تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الصين‭ ‬تدفع‭ ‬الغرب‭ ‬إلى‭ ‬اقتصاد‭ ‬الدعم‭.. ‬ومخاوف‭ ‬من‭ ‬فاتورة‭ ‬طويلة‭ ‬الأجل

الصين‭ ‬تدفع‭ ‬الغرب‭ ‬إلى‭ ‬اقتصاد‭ ‬الدعم‭.. ‬ومخاوف‭ ‬من‭ ‬فاتورة‭ ‬طويلة‭ ‬الأجل

أعادت‭ ‬التحولات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬العالمية‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬إحياء‭ ‬نقاش‭ ‬قديم‭ ‬حول‭ ‬دور‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬من‭ ‬بوابة‭ ‬المنافسة‭ ‬مع‭ ‬الصين‭. ‬فبعد‭ ‬عقود‭ ‬طويلة‭ ‬من‭ ‬اعتماد‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الغربية‭ ‬على‭ ‬مبادئ‭ ‬السوق‭ ‬الحرة‭ ‬وتقليص‭ ‬التدخل‭ ‬الحكومي،‭ ‬وجدت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وأوروبا‭ ‬نفسيهما‭ ‬مضطرتين‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬المسلمات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬لمواجهة‭ ‬النموذج‭ ‬الصيني‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬دعم‭ ‬الدولة‭ ‬للصناعة‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬والتصدير‭.‬
وخلال‭ ‬العقد‭ ‬الماضي،‭ ‬تصاعدت‭ ‬المخاوف‭ ‬الغربية‭ ‬من‭ ‬التأثير‭ ‬المتزايد‭ ‬للواردات‭ ‬الصينية‭ ‬منخفضة‭ ‬التكلفة‭ ‬على‭ ‬الصناعات‭ ‬المحلية،‭ ‬خصوصاً‭ ‬مع‭ ‬توسع‭ ‬بكين‭ ‬في‭ ‬قطاعات‭ ‬استراتيجية‭ ‬تشمل‭ ‬السيارات‭ ‬الكهربائية‭ ‬والطاقة‭ ‬المتجددة‭ ‬والرقائق‭ ‬الإلكترونية‭ ‬والبطاريات‭ ‬المتقدمة‭. ‬وأصبح‭ ‬السؤال‭ ‬المطروح‭ ‬في‭ ‬العواصم‭ ‬الغربية‭ ‬لا‭ ‬يتعلق‭ ‬فقط‭ ‬بكيفية‭ ‬منافسة‭ ‬الصين،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬بمدى‭ ‬إمكانية‭ ‬استخدام‭ ‬أدوات‭ ‬مشابهة‭ ‬لتلك‭ ‬التي‭ ‬تعتمدها‭ ‬بكين‭ ‬دون‭ ‬الإضرار‭ ‬بأسس‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الحر‭.‬
وأدى‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬إلى‭ ‬زيادة‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭ ‬في‭ ‬برامج‭ ‬الدعم‭ ‬والحوافز‭ ‬الصناعية،‭ ‬حيث‭ ‬اتجهت‭ ‬الحكومات‭ ‬إلى‭ ‬استخدام‭ ‬أدوات‭ ‬كانت‭ ‬تعتبر‭ ‬في‭ ‬السابق‭ ‬استثنائية،‭ ‬مثل‭ ‬الإعانات‭ ‬المباشرة‭ ‬والحماية‭ ‬التجارية‭ ‬ومتطلبات‭ ‬المحتوى‭ ‬المحلي‭ ‬وبرامج‭ ‬الشراء‭ ‬الحكومي‭ ‬الموجهة‭.‬

عودة‭ ‬الدولة‭ ‬إلى‭ ‬الاقتصاد
ساهمت‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬الأزمات‭ ‬العالمية‭ ‬المتلاحقة‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬القناعة‭ ‬بضرورة‭ ‬عودة‭ ‬الدولة‭ ‬إلى‭ ‬لعب‭ ‬دور‭ ‬أكثر‭ ‬فاعلية‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭. ‬فمن‭ ‬جائحة‭ ‬كورونا‭ ‬إلى‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا‭ ‬ثم‭ ‬التوترات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬المتصاعدة‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬اكتشفت‭ ‬الاقتصادات‭ ‬المتقدمة‭ ‬أن‭ ‬الاعتماد‭ ‬الكامل‭ ‬على‭ ‬سلاسل‭ ‬التوريد‭ ‬العالمية‭ ‬قد‭ ‬يحمل‭ ‬مخاطر‭ ‬استراتيجية‭ ‬كبيرة‭.‬
وأظهرت‭ ‬تلك‭ ‬الأزمات‭ ‬هشاشة‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬القطاعات‭ ‬الحيوية‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬الإنتاج‭ ‬الخارجي،‭ ‬بدءاً‭ ‬من‭ ‬الأدوية‭ ‬والمستلزمات‭ ‬الطبية‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬أشباه‭ ‬الموصلات‭ ‬والمعادن‭ ‬النادرة‭ ‬ومكونات‭ ‬الطاقة‭ ‬النظيفة‭. ‬كما‭ ‬أثبتت‭ ‬التطورات‭ ‬الأخيرة‭ ‬أن‭ ‬الاعتماد‭ ‬الاقتصادي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬ضغط‭ ‬سياسية‭ ‬وجيوسياسية‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬الأزمات‭.‬
ولذلك‭ ‬بدأت‭ ‬الحكومات‭ ‬الغربية‭ ‬تنظر‭ ‬إلى‭ ‬بعض‭ ‬الصناعات‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬باعتبارها‭ ‬قطاعات‭ ‬اقتصادية،‭ ‬وإنما‭ ‬باعتبارها‭ ‬مكونات‭ ‬أساسية‭ ‬للأمن‭ ‬القومي‭ ‬والاستقرار‭ ‬الاستراتيجي‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬نشأت‭ ‬موجة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬السياسات‭ ‬الصناعية‭ ‬التي‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬القدرات‭ ‬الإنتاجية‭ ‬المحلية‭ ‬وتقليل‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الخارج‭.‬

سباق‭ ‬الدعم‭ ‬الصناعي
تعكس‭ ‬الأرقام‭ ‬حجم‭ ‬التحول‭ ‬الذي‭ ‬شهدته‭ ‬السياسات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الغربية‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭. ‬فبحسب‭ ‬تقديرات‭ ‬متخصصة،‭ ‬تم‭ ‬تطبيق‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬9500‭ ‬إجراء‭ ‬دعم‭ ‬صناعي‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬والاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬خلال‭ ‬العقد‭ ‬الماضي،‭ ‬وهو‭ ‬رقم‭ ‬يعكس‭ ‬اتساع‭ ‬نطاق‭ ‬التدخل‭ ‬الحكومي‭ ‬بصورة‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭ ‬منذ‭ ‬عقود‭.‬
وتشمل‭ ‬هذه‭ ‬الإجراءات‭ ‬حوافز‭ ‬ضريبية،‭ ‬وإعانات‭ ‬مباشرة،‭ ‬وقروضاً‭ ‬مدعومة،‭ ‬وبرامج‭ ‬استثمار‭ ‬حكومية‭ ‬ضخمة،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬رسوم‭ ‬جمركية‭ ‬وإجراءات‭ ‬حمائية‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬المنافسة‭ ‬الخارجية‭.‬
لكن‭ ‬رغم‭ ‬هذا‭ ‬التوسع‭ ‬الكبير،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬الحكومات‭ ‬الغربية‭ ‬تواجه‭ ‬معضلة‭ ‬أساسية‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬عدم‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬مجاراة‭ ‬حجم‭ ‬الدعم‭ ‬الذي‭ ‬توفره‭ ‬الصين‭ ‬لشركاتها‭. ‬فالتقديرات‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الشركات‭ ‬الصينية‭ ‬تحصل‭ ‬في‭ ‬المتوسط‭ ‬على‭ ‬مستويات‭ ‬دعم‭ ‬تفوق‭ ‬نظيراتها‭ ‬في‭ ‬الاقتصادات‭ ‬المتقدمة‭ ‬بعدة‭ ‬مرات،‭ ‬ما‭ ‬يمنحها‭ ‬ميزة‭ ‬تنافسية‭ ‬يصعب‭ ‬تعويضها‭ ‬بالكامل‭ ‬عبر‭ ‬السياسات‭ ‬التقليدية‭.‬
كما‭ ‬أن‭ ‬الصين‭ ‬تمتلك‭ ‬منظومة‭ ‬صناعية‭ ‬متكاملة‭ ‬جرى‭ ‬بناؤها‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬عقود،‭ ‬تشمل‭ ‬الإنتاج‭ ‬والتصنيع‭ ‬والخدمات‭ ‬اللوجستية‭ ‬والتمويل‭ ‬وسلاسل‭ ‬التوريد،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬تقليد‭ ‬النموذج‭ ‬الصيني‭ ‬بشكل‭ ‬سريع‭ ‬أمراً‭ ‬شديد‭ ‬الصعوبة‭ ‬بالنسبة‭ ‬للدول‭ ‬الغربية‭.‬

مخاطر‭ ‬التقليد‭ ‬الكامل
رغم‭ ‬تنامي‭ ‬القناعة‭ ‬بأهمية‭ ‬التدخل‭ ‬الحكومي‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬القطاعات،‭ ‬فإن‭ ‬هناك‭ ‬مخاوف‭ ‬متزايدة‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬إلى‭ ‬توسع‭ ‬اقتصادي‭ ‬غير‭ ‬منضبط‭ ‬يفرض‭ ‬أعباء‭ ‬كبيرة‭ ‬على‭ ‬المالية‭ ‬العامة‭ ‬ويؤثر‭ ‬في‭ ‬كفاءة‭ ‬الأسواق‭.‬
وتكمن‭ ‬إحدى‭ ‬أكبر‭ ‬المخاطر‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬قبول‭ ‬مبدأ‭ ‬التدخل‭ ‬الحكومي‭ ‬يفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬مختلف‭ ‬القطاعات‭ ‬للمطالبة‭ ‬بمعاملة‭ ‬خاصة‭ ‬أو‭ ‬دعم‭ ‬إضافي‭ ‬بحجة‭ ‬الأهمية‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬أو‭ ‬مواجهة‭ ‬المنافسة‭ ‬الأجنبية‭. ‬ومع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت‭ ‬قد‭ ‬يصبح‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬رسم‭ ‬حدود‭ ‬واضحة‭ ‬بين‭ ‬القطاعات‭ ‬التي‭ ‬تستحق‭ ‬الدعم‭ ‬وتلك‭ ‬التي‭ ‬يمكنها‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬قوى‭ ‬السوق‭.‬
كما‭ ‬أن‭ ‬الدعم‭ ‬الحكومي‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬التزام‭ ‬سياسي‭ ‬طويل‭ ‬الأجل‭ ‬يصعب‭ ‬التراجع‭ ‬عنه‭. ‬فالقطاعات‭ ‬التي‭ ‬تحصل‭ ‬على‭ ‬الإعانات‭ ‬تسعى‭ ‬عادة‭ ‬إلى‭ ‬الحفاظ‭ ‬عليها،‭ ‬بينما‭ ‬يواجه‭ ‬السياسيون‭ ‬ضغوطاً‭ ‬كبيرة‭ ‬عند‭ ‬محاولة‭ ‬تقليصها‭ ‬أو‭ ‬إلغائها‭.‬
وتشير‭ ‬التجارب‭ ‬السابقة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬برامج‭ ‬الدعم‭ ‬التي‭ ‬أطلقت‭ ‬كإجراءات‭ ‬مؤقتة‭ ‬استمرت‭ ‬لسنوات‭ ‬طويلة،‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬زيادة‭ ‬الأعباء‭ ‬على‭ ‬الميزانيات‭ ‬العامة‭ ‬وتقليص‭ ‬الموارد‭ ‬المتاحة‭ ‬لقطاعات‭ ‬أخرى‭ ‬أكثر‭ ‬إنتاجية‭.‬

تكلفة‭ ‬الفرصة‭ ‬الضائعة
لا‭ ‬تقتصر‭ ‬تكلفة‭ ‬التوسع‭ ‬في‭ ‬السياسات‭ ‬الصناعية‭ ‬على‭ ‬الأموال‭ ‬العامة‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬أيضاً‭ ‬إلى‭ ‬الموارد‭ ‬الإدارية‭ ‬والتنظيمية‭ ‬التي‭ ‬تخصصها‭ ‬الحكومات‭ ‬لإدارة‭ ‬برامج‭ ‬الدعم‭ ‬والإشراف‭ ‬عليها‭.‬
فكلما‭ ‬توسعت‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬ازدادت‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬أجهزة‭ ‬رقابية‭ ‬وتنظيمية‭ ‬أكبر،‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬استنزاف‭ ‬القدرات‭ ‬الحكومية‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬توجيهها‭ ‬إلى‭ ‬إصلاحات‭ ‬أكثر‭ ‬تأثيراً‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل‭.‬
ويرى‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الخبراء‭ ‬أن‭ ‬تعزيز‭ ‬التنافسية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬لا‭ ‬يتحقق‭ ‬بالضرورة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الإعانات‭ ‬المباشرة،‭ ‬بل‭ ‬عبر‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬والتعليم‭ ‬والبحث‭ ‬العلمي‭ ‬والطاقة‭ ‬والنقل‭ ‬والتكنولوجيا‭. ‬فهذه‭ ‬المجالات‭ ‬ترفع‭ ‬إنتاجية‭ ‬الاقتصاد‭ ‬بأكمله‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬دعم‭ ‬قطاعات‭ ‬محددة‭ ‬بصورة‭ ‬مؤقتة‭.‬
كما‭ ‬أن‭ ‬تطوير‭ ‬الأسواق‭ ‬الداخلية‭ ‬وتحسين‭ ‬بيئة‭ ‬الأعمال‭ ‬وتسهيل‭ ‬الاستثمار‭ ‬الخاص‭ ‬قد‭ ‬يوفر‭ ‬نتائج‭ ‬أكثر‭ ‬استدامة‭ ‬من‭ ‬برامج‭ ‬الدعم‭ ‬المكلفة‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تفقد‭ ‬فعاليتها‭ ‬مع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت‭.‬

الدرس‭ ‬الصيني‭ ‬الحقيقي
المفارقة‭ ‬أن‭ ‬نجاح‭ ‬الصين‭ ‬لا‭ ‬يرتبط‭ ‬فقط‭ ‬بحجم‭ ‬الإعانات‭ ‬الحكومية،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬بوجود‭ ‬منافسة‭ ‬داخلية‭ ‬شديدة‭ ‬بين‭ ‬الشركات‭ ‬الصينية‭ ‬نفسها‭. ‬فالدعم‭ ‬الحكومي‭ ‬كان‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬منظومة‭ ‬أوسع‭ ‬شملت‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬التعليم‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية‭ ‬والابتكار‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬وسلاسل‭ ‬التوريد‭.‬
وقد‭ ‬ساهمت‭ ‬المنافسة‭ ‬الحادة‭ ‬داخل‭ ‬السوق‭ ‬الصينية‭ ‬في‭ ‬دفع‭ ‬الشركات‭ ‬نحو‭ ‬تحسين‭ ‬الكفاءة‭ ‬وخفض‭ ‬التكاليف‭ ‬وتسريع‭ ‬وتيرة‭ ‬الابتكار،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬منحها‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬المنافسة‭ ‬عالمياً‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬القطاعات‭.‬
ولهذا‭ ‬يرى‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬المحللين‭ ‬أن‭ ‬التركيز‭ ‬الغربي‭ ‬على‭ ‬جانب‭ ‬الإعانات‭ ‬فقط‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬فهم‭ ‬ناقص‭ ‬للتجربة‭ ‬الصينية‭. ‬فالمشكلة‭ ‬لا‭ ‬تتعلق‭ ‬بحجم‭ ‬الأموال‭ ‬الحكومية‭ ‬وحده،‭ ‬وإنما‭ ‬بوجود‭ ‬منظومة‭ ‬اقتصادية‭ ‬وصناعية‭ ‬متكاملة‭ ‬جرى‭ ‬تطويرها‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭.‬
ومن‭ ‬هنا‭ ‬فإن‭ ‬محاولات‭ ‬استنساخ‭ ‬جزء‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬النموذج‭ ‬الصيني‭ ‬دون‭ ‬العناصر‭ ‬الأخرى‭ ‬قد‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬نتائج‭ ‬محدودة‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬عكسية‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الحالات‭.‬
أين‭ ‬يجب‭ ‬رسم‭ ‬الحدود؟

أصبح‭ ‬السؤال‭ ‬الرئيسي‭ ‬في‭ ‬النقاش‭ ‬الغربي‭ ‬الحالي‭ ‬لا‭ ‬يتعلق‭ ‬بما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬يجب‭ ‬تبني‭ ‬سياسة‭ ‬صناعية‭ ‬أم‭ ‬لا،‭ ‬وإنما‭ ‬بكيفية‭ ‬تحديد‭ ‬حدودها‭ ‬وضوابطها‭.‬
فالعديد‭ ‬من‭ ‬الخبراء‭ ‬يدعون‭ ‬إلى‭ ‬وضع‭ ‬تعريفات‭ ‬دقيقة‭ ‬لمفهوم‭ ‬الصناعات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬التي‭ ‬تستحق‭ ‬التدخل‭ ‬الحكومي،‭ ‬مع‭ ‬تحديد‭ ‬مستويات‭ ‬مقبولة‭ ‬من‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الخارج‭ ‬في‭ ‬سلاسل‭ ‬التوريد‭. ‬كما‭ ‬يطالبون‭ ‬بوضع‭ ‬جداول‭ ‬زمنية‭ ‬واضحة‭ ‬للدعم‭ ‬الحكومي‭ ‬وآليات‭ ‬دورية‭ ‬لتقييم‭ ‬فعاليته‭.‬
ويشدد‭ ‬هؤلاء‭ ‬على‭ ‬أهمية‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬القطاعات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالأمن‭ ‬القومي‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬الحيوية‭ ‬والطاقة‭ ‬والبنية‭ ‬الرقمية،‭ ‬وبين‭ ‬القطاعات‭ ‬الأخرى‭ ‬التي‭ ‬يمكنها‭ ‬العمل‭ ‬ضمن‭ ‬قواعد‭ ‬المنافسة‭ ‬الطبيعية‭.‬
كما‭ ‬أن‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬الانفتاح‭ ‬التجاري‭ ‬يظل‭ ‬عاملاً‭ ‬مهماً‭ ‬بالنسبة‭ ‬للاقتصادات‭ ‬الغربية‭ ‬التي‭ ‬استفادت‭ ‬تاريخياً‭ ‬من‭ ‬التجارة‭ ‬الحرة‭ ‬والتكامل‭ ‬الاقتصادي‭ ‬العالمي‭.‬

معركة‭ ‬التوازن‭ ‬الاقتصادي
تقف‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وأوروبا‭ ‬اليوم‭ ‬أمام‭ ‬معادلة‭ ‬معقدة‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬حماية‭ ‬صناعاتها‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬مبادئ‭ ‬السوق‭ ‬الحرة‭ ‬والانفتاح‭ ‬الاقتصادي‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭. ‬فالمنافسة‭ ‬مع‭ ‬الصين‭ ‬دفعت‭ ‬الحكومات‭ ‬الغربية‭ ‬إلى‭ ‬تبني‭ ‬أدوات‭ ‬تدخلية‭ ‬كانت‭ ‬مرفوضة‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬الماضي،‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬أثارت‭ ‬مخاوف‭ ‬من‭ ‬توسع‭ ‬دور‭ ‬الدولة‭ ‬بصورة‭ ‬قد‭ ‬تؤثر‭ ‬على‭ ‬كفاءة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬وقدرته‭ ‬التنافسية‭.‬
ويبدو‭ ‬أن‭ ‬التحدي‭ ‬الحقيقي‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬المقبلة‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬في‭ ‬إطلاق‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬برامج‭ ‬الدعم‭ ‬أو‭ ‬فرض‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬الحواجز‭ ‬التجارية،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تحديد‭ ‬المجالات‭ ‬التي‭ ‬تتطلب‭ ‬تدخلاً‭ ‬فعلياً‭ ‬وتلك‭ ‬التي‭ ‬ينبغي‭ ‬تركها‭ ‬لقوى‭ ‬السوق‭.‬

رجوع لأعلى