الطيران في الشرق الأوسط بين التعافي الحذر والقيود الجوية
مع دخول الحرب الدائرة بين إيران والولايات المتحدة وحلفائها أسبوعها الثالث، لا يزال قطاع الطيران في الشرق الأوسط يواجه واحدة من أكثر الفترات تعقيداً في تاريخه الحديث، إذ تعيش شركات الطيران والمطارات في المنطقة تحت وطأة قيود تشغيلية واسعة النطاق وإجراءات استثنائية فرضتها الظروف الأمنية وإغلاق أو تقييد عدد كبير من المجالات الجوية.
وعلى الرغم من أن شبكات الطيران لا تزال تخضع لتعديلات مستمرة في الجداول والمسارات، فإن البيانات التشغيلية الحديثة تشير إلى بداية تعافٍ تدريجي في نشاط بعض شركات الطيران الكبرى في المنطقة، بعد الصدمة الأولية التي تعرض لها القطاع مع اندلاع الحرب وإغلاق عدد من الممرات الجوية الحيوية.
ويؤكد خبراء الطيران أن القطاع يمر حالياً بمرحلة انتقالية حساسة، حيث تحاول الشركات إعادة تشغيل جزء من شبكاتها مع الحفاظ على أعلى مستويات السلامة الجوية، في ظل استمرار التوترات الأمنية في المنطقة.
اضطرابات غير مسبوقة
في شبكات الطيران
منذ اندلاع الحرب قبل نحو ثلاثة أسابيع، اضطرت شركات الطيران في الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا إلى إعادة رسم خرائط رحلاتها الجوية بشكل شبه كامل، نتيجة إغلاق عدة مجالات جوية رئيسية في المنطقة.
وقد أدى ذلك إلى إطالة مسارات الرحلات الجوية في كثير من الحالات، وارتفاع تكاليف التشغيل بسبب زيادة استهلاك الوقود وزمن الرحلات، إضافة إلى تأخير آلاف الرحلات وإلغاء عدد كبير منها.
كما فرضت شركات الطيران إجراءات تشغيلية استثنائية تشمل تقليص عدد الرحلات أو تشغيل جداول محدودة، في انتظار وضوح الصورة الأمنية في المنطقة.
ورغم هذه التحديات، بدأت بعض شركات الطيران الخليجية الكبرى في استعادة جزء من نشاطها، مستفيدة من إعادة فتح بعض المسارات الجوية البديلة.
مؤشرات تعافٍ تدريجي لشركات الطيران الخليجية
تظهر بيانات موقع FlightRadar24 المتخصص في تتبع حركة الطيران أن شركات الطيران الخليجية الكبرى بدأت تسجل زيادة تدريجية في عدد الرحلات اليومية.
فقد سجلت كل من طيران الإمارات والاتحاد للطيران والخطوط الجوية القطرية يومين متتاليين من الزيادة في عدد الرحلات التشغيلية، وهو ما يعكس محاولة هذه الشركات إعادة بناء شبكاتها تدريجياً.
في المقابل، شهدت شركات الطيران منخفضة التكلفة مثل العربية للطيران وفلاي دبي تراجعاً طفيفاً في عدد الرحلات اليومية مع نهاية الأسبوع، نتيجة استمرار القيود الجوية في بعض المسارات الرئيسية.
ويرى محللون أن شركات الطيران الكبرى تمتلك قدرة أكبر على التكيف مع الأزمات التشغيلية نظراً لحجم أساطيلها وتنوع شبكاتها العالمية.
أهمية شركات الطيران الخليجية في حركة السفر العالمية
تشير بيانات شركة تحليلات الطيران Cirium إلى أن شركات طيران الإمارات والخطوط الجوية القطرية والاتحاد للطيران تلعب دوراً محورياً في حركة الطيران العالمية.
فالشركات الثلاث تستحوذ مجتمعة على نحو ثلث حركة الركاب بين أوروبا وآسيا، كما تنقل أكثر من نصف الركاب المسافرين من أوروبا إلى أستراليا ونيوزيلندا وجزر المحيط الهادئ.
ولهذا السبب، فإن أي اضطراب في عمليات هذه الشركات يؤثر بشكل مباشر في حركة السفر العالمية، وليس فقط في منطقة الشرق الأوسط.
تحسن تدريجي في حركة الطيران
في الإمارات
أعلنت الهيئة العامة للطيران المدني في الإمارات عن بدء عودة تدريجية لحركة الطيران في الدولة بعد أن أغلقت مجالها الجوي مؤقتاً في 28 فبراير مع بداية الحرب.
وقال عبدالله بن طوق، وزير الاقتصاد والسياحة الإماراتي، إن مطارات الدولة استقبلت نحو 1.4 مليون مسافر خلال الفترة بين 1 و12 مارس، وهو رقم يعكس استمرار النشاط في قطاع الطيران رغم الظروف الاستثنائية.
كما سجلت الأجواء الإماراتية نحو 7839 حركة جوية خلال الفترة نفسها، وهو مؤشر على استعادة جزء من النشاط الملاحي في المنطقة.
وأضاف الوزير أن شركات الطيران الوطنية استعادت نحو 44.6% من مستويات التشغيل التي كانت قائمة قبل الأزمة.
أداء شركات الطيران الإماراتية
على مستوى الشركات، سجلت طيران الإمارات مؤشرات تعافٍ ملحوظة، إذ سيّرت نحو 330 رحلة يوم الجمعة، في خطوة تعكس تحسناً تدريجياً بعد الاضطرابات الكبيرة التي أثرت في عملياتها مطلع مارس.
كما رفعت الاتحاد للطيران عدد رحلاتها إلى 66 رحلة يوم الجمعة، بزيادة تتجاوز 50 % مقارنة باليوم السابق.
ويشير هذا التحسن إلى قدرة شركات الطيران الإماراتية على التكيف مع الظروف التشغيلية الجديدة، خصوصاً في ظل شبكة مطارات الدولة المتطورة وموقعها الاستراتيجي كمركز عالمي للطيران.
تراجع طفيف لدى شركات الطيران منخفضة التكلفة
في المقابل، سجلت بعض شركات الطيران منخفضة التكلفة تراجعاً طفيفاً في نشاطها.
فقد انخفض عدد الرحلات التي شغلتها العربية للطيران إلى 141 رحلة يوم الجمعة، بينما تراجع عدد الرحلات لدى فلاي دبي إلى 122 رحلة مقارنة بـ 133 رحلة في اليوم السابق.
ويرى محللون أن شركات الطيران منخفضة التكلفة أكثر حساسية للاضطرابات التشغيلية بسبب اعتمادها على جداول رحلات كثيفة وهوامش تشغيل أقل.
استمرار القيود على المجالات الجوية
رغم المؤشرات الإيجابية المحدودة، لا تزال عدة مجالات جوية في الشرق الأوسط مغلقة بالكامل أو جزئياً.
فقد استمر إغلاق المجال الجوي في إيران والعراق والكويت أمام حركة الطيران المدني، وهو ما يمثل تحدياً كبيراً لشركات الطيران التي تعتمد على هذه المسارات في رحلاتها بين أوروبا وآسيا.
كما لا يزال المجال الجوي في سوريا مغلقاً أمام معظم الرحلات، مع السماح فقط بحركة محدودة من وإلى مطار حلب عبر مسارات جوية محددة.
أما البحرين فقد عدّلت قرارها بشأن المجال الجوي، إذ لا يزال مغلقاً أمام معظم الرحلات باستثناء الرحلات المغادرة من مطار البحرين الدولي عبر مسار محدد وبعد الحصول على تصريح مسبق.
تحسن نشاط الخطوط الجوية القطرية
شهدت الخطوط الجوية القطرية تحسناً نسبياً في عدد الرحلات التشغيلية، حيث بلغ عدد الرحلات الفعلية نحو 60 رحلة يوم الجمعة، بزيادة تقارب ثلث الرحلات مقارنة باليوم السابق.
وكانت الهيئة العامة للطيران المدني في قطر أعلنت في السادس من الشهر الجاري عن استئناف جزئي لحركة الملاحة الجوية في البلاد عبر مسارات جوية مخصصة للطوارئ وبطاقة تشغيلية محدودة.
وقالت الخطوط الجوية القطرية إنها تشغل حالياً جدول رحلات محدوداً من وإلى مطار حمد الدولي في الدوحة، مؤكدة أنها تعمل على دعم المسافرين المتأثرة رحلاتهم وتسهيل عودتهم إلى وجهاتهم.
وأضافت الشركة أن استئناف العمليات التشغيلية الكاملة سيبدأ فور إعلان السلطات إعادة فتح المجال الجوي بشكل آمن.
تحذيرات للمسافرين في السعودية
في المملكة العربية السعودية، طالبت الخطوط الجوية السعودية المسافرين بمتابعة آخر التحديثات المتعلقة بحالة الرحلات الجوية، خصوصاً بعد انتهاء تمديد تعليق الرحلات إلى بعض الوجهات الإقليمية.
وشملت هذه الوجهات سلطنة عمان والكويت وأبوظبي والدوحة والبحرين.
ودعت الشركة الركاب إلى متابعة حالة الرحلات بشكل مستمر عبر منصاتها الرقمية.
تأثر عمليات «طيران ناس»
أما شركة طيران ناس منخفضة التكلفة، فقد أكدت أن عملياتها لا تزال متأثرة بإغلاق المجالات الجوية في المنطقة.
وأوضحت الشركة أنها تتيح للمسافرين المتضررين تغيير تاريخ السفر دون رسوم إضافية، أو استرداد قيمة التذكرة، أو الاحتفاظ بها كرصيد لاستخدامه في رحلات مستقبلية.