول، وهي شركات تحقق قيمة سوقية هائلة رغم امتلاكها أصولاً مادية أقل من منافسيها التقليديين.
اقتصاد المنصات
أحد أبرز تجليات هذا التحول هو صعود شركات المنصات، التي تربط بين البائعين والمشترين أو مقدمي الخدمة والعملاء دون امتلاك الأصول المستخدمة في النشاط نفسه.
وتُعد إير بي إن بي مثالاً واضحاً على ذلك. فعلى عكس سلاسل الفنادق التقليدية التي تستثمر مليارات الدولارات في شراء الأراضي وبناء الفنادق، لا تمتلك الشركة غالبية العقارات المعروضة على منصتها، بل تعمل كوسيط رقمي يربط المسافرين بالمضيفين حول العالم. ورغم ذلك، تجاوزت قيمة الحجوزات عبر منصتها نحو 91 مليار دولار في 2025.
كما ينطبق النموذج ذاته على أوبر، التي أعادت تشكيل قطاع النقل الحضري دون امتلاك أساطيل سيارات بالمعنى التقليدي. وخلال الربع الرابع من عام 2025، نفذت الشركة نحو 3.8 مليار رحلة، أي أكثر من 40 مليون رحلة يوميًا، وحققت في الفترة نفسها إيرادات بلغت 14.4 مليار دولار.
هذه الأمثلة تعكس تحولاً مهماً في مفهوم القوة الاقتصادية: فبدل امتلاك الأصول، باتت الأفضلية لمن يملك البنية الرقمية التي تنظم استخدامها. وهذا يمنح الشركات قدرة أكبر على التوسع السريع، مع تقليل الحاجة إلى استثمارات رأسمالية ضخمة.
القيمة السوقية تتجاوز الأصول
تتجلى المفارقة بوضوح في شركة بوكينج هولدينجز، المالكة لمنصات سفر شهيرة مثل Booking.com وPriceline وOpenTable. فالشركة لا تمتلك الفنادق التي تُحجز عبر منصاتها، لكنها تدير واحدة من أكبر شبكات حجز السفر في العالم.
وتظهر الأرقام اتساع هذه الفجوة؛ إذ بلغ إجمالي أصول الشركة نحو 29 مليار دولار في 2025، بينما وصلت قيمتها السوقية إلى نحو 137 مليار دولار في 2026، أي ما يقارب خمسة أضعاف أصولها.
هذا الفارق يعكس حقيقة أساسية: القيمة الحقيقية للشركة لم تعد تكمن في المباني أو المعدات، بل في المنصة الرقمية، وقاعدة المستخدمين، والشبكة العالمية التي تديرها.
صعود الأصول غير الملموسة
وراء هذا التحول تقف أيضًا الأصول غير الملموسة، مثل البرمجيات، والخوارزميات، والبيانات، وحقوق الملكية الفكرية، والعلامات التجارية، والبنية التكنولوجية.
وتشير تقديرات إلى أن هذه الأصول تمثل اليوم نحو 90 % من القيمة الإجمالية لشركات مؤشر إس آند بي 500، مقارنة بنحو 17 % فقط في منتصف سبعينيات القرن الماضي.
وتبرز فيزا مثالاً مهماً في هذا السياق؛ فهي لا تعمل كبنك تقليدي يمنح القروض، بل كمشغل لشبكة مدفوعات عالمية تربط بين المستهلكين والتجار والمؤسسات المالية. وقد تجاوزت قيمة الشهرة والأصول غير الملموسة لديها 47.5 مليار دولار في 2025، ما يوضح مدى أهمية هذه العناصر في نموذج أعمالها.
كما ينطبق الأمر على شركات التكنولوجيا الكبرى مثل مايكروسوفت وألفابت وميتا، التي تعتمد أساسًا على البرمجيات، والبنية السحابية، والبيانات الضخمة، والذكاء الاصطناعي.
لماذا يفضلها المستثمرون؟
لا يقتصر صعود هذا النموذج على التكنولوجيا فقط، بل يرتبط أيضاً بجاذبيته المالية. فهذه الشركات تتميز بـقابلية توسع عالية، وكفاءة رأسمالية أفضل، ومرونة أكبر خلال فترات التباطؤ الاقتصادي، لأنها لا تتحمل أعباء تشغيل وصيانة أصول مادية ضخمة.
ومع ذلك، لا يخلو هذا النموذج من التحديات، إذ تعتمد شركات المنصات بدرجة كبيرة على شركاء خارجيين مثل السائقين والمضيفين والتجار، ما يجعلها أكثر عرضة للمخاطر التنظيمية والتنافسية.
ورغم ذلك، يبدو أن هذا النموذج مرشح لمزيد من التوسع مع تسارع تطور التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي. وفي عالم كهذا، لم تعد قوة الشركات تُقاس فقط بما تمتلكه من أصول، بل بقدرتها على تنظيم الأسواق، وإدارة الشبكات، والتحكم في تدفق القيمة داخل الاقتصاد الرقمي.