تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العالم‭ ‬يدرس‭ ‬السحب‭ ‬من‭ ‬الاحتياطيات‭ ‬لاحتواء‭ ‬أزمة‭ ‬الطاقة

العالم‭ ‬يدرس‭ ‬السحب‭ ‬من‭ ‬الاحتياطيات‭ ‬لاحتواء‭ ‬أزمة‭ ‬الطاقة

مع‭ ‬اتساع‭ ‬رقعة‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬وتعطل‭ ‬جزء‭ ‬متزايد‭ ‬من‭ ‬صادرات‭ ‬الطاقة‭ ‬من‭ ‬الخليج‭ ‬العربي،‭ ‬تتجه‭ ‬أنظار‭ ‬الأسواق‭ ‬والحكومات‭ ‬العالمية‭ ‬نحو‭ ‬خط‭ ‬الدفاع‭ ‬الأخير‭ ‬ضد‭ ‬صدمات‭ ‬الأسعار‭: ‬مخزونات‭ ‬النفط‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬التي‭ ‬أنشأتها‭ ‬الدول‭ ‬الصناعية‭ ‬منذ‭ ‬سبعينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬لحماية‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬من‭ ‬أزمات‭ ‬الطاقة‭.‬
ففي‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬تتقلب‭ ‬فيه‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬بقوة‭ ‬وتتزايد‭ ‬المخاوف‭ ‬من‭ ‬اختناقات‭ ‬في‭ ‬الإمدادات،‭ ‬بدأت‭ ‬الحكومات‭ ‬الكبرى‭ ‬تدرس‭ ‬إمكانية‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬الاحتياطيات‭ ‬الطارئة‭ ‬لتخفيف‭ ‬الضغوط‭ ‬على‭ ‬الأسواق‭. ‬ويأتي‭ ‬ذلك‭ ‬بينما‭ ‬تتزايد‭ ‬الضغوط‭ ‬السياسية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬على‭ ‬صناع‭ ‬القرار،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وأوروبا‭ ‬وآسيا،‭ ‬مع‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬الوقود‭ ‬وتزايد‭ ‬المخاوف‭ ‬التضخمية‭.‬
ويرى‭ ‬محللون‭ ‬أن‭ ‬مخزونات‭ ‬الطوارئ‭ ‬النفطية‭ ‬أصبحت‭ ‬أداة‭ ‬محورية‭ ‬لإدارة‭ ‬الأزمات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬في‭ ‬أسواق‭ ‬الطاقة،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬استخدامها‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الأزمة‭ ‬الحالية‭ ‬يثير‭ ‬تساؤلات‭ ‬كبيرة‭ ‬حول‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬تعويض‭ ‬أي‭ ‬انقطاع‭ ‬واسع‭ ‬في‭ ‬صادرات‭ ‬النفط‭ ‬من‭ ‬الخليج‭.‬

مخزونات‭ ‬ضخمة‭ ‬ولكنها‭ ‬محدودة

تمتلك‭ ‬الدول‭ ‬الأعضاء‭ ‬في‭ ‬وكالة‭ ‬الطاقة‭ ‬الدولية،‭ ‬وعددها‭ ‬32‭ ‬دولة،‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬عن‭ ‬1‭.‬2‭ ‬مليار‭ ‬برميل‭ ‬من‭ ‬النفط‭ ‬في‭ ‬مخزونات‭ ‬الطوارئ‭ ‬العامة،‭ ‬وفق‭ ‬بيانات‭ ‬الوكالة‭ ‬التي‭ ‬تتخذ‭ ‬من‭ ‬باريس‭ ‬مقراً‭ ‬لها‭ ‬وتشرف‭ ‬على‭ ‬عمليات‭ ‬السحب‭ ‬المنسق‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الاحتياطيات‭ ‬في‭ ‬حالات‭ ‬الطوارئ‭.‬
وقد‭ ‬لعبت‭ ‬هذه‭ ‬المخزونات‭ ‬دوراً‭ ‬مهماً‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬اضطرابات‭ ‬الطاقة‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬الماضية،‭ ‬إذ‭ ‬نسّقت‭ ‬الوكالة‭ ‬خمس‭ ‬عمليات‭ ‬إفراج‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬الاحتياطيات‭. ‬وكان‭ ‬أولها‭ ‬خلال‭ ‬حرب‭ ‬الخليج‭ ‬الأولى‭ ‬عام‭ ‬1991،‭ ‬ثم‭ ‬بعد‭ ‬إعصاري‭ ‬‮«‬كاترينا‮»‬‭ ‬و«ريتا‮»‬‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬عام‭ ‬2005،‭ ‬وبعد‭ ‬اندلاع‭ ‬الحرب‭ ‬الأهلية‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬عام‭ ‬2011‭. ‬كما‭ ‬تم‭ ‬استخدام‭ ‬هذه‭ ‬الاحتياطيات‭ ‬مرتين‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2022‭ ‬في‭ ‬أعقاب‭ ‬الغزو‭ ‬الروسي‭ ‬لأوكرانيا‭.‬
وتعد‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬صاحبة‭ ‬أكبر‭ ‬مخزون‭ ‬نفطي‭ ‬استراتيجي‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬إذ‭ ‬تحتفظ‭ ‬بالنفط‭ ‬في‭ ‬أربعة‭ ‬مواقع‭ ‬عالية‭ ‬الحماية‭ ‬على‭ ‬طول‭ ‬ساحل‭ ‬خليج‭ ‬المكسيك،‭ ‬داخل‭ ‬كهوف‭ ‬ضخمة‭ ‬محفورة‭ ‬في‭ ‬طبقات‭ ‬الملح‭ ‬تحت‭ ‬الأرض‭.‬
وتبلغ‭ ‬الطاقة‭ ‬الاستيعابية‭ ‬لهذه‭ ‬المواقع‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬700‭ ‬مليون‭ ‬برميل‭ ‬من‭ ‬النفط،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬حجم‭ ‬المخزون‭ ‬الفعلي‭ ‬حالياً‭ ‬يبلغ‭ ‬نحو‭ ‬415‭ ‬مليون‭ ‬برميل‭ ‬فقط،‭ ‬أي‭ ‬ما‭ ‬يعادل‭ ‬نحو‭ ‬60‭% ‬من‭ ‬القدرة‭ ‬القصوى،‭ ‬وذلك‭ ‬بعد‭ ‬عمليات‭ ‬السحب‭ ‬القياسية‭ ‬التي‭ ‬جرت‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬الرئيس‭ ‬السابق‭ ‬جو‭ ‬بايدن‭ ‬عقب‭ ‬الحرب‭ ‬الروسية‭ ‬على‭ ‬أوكرانيا‭.‬
في‭ ‬المقابل،‭ ‬تشير‭ ‬تقديرات‭ ‬مركز‭ ‬سياسات‭ ‬الطاقة‭ ‬العالمية‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬كولومبيا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الصين‭ ‬–‭ ‬أكبر‭ ‬مستورد‭ ‬للنفط‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬–‭ ‬قد‭ ‬كوّنت‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية‭ ‬مخزوناً‭ ‬استراتيجياً‭ ‬ضخماً‭ ‬يقدر‭ ‬بنحو‭ ‬1‭.‬4‭ ‬مليار‭ ‬برميل‭ ‬من‭ ‬النفط‭ ‬الخام،‭ ‬ما‭ ‬يمنحها‭ ‬قدرة‭ ‬أكبر‭ ‬على‭ ‬امتصاص‭ ‬صدمات‭ ‬الإمدادات‭.‬

نقاش‭ ‬عالمي‭ ‬حول‭ ‬اللجوء‭ ‬للاحتياطيات

رغم‭ ‬امتلاك‭ ‬هذه‭ ‬المخزونات‭ ‬الضخمة،‭ ‬فإن‭ ‬القرار‭ ‬باستخدامها‭ ‬ليس‭ ‬سهلاً،‭ ‬إذ‭ ‬يتطلب‭ ‬توازناً‭ ‬دقيقاً‭ ‬بين‭ ‬الاعتبارات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والسياسية‭.‬
ففي‭ ‬9‭ ‬مارس،‭ ‬أعلن‭ ‬وزراء‭ ‬مالية‭ ‬مجموعة‭ ‬السبع‭ ‬أنهم‭ ‬لم‭ ‬يصلوا‭ ‬بعد‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرار‭ ‬بالإفراج‭ ‬عن‭ ‬النفط‭ ‬من‭ ‬الاحتياطيات‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬لكنهم‭ ‬أكدوا‭ ‬استعدادهم‭ ‬للقيام‭ ‬بذلك‭ ‬إذا‭ ‬تفاقمت‭ ‬أزمة‭ ‬الإمدادات‭.‬
أما‭ ‬الرئيس‭ ‬الأميركي‭ ‬دونالد‭ ‬ترمب‭ ‬فقد‭ ‬أبدى‭ ‬تردداً‭ ‬في‭ ‬استخدام‭ ‬الاحتياطي‭ ‬الأميركي،‭ ‬واعتبر‭ ‬هو‭ ‬ووزير‭ ‬الطاقة‭ ‬كريس‭ ‬رايت‭ ‬أن‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬الطاقة‭ ‬الحالي‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬مؤقتاً‭.‬
وفي‭ ‬آسيا،‭ ‬بدأت‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬بالفعل‭ ‬اتخاذ‭ ‬خطوات‭ ‬احترازية‭. ‬فقد‭ ‬وجهت‭ ‬اليابان‭ ‬قواعد‭ ‬تخزين‭ ‬النفط‭ ‬لديها‭ ‬لبدء‭ ‬الاستعدادات‭ ‬لاحتمال‭ ‬السحب‭ ‬من‭ ‬المخزون،‭ ‬وفق‭ ‬ما‭ ‬ذكرته‭ ‬صحيفة‭ ‬‮«‬نيكاي‮»‬،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬قالت‭ ‬الحكومة‭ ‬اليابانية‭ ‬إنها‭ ‬لم‭ ‬تتخذ‭ ‬قراراً‭ ‬نهائياً‭ ‬بعد‭.‬
أما‭ ‬الهند،‭ ‬ثالث‭ ‬أكبر‭ ‬مستورد‭ ‬للنفط‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬فأعلنت‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬تخطط‭ ‬حالياً‭ ‬للسحب‭ ‬من‭ ‬احتياطياتها‭ ‬النفطية‭.‬

لماذا‭ ‬تتردد‭ ‬إدارة‭ ‬ترمب‭ ‬في‭ ‬استخدام‭ ‬الاحتياطي؟

يعود‭ ‬تردد‭ ‬إدارة‭ ‬ترمب‭ ‬في‭ ‬الإفراج‭ ‬عن‭ ‬النفط‭ ‬من‭ ‬الاحتياطي‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬إلى‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬العوامل‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والسياسية‭ ‬واللوجستية‭.‬
فمن‭ ‬ناحية،‭ ‬يرى‭ ‬بعض‭ ‬المسؤولين‭ ‬أن‭ ‬الأسواق‭ ‬لا‭ ‬تعاني‭ ‬نقصاً‭ ‬حقيقياً‭ ‬في‭ ‬الإمدادات‭ ‬حالياً،‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬استمرار‭ ‬الإنتاج‭ ‬الأميركي‭ ‬القوي‭ ‬من‭ ‬النفط‭ ‬الصخري‭.‬
وقال‭ ‬وزير‭ ‬الطاقة‭ ‬الأميركي‭ ‬كريس‭ ‬رايت‭ ‬إن‭ ‬‮«‬الأسواق‭ ‬لا‭ ‬تعاني‭ ‬نقصاً‭ ‬في‭ ‬الإمدادات‮»‬‭ ‬بفضل‭ ‬الإنتاج‭ ‬الأميركي‭ ‬المتنامي،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أشار‭ ‬المدير‭ ‬التنفيذي‭ ‬لوكالة‭ ‬الطاقة‭ ‬الدولية‭ ‬فاتح‭ ‬بيرول‭ ‬إلى‭ ‬وجود‭ ‬‮«‬فائض‭ ‬ضخم‮»‬‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬العالمية‭.‬
ومن‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى،‭ ‬يحمل‭ ‬القرار‭ ‬أبعاداً‭ ‬سياسية‭. ‬فقد‭ ‬أمضى‭ ‬الرئيس‭ ‬ترمب‭ ‬والعديد‭ ‬من‭ ‬الجمهوريين‭ ‬سنوات‭ ‬في‭ ‬انتقاد‭ ‬إدارة‭ ‬بايدن‭ ‬بسبب‭ ‬استخدامها‭ ‬الاحتياطي‭ ‬النفطي‭ ‬لخفض‭ ‬أسعار‭ ‬الوقود،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬أي‭ ‬قرار‭ ‬مماثل‭ ‬عرضة‭ ‬لانتقادات‭ ‬سياسية‭ ‬من‭ ‬الحزب‭ ‬الديمقراطي‭.‬
كما‭ ‬توجد‭ ‬تحديات‭ ‬لوجستية،‭ ‬إذ‭ ‬تسعى‭ ‬الإدارة‭ ‬الحالية‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬ملء‭ ‬الاحتياطي‭ ‬النفطي‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تراجع‭ ‬إلى‭ ‬أدنى‭ ‬مستوياته‭ ‬منذ‭ ‬عقود‭. ‬ويواجه‭ ‬هذا‭ ‬المسعى‭ ‬صعوبات‭ ‬لأن‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬للاحتياطي‭ ‬ليست‭ ‬مصممة‭ ‬لاستقبال‭ ‬النفط‭ ‬وإخراجه‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭.‬
إضافة‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬تشير‭ ‬تقارير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬عمليات‭ ‬السحب‭ ‬الكبيرة‭ ‬التي‭ ‬جرت‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬أثرت‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬منشآت‭ ‬التخزين،‭ ‬ما‭ ‬يتطلب‭ ‬أعمال‭ ‬صيانة‭ ‬وإصلاح‭.‬

متى‭ ‬يمكن‭ ‬للرئيس‭ ‬الأميركي
‭ ‬الإفراج‭ ‬عن‭ ‬الاحتياطي؟

ينظم‭ ‬قانون‭ ‬صدر‭ ‬عام‭ ‬1975‭ ‬إنشاء‭ ‬الاحتياطي‭ ‬النفطي‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬الأميركي‭ ‬ويحدد‭ ‬الظروف‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬فيها‭ ‬الإفراج‭ ‬عنه‭.‬
ويمنح‭ ‬القانون‭ ‬الرئيس‭ ‬سلطة‭ ‬إصدار‭ ‬أمر‭ ‬بسحب‭ ‬كامل‭ ‬من‭ ‬الاحتياطي‭ ‬إذا‭ ‬حدث‭ ‬‮«‬انقطاع‭ ‬حاد‭ ‬في‭ ‬إمدادات‭ ‬الطاقة‮»‬‭ ‬يهدد‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬أو‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأميركي‭.‬
كما‭ ‬يسمح‭ ‬بسحب‭ ‬محدود‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬30‭ ‬مليون‭ ‬برميل‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬حدوث‭ ‬نقص‭ ‬كبير‭ ‬أو‭ ‬طويل‭ ‬الأمد‭ ‬في‭ ‬الإمدادات‭ ‬المحلية‭ ‬أو‭ ‬العالمية‭.‬

تاريخ‭ ‬استخدام‭ ‬الاحتياطي‭ ‬الأميركي

لم‭ ‬يتم‭ ‬استخدام‭ ‬الاحتياطي‭ ‬النفطي‭ ‬الأميركي‭ ‬بشكل‭ ‬متكرر‭ ‬عبر‭ ‬التاريخ‭.‬
ففي‭ ‬عام‭ ‬1991،‭ ‬أطلقت‭ ‬إدارة‭ ‬جورج‭ ‬بوش‭ ‬الأب‭ ‬نحو‭ ‬17‭ ‬مليون‭ ‬برميل‭ ‬خلال‭ ‬حرب‭ ‬الخليج‭ ‬الأولى‭.‬
وفي‭ ‬عام‭ ‬2005،‭ ‬أفرج‭ ‬الرئيس‭ ‬جورج‭ ‬بوش‭ ‬الابن‭ ‬عن‭ ‬نحو‭ ‬11‭ ‬مليون‭ ‬برميل‭ ‬بعد‭ ‬إعصار‭ ‬كاترينا‭ ‬الذي‭ ‬ضرب‭ ‬منشآت‭ ‬النفط‭ ‬في‭ ‬خليج‭ ‬المكسيك‭.‬
كما‭ ‬أطلق‭ ‬الرئيس‭ ‬باراك‭ ‬أوباما‭ ‬30‭ ‬مليون‭ ‬برميل‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2011‭ ‬ضمن‭ ‬جهد‭ ‬دولي‭ ‬لمواجهة‭ ‬اضطرابات‭ ‬الإمدادات‭ ‬من‭ ‬ليبيا‭.‬
أما‭ ‬الرئيس‭ ‬جو‭ ‬بايدن‭ ‬فقد‭ ‬استخدم‭ ‬الاحتياطي‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭ ‬في‭ ‬عامي‭ ‬2021‭ ‬و2022،‭ ‬إذ‭ ‬تم‭ ‬الإفراج‭ ‬عن‭ ‬مئات‭ ‬الملايين‭ ‬من‭ ‬البراميل‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬لخفض‭ ‬أسعار‭ ‬الوقود‭.‬

صعوبات‭ ‬إعادة‭ ‬ملء‭ ‬المخزون

تعهد‭ ‬الرئيس‭ ‬ترمب‭ ‬بإعادة‭ ‬ملء‭ ‬الاحتياطي‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬‮«‬عن‭ ‬آخره‮»‬،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬تحقيق‭ ‬هذا‭ ‬الهدف‭ ‬يواجه‭ ‬عقبات‭ ‬مالية‭ ‬وسياسية‭.‬
فعندما‭ ‬كانت‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬نحو‭ ‬68‭ ‬دولاراً‭ ‬للبرميل‭ ‬في‭ ‬مارس‭ ‬الماضي،‭ ‬قدّر‭ ‬وزير‭ ‬الطاقة‭ ‬أن‭ ‬إعادة‭ ‬ملء‭ ‬الاحتياطي‭ ‬قد‭ ‬تكلف‭ ‬نحو‭ ‬20‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭.‬
لكن‭ ‬الكونغرس‭ ‬خصص‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬171‭ ‬مليون‭ ‬دولار‭ ‬فقط‭ ‬لشراء‭ ‬النفط‭ ‬الخام،‭ ‬وهو‭ ‬مبلغ‭ ‬يكفي‭ ‬لشراء‭ ‬نحو‭ ‬مليون‭ ‬برميل‭ ‬فقط‭.‬
ولهذا‭ ‬السبب،‭ ‬تبحث‭ ‬الإدارة‭ ‬الأميركية‭ ‬عن‭ ‬‮«‬طرق‭ ‬مبتكرة‮»‬‭ ‬لإعادة‭ ‬ملء‭ ‬الاحتياطي،‭ ‬مثل‭ ‬استخدام‭ ‬اتفاقيات‭ ‬الملكية‭ ‬العينية،‭ ‬حيث‭ ‬تحصل‭ ‬الحكومة‭ ‬على‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬من‭ ‬الشركات‭ ‬المنتجة‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬العوائد‭ ‬النقدية‭ ‬من‭ ‬الموارد‭ ‬الفيدرالية‭.‬

وكالة‭ ‬الطاقة‭ ‬تدرس‭ ‬سحباً‭ ‬قياسياً

في‭ ‬خضم‭ ‬هذه‭ ‬التطورات،‭ ‬أفادت‭ ‬صحيفة‭ ‬وول‭ ‬ستريت‭ ‬جورنال‭ ‬أن‭ ‬وكالة‭ ‬الطاقة‭ ‬الدولية‭ ‬تدرس‭ ‬تنفيذ‭ ‬أكبر‭ ‬عملية‭ ‬سحب‭ ‬من‭ ‬الاحتياطيات‭ ‬النفطية‭ ‬في‭ ‬تاريخها‭.‬
ووفق‭ ‬التقرير،‭ ‬فإن‭ ‬المقترح‭ ‬يتجاوز‭ ‬182‭ ‬مليون‭ ‬برميل،‭ ‬وهي‭ ‬الكمية‭ ‬التي‭ ‬ضختها‭ ‬الدول‭ ‬الأعضاء‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬عام‭ ‬2022‭ ‬بعد‭ ‬الغزو‭ ‬الروسي‭ ‬لأوكرانيا‭.‬
وقد‭ ‬أدى‭ ‬نشر‭ ‬هذه‭ ‬الأنباء‭ ‬إلى‭ ‬تراجع‭ ‬مكاسب‭ ‬أسعار‭ ‬النفط،‭ ‬إذ‭ ‬تخلى‭ ‬خام‭ ‬برنت‭ ‬عن‭ ‬ارتفاع‭ ‬سابق‭ ‬بلغ‭ ‬نحو‭ ‬4‭ % ‬ليتذبذب‭ ‬قرب‭ ‬88‭ ‬دولاراً‭ ‬للبرميل‭.‬

تأثير‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬أسواق‭ ‬النفط

أدت‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬والإغلاق‭ ‬شبه‭ ‬الكامل‭ ‬لمضيق‭ ‬هرمز‭ ‬إلى‭ ‬تعطيل‭ ‬جزء‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الإمدادات‭ ‬النفطية‭ ‬العالمية‭.‬
فقد‭ ‬خفضت‭ ‬بعض‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬إنتاجها،‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬فقدان‭ ‬نحو‭ ‬6‭% ‬من‭ ‬الإنتاج‭ ‬العالمي‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭.‬
كما‭ ‬علقت‭ ‬ملايين‭ ‬البراميل‭ ‬من‭ ‬النفط‭ ‬والوقود‭ ‬على‭ ‬متن‭ ‬ناقلات‭ ‬غير‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬عبور‭ ‬المضيق،‭ ‬بعد‭ ‬تعرض‭ ‬السفن‭ ‬لهجمات‭ ‬وتشويش‭ ‬في‭ ‬أنظمة‭ ‬الملاحة‭.‬

اضطراب‭ ‬أسواق‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي

لم‭ ‬يقتصر‭ ‬تأثير‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬النفط‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬امتد‭ ‬إلى‭ ‬أسواق‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال‭.‬
فقد‭ ‬أدى‭ ‬إغلاق‭ ‬منشأة‭ ‬رأس‭ ‬لفان‭ ‬في‭ ‬قطر‭ ‬–‭ ‬أكبر‭ ‬مركز‭ ‬لتصدير‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬–‭ ‬إلى‭ ‬تعطيل‭ ‬نحو‭ ‬20‭%‬‭ ‬من‭ ‬الإمدادات‭ ‬العالمية‭.‬
كما‭ ‬توقفت‭ ‬محطة‭ ‬أصغر‭ ‬لتصدير‭ ‬الغاز‭ ‬في‭ ‬أبوظبي‭ ‬عن‭ ‬العمل‭.‬
وبحسب‭ ‬بيانات‭ ‬تتبع‭ ‬السفن،‭ ‬تم‭ ‬تحويل‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬شحنات‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬متجهة‭ ‬إلى‭ ‬أوروبا‭ ‬نحو‭ ‬آسيا،‭ ‬حيث‭ ‬ارتفعت‭ ‬الأسعار‭ ‬بسرعة‭.‬
ويرى‭ ‬محللون‭ ‬أن‭ ‬استمرار‭ ‬هذه‭ ‬الاضطرابات‭ ‬لعدة‭ ‬أشهر‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬عجز‭ ‬في‭ ‬الإمدادات‭ ‬العالمية،‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬اقتراب‭ ‬فصل‭ ‬الصيف‭ ‬وزيادة‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬الكهرباء‭ ‬والتبريد‭.‬

منافسة‭ ‬عالمية‭ ‬على‭ ‬الطاقة

تواجه‭ ‬أوروبا‭ ‬حاجة‭ ‬ملحة‭ ‬لإعادة‭ ‬ملء‭ ‬مخزونات‭ ‬الغاز‭ ‬التي‭ ‬استنزفت‭ ‬خلال‭ ‬الشتاء‭ ‬الماضي،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تستعد‭ ‬آسيا‭ ‬لارتفاع‭ ‬الطلب‭ ‬بسبب‭ ‬الطقس‭ ‬الحار‭.‬
وقد‭ ‬أدى‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬منافسة‭ ‬حادة‭ ‬بين‭ ‬القارتين‭ ‬على‭ ‬شحنات‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال،‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬الأسعار‭ ‬إلى‭ ‬الارتفاع‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭.‬
ويقول‭ ‬محللون‭ ‬إن‭ ‬استمرار‭ ‬الأزمة‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬موجة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬التضخم‭ ‬العالمي،‭ ‬مع‭ ‬ارتفاع‭ ‬تكاليف‭ ‬الطاقة‭ ‬والنقل‭ ‬والإنتاج‭.‬

سوق‭ ‬الطاقة‭ ‬في‭ ‬ضباب‭ ‬الحرب

في‭ ‬ظل‭ ‬هذه‭ ‬التطورات‭ ‬المتسارعة،‭ ‬يرى‭ ‬المتعاملون‭ ‬أن‭ ‬أسواق‭ ‬الطاقة‭ ‬أصبحت‭ ‬تتحرك‭ ‬وسط‭ ‬‮«‬ضباب‭ ‬الحرب‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬تدفع‭ ‬العناوين‭ ‬الإخبارية‭ ‬اليومية‭ ‬إلى‭ ‬تقلبات‭ ‬حادة‭ ‬في‭ ‬الأسعار‭.‬
وقالت‭ ‬ريبيكا‭ ‬بابين،‭ ‬المتداولة‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬الطاقة‭ ‬لدى‭ ‬‮«‬سي‭ ‬آي‭ ‬بي‭ ‬سي‭ ‬برايفت‭ ‬ويلث‭ ‬غروب‮»‬،‭ ‬إن‭ ‬السوق‭ ‬تتفاعل‭ ‬مع‭ ‬الأحداث‭ ‬لحظة‭ ‬بلحظة‭.‬
وأضافت‭ ‬أن‭ ‬‮«‬التقلبات‭ ‬الشديدة‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬تعكس‭ ‬حالة‭ ‬عدم‭ ‬اليقين‭ ‬غير‭ ‬المسبوقة‭ ‬بشأن‭ ‬مسار‭ ‬الصراع‭ ‬وتأثيره‭ ‬في‭ ‬إمدادات‭ ‬الطاقة‭ ‬العالمية‮»‬‭.‬

رجوع لأعلى