الصين تدفع الغرب إلى اقتصاد الدعم.. ومخاوف من فاتورة طويلة الأجل
أعادت التحولات الاقتصادية العالمية خلال السنوات الأخيرة إحياء نقاش قديم حول دور الدولة في الاقتصاد، لكن هذه المرة من بوابة المنافسة مع الصين. فبعد عقود طويلة من اعتماد الاقتصادات الغربية على مبادئ السوق الحرة وتقليص التدخل الحكومي، وجدت الولايات المتحدة وأوروبا نفسيهما مضطرتين إلى إعادة النظر في كثير من المسلمات الاقتصادية لمواجهة النموذج الصيني القائم على دعم الدولة للصناعة والتكنولوجيا والتصدير.
وخلال العقد الماضي، تصاعدت المخاوف الغربية من التأثير المتزايد للواردات الصينية منخفضة التكلفة على الصناعات المحلية، خصوصاً مع توسع بكين في قطاعات استراتيجية تشمل السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة والرقائق الإلكترونية والبطاريات المتقدمة. وأصبح السؤال المطروح في العواصم الغربية لا يتعلق فقط بكيفية منافسة الصين، بل أيضاً بمدى إمكانية استخدام أدوات مشابهة لتلك التي تعتمدها بكين دون الإضرار بأسس الاقتصاد الحر.
وأدى هذا التحول إلى زيادة غير مسبوقة في برامج الدعم والحوافز الصناعية، حيث اتجهت الحكومات إلى استخدام أدوات كانت تعتبر في السابق استثنائية، مثل الإعانات المباشرة والحماية التجارية ومتطلبات المحتوى المحلي وبرامج الشراء الحكومي الموجهة.
عودة الدولة إلى الاقتصاد
ساهمت سلسلة من الأزمات العالمية المتلاحقة في تعزيز القناعة بضرورة عودة الدولة إلى لعب دور أكثر فاعلية في الاقتصاد. فمن جائحة كورونا إلى الحرب في أوكرانيا ثم التوترات الجيوسياسية المتصاعدة في الشرق الأوسط، اكتشفت الاقتصادات المتقدمة أن الاعتماد الكامل على سلاسل التوريد العالمية قد يحمل مخاطر استراتيجية كبيرة.
وأظهرت تلك الأزمات هشاشة العديد من القطاعات الحيوية التي تعتمد على الإنتاج الخارجي، بدءاً من الأدوية والمستلزمات الطبية وصولاً إلى أشباه الموصلات والمعادن النادرة ومكونات الطاقة النظيفة. كما أثبتت التطورات الأخيرة أن الاعتماد الاقتصادي يمكن أن يتحول إلى أداة ضغط سياسية وجيوسياسية في أوقات الأزمات.
ولذلك بدأت الحكومات الغربية تنظر إلى بعض الصناعات ليس فقط باعتبارها قطاعات اقتصادية، وإنما باعتبارها مكونات أساسية للأمن القومي والاستقرار الاستراتيجي. ومن هنا نشأت موجة جديدة من السياسات الصناعية التي تهدف إلى إعادة بناء القدرات الإنتاجية المحلية وتقليل الاعتماد على الخارج.
سباق الدعم الصناعي
تعكس الأرقام حجم التحول الذي شهدته السياسات الاقتصادية الغربية خلال السنوات الأخيرة. فبحسب تقديرات متخصصة، تم تطبيق أكثر من 9500 إجراء دعم صناعي في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي خلال العقد الماضي، وهو رقم يعكس اتساع نطاق التدخل الحكومي بصورة غير مسبوقة منذ عقود.
وتشمل هذه الإجراءات حوافز ضريبية، وإعانات مباشرة، وقروضاً مدعومة، وبرامج استثمار حكومية ضخمة، إضافة إلى رسوم جمركية وإجراءات حمائية تهدف إلى الحد من المنافسة الخارجية.
لكن رغم هذا التوسع الكبير، لا تزال الحكومات الغربية تواجه معضلة أساسية تتمثل في عدم قدرتها على مجاراة حجم الدعم الذي توفره الصين لشركاتها. فالتقديرات تشير إلى أن الشركات الصينية تحصل في المتوسط على مستويات دعم تفوق نظيراتها في الاقتصادات المتقدمة بعدة مرات، ما يمنحها ميزة تنافسية يصعب تعويضها بالكامل عبر السياسات التقليدية.
كما أن الصين تمتلك منظومة صناعية متكاملة جرى بناؤها على مدى عقود، تشمل الإنتاج والتصنيع والخدمات اللوجستية والتمويل وسلاسل التوريد، وهو ما يجعل تقليد النموذج الصيني بشكل سريع أمراً شديد الصعوبة بالنسبة للدول الغربية.
مخاطر التقليد الكامل
رغم تنامي القناعة بأهمية التدخل الحكومي في بعض القطاعات، فإن هناك مخاوف متزايدة من أن يتحول هذا التوجه إلى توسع اقتصادي غير منضبط يفرض أعباء كبيرة على المالية العامة ويؤثر في كفاءة الأسواق.
وتكمن إحدى أكبر المخاطر في أن قبول مبدأ التدخل الحكومي يفتح الباب أمام مختلف القطاعات للمطالبة بمعاملة خاصة أو دعم إضافي بحجة الأهمية الاستراتيجية أو مواجهة المنافسة الأجنبية. ومع مرور الوقت قد يصبح من الصعب رسم حدود واضحة بين القطاعات التي تستحق الدعم وتلك التي يمكنها الاعتماد على قوى السوق.
كما أن الدعم الحكومي غالباً ما يتحول إلى التزام سياسي طويل الأجل يصعب التراجع عنه. فالقطاعات التي تحصل على الإعانات تسعى عادة إلى الحفاظ عليها، بينما يواجه السياسيون ضغوطاً كبيرة عند محاولة تقليصها أو إلغائها.
وتشير التجارب السابقة إلى أن بعض برامج الدعم التي أطلقت كإجراءات مؤقتة استمرت لسنوات طويلة، ما أدى إلى زيادة الأعباء على الميزانيات العامة وتقليص الموارد المتاحة لقطاعات أخرى أكثر إنتاجية.
تكلفة الفرصة الضائعة
لا تقتصر تكلفة التوسع في السياسات الصناعية على الأموال العامة فقط، بل تمتد أيضاً إلى الموارد الإدارية والتنظيمية التي تخصصها الحكومات لإدارة برامج الدعم والإشراف عليها.
فكلما توسعت الدولة في إدارة النشاط الاقتصادي، ازدادت الحاجة إلى أجهزة رقابية وتنظيمية أكبر، ما قد يؤدي إلى استنزاف القدرات الحكومية التي يمكن توجيهها إلى إصلاحات أكثر تأثيراً على المدى الطويل.
ويرى عدد من الخبراء أن تعزيز التنافسية الاقتصادية لا يتحقق بالضرورة من خلال الإعانات المباشرة، بل عبر الاستثمار في البنية التحتية والتعليم والبحث العلمي والطاقة والنقل والتكنولوجيا. فهذه المجالات ترفع إنتاجية الاقتصاد بأكمله بدلاً من دعم قطاعات محددة بصورة مؤقتة.
كما أن تطوير الأسواق الداخلية وتحسين بيئة الأعمال وتسهيل الاستثمار الخاص قد يوفر نتائج أكثر استدامة من برامج الدعم المكلفة التي قد تفقد فعاليتها مع مرور الوقت.
الدرس الصيني الحقيقي
المفارقة أن نجاح الصين لا يرتبط فقط بحجم الإعانات الحكومية، بل أيضاً بوجود منافسة داخلية شديدة بين الشركات الصينية نفسها. فالدعم الحكومي كان جزءاً من منظومة أوسع شملت الاستثمار في التعليم والبنية التحتية والابتكار والتكنولوجيا وسلاسل التوريد.
وقد ساهمت المنافسة الحادة داخل السوق الصينية في دفع الشركات نحو تحسين الكفاءة وخفض التكاليف وتسريع وتيرة الابتكار، وهو ما منحها القدرة على المنافسة عالمياً في العديد من القطاعات.
ولهذا يرى كثير من المحللين أن التركيز الغربي على جانب الإعانات فقط قد يؤدي إلى فهم ناقص للتجربة الصينية. فالمشكلة لا تتعلق بحجم الأموال الحكومية وحده، وإنما بوجود منظومة اقتصادية وصناعية متكاملة جرى تطويرها على مدى سنوات طويلة.
ومن هنا فإن محاولات استنساخ جزء واحد من النموذج الصيني دون العناصر الأخرى قد تؤدي إلى نتائج محدودة أو حتى عكسية في بعض الحالات.
أين يجب رسم الحدود؟
أصبح السؤال الرئيسي في النقاش الغربي الحالي لا يتعلق بما إذا كان يجب تبني سياسة صناعية أم لا، وإنما بكيفية تحديد حدودها وضوابطها.
فالعديد من الخبراء يدعون إلى وضع تعريفات دقيقة لمفهوم الصناعات الاستراتيجية التي تستحق التدخل الحكومي، مع تحديد مستويات مقبولة من الاعتماد على الخارج في سلاسل التوريد. كما يطالبون بوضع جداول زمنية واضحة للدعم الحكومي وآليات دورية لتقييم فعاليته.
ويشدد هؤلاء على أهمية التمييز بين القطاعات المرتبطة بالأمن القومي والتكنولوجيا الحيوية والطاقة والبنية الرقمية، وبين القطاعات الأخرى التي يمكنها العمل ضمن قواعد المنافسة الطبيعية.
كما أن الحفاظ على الانفتاح التجاري يظل عاملاً مهماً بالنسبة للاقتصادات الغربية التي استفادت تاريخياً من التجارة الحرة والتكامل الاقتصادي العالمي.
معركة التوازن الاقتصادي
تقف الولايات المتحدة وأوروبا اليوم أمام معادلة معقدة تجمع بين الحاجة إلى حماية صناعاتها الاستراتيجية من جهة، والحفاظ على مبادئ السوق الحرة والانفتاح الاقتصادي من جهة أخرى. فالمنافسة مع الصين دفعت الحكومات الغربية إلى تبني أدوات تدخلية كانت مرفوضة إلى حد كبير في الماضي، لكنها في الوقت ذاته أثارت مخاوف من توسع دور الدولة بصورة قد تؤثر على كفاءة الاقتصاد وقدرته التنافسية.
ويبدو أن التحدي الحقيقي خلال السنوات المقبلة لن يكون في إطلاق مزيد من برامج الدعم أو فرض المزيد من الحواجز التجارية، بل في القدرة على تحديد المجالات التي تتطلب تدخلاً فعلياً وتلك التي ينبغي تركها لقوى السوق.