العالم يدرس السحب من الاحتياطيات لاحتواء أزمة الطاقة
مع اتساع رقعة الحرب في الشرق الأوسط وتعطل جزء متزايد من صادرات الطاقة من الخليج العربي، تتجه أنظار الأسواق والحكومات العالمية نحو خط الدفاع الأخير ضد صدمات الأسعار: مخزونات النفط الاستراتيجية التي أنشأتها الدول الصناعية منذ سبعينيات القرن الماضي لحماية الاقتصاد العالمي من أزمات الطاقة.
ففي الوقت الذي تتقلب فيه أسعار النفط بقوة وتتزايد المخاوف من اختناقات في الإمدادات، بدأت الحكومات الكبرى تدرس إمكانية اللجوء إلى هذه الاحتياطيات الطارئة لتخفيف الضغوط على الأسواق. ويأتي ذلك بينما تتزايد الضغوط السياسية والاقتصادية على صناع القرار، خصوصاً في الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا، مع ارتفاع أسعار الوقود وتزايد المخاوف التضخمية.
ويرى محللون أن مخزونات الطوارئ النفطية أصبحت أداة محورية لإدارة الأزمات الجيوسياسية في أسواق الطاقة، إلا أن استخدامها في ظل الأزمة الحالية يثير تساؤلات كبيرة حول قدرتها على تعويض أي انقطاع واسع في صادرات النفط من الخليج.
مخزونات ضخمة ولكنها محدودة
تمتلك الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية، وعددها 32 دولة، ما لا يقل عن 1.2 مليار برميل من النفط في مخزونات الطوارئ العامة، وفق بيانات الوكالة التي تتخذ من باريس مقراً لها وتشرف على عمليات السحب المنسق من هذه الاحتياطيات في حالات الطوارئ.
وقد لعبت هذه المخزونات دوراً مهماً في مواجهة اضطرابات الطاقة خلال العقود الماضية، إذ نسّقت الوكالة خمس عمليات إفراج كبيرة من الاحتياطيات. وكان أولها خلال حرب الخليج الأولى عام 1991، ثم بعد إعصاري «كاترينا» و«ريتا» في الولايات المتحدة عام 2005، وبعد اندلاع الحرب الأهلية في ليبيا عام 2011. كما تم استخدام هذه الاحتياطيات مرتين في عام 2022 في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا.
وتعد الولايات المتحدة صاحبة أكبر مخزون نفطي استراتيجي في العالم، إذ تحتفظ بالنفط في أربعة مواقع عالية الحماية على طول ساحل خليج المكسيك، داخل كهوف ضخمة محفورة في طبقات الملح تحت الأرض.
وتبلغ الطاقة الاستيعابية لهذه المواقع أكثر من 700 مليون برميل من النفط، إلا أن حجم المخزون الفعلي حالياً يبلغ نحو 415 مليون برميل فقط، أي ما يعادل نحو 60% من القدرة القصوى، وذلك بعد عمليات السحب القياسية التي جرت في عهد الرئيس السابق جو بايدن عقب الحرب الروسية على أوكرانيا.
في المقابل، تشير تقديرات مركز سياسات الطاقة العالمية في جامعة كولومبيا إلى أن الصين – أكبر مستورد للنفط في العالم – قد كوّنت خلال السنوات الماضية مخزوناً استراتيجياً ضخماً يقدر بنحو 1.4 مليار برميل من النفط الخام، ما يمنحها قدرة أكبر على امتصاص صدمات الإمدادات.
نقاش عالمي حول اللجوء للاحتياطيات
رغم امتلاك هذه المخزونات الضخمة، فإن القرار باستخدامها ليس سهلاً، إذ يتطلب توازناً دقيقاً بين الاعتبارات الاقتصادية والسياسية.
ففي 9 مارس، أعلن وزراء مالية مجموعة السبع أنهم لم يصلوا بعد إلى مرحلة اتخاذ قرار بالإفراج عن النفط من الاحتياطيات الاستراتيجية، لكنهم أكدوا استعدادهم للقيام بذلك إذا تفاقمت أزمة الإمدادات.
أما الرئيس الأميركي دونالد ترمب فقد أبدى تردداً في استخدام الاحتياطي الأميركي، واعتبر هو ووزير الطاقة كريس رايت أن ارتفاع أسعار الطاقة الحالي قد يكون مؤقتاً.
وفي آسيا، بدأت بعض الدول بالفعل اتخاذ خطوات احترازية. فقد وجهت اليابان قواعد تخزين النفط لديها لبدء الاستعدادات لاحتمال السحب من المخزون، وفق ما ذكرته صحيفة «نيكاي»، في حين قالت الحكومة اليابانية إنها لم تتخذ قراراً نهائياً بعد.
أما الهند، ثالث أكبر مستورد للنفط في العالم، فأعلنت أنها لا تخطط حالياً للسحب من احتياطياتها النفطية.
لماذا تتردد إدارة ترمب في استخدام الاحتياطي؟
يعود تردد إدارة ترمب في الإفراج عن النفط من الاحتياطي الاستراتيجي إلى مجموعة من العوامل الاقتصادية والسياسية واللوجستية.
فمن ناحية، يرى بعض المسؤولين أن الأسواق لا تعاني نقصاً حقيقياً في الإمدادات حالياً، خاصة مع استمرار الإنتاج الأميركي القوي من النفط الصخري.
وقال وزير الطاقة الأميركي كريس رايت إن «الأسواق لا تعاني نقصاً في الإمدادات» بفضل الإنتاج الأميركي المتنامي، في حين أشار المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول إلى وجود «فائض ضخم» في السوق العالمية.
ومن ناحية أخرى، يحمل القرار أبعاداً سياسية. فقد أمضى الرئيس ترمب والعديد من الجمهوريين سنوات في انتقاد إدارة بايدن بسبب استخدامها الاحتياطي النفطي لخفض أسعار الوقود، ما يجعل أي قرار مماثل عرضة لانتقادات سياسية من الحزب الديمقراطي.
كما توجد تحديات لوجستية، إذ تسعى الإدارة الحالية إلى إعادة ملء الاحتياطي النفطي بعد أن تراجع إلى أدنى مستوياته منذ عقود. ويواجه هذا المسعى صعوبات لأن البنية التحتية للاحتياطي ليست مصممة لاستقبال النفط وإخراجه في الوقت نفسه.
إضافة إلى ذلك، تشير تقارير إلى أن عمليات السحب الكبيرة التي جرت في السنوات الأخيرة أثرت في بعض منشآت التخزين، ما يتطلب أعمال صيانة وإصلاح.
متى يمكن للرئيس الأميركي
الإفراج عن الاحتياطي؟
ينظم قانون صدر عام 1975 إنشاء الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأميركي ويحدد الظروف التي يمكن فيها الإفراج عنه.
ويمنح القانون الرئيس سلطة إصدار أمر بسحب كامل من الاحتياطي إذا حدث «انقطاع حاد في إمدادات الطاقة» يهدد الأمن القومي أو الاقتصاد الأميركي.
كما يسمح بسحب محدود يصل إلى 30 مليون برميل في حال حدوث نقص كبير أو طويل الأمد في الإمدادات المحلية أو العالمية.
تاريخ استخدام الاحتياطي الأميركي
لم يتم استخدام الاحتياطي النفطي الأميركي بشكل متكرر عبر التاريخ.
ففي عام 1991، أطلقت إدارة جورج بوش الأب نحو 17 مليون برميل خلال حرب الخليج الأولى.
وفي عام 2005، أفرج الرئيس جورج بوش الابن عن نحو 11 مليون برميل بعد إعصار كاترينا الذي ضرب منشآت النفط في خليج المكسيك.
كما أطلق الرئيس باراك أوباما 30 مليون برميل في عام 2011 ضمن جهد دولي لمواجهة اضطرابات الإمدادات من ليبيا.
أما الرئيس جو بايدن فقد استخدم الاحتياطي على نطاق غير مسبوق في عامي 2021 و2022، إذ تم الإفراج عن مئات الملايين من البراميل في محاولة لخفض أسعار الوقود.
صعوبات إعادة ملء المخزون
تعهد الرئيس ترمب بإعادة ملء الاحتياطي الاستراتيجي «عن آخره»، إلا أن تحقيق هذا الهدف يواجه عقبات مالية وسياسية.
فعندما كانت أسعار النفط نحو 68 دولاراً للبرميل في مارس الماضي، قدّر وزير الطاقة أن إعادة ملء الاحتياطي قد تكلف نحو 20 مليار دولار.
لكن الكونغرس خصص حتى الآن 171 مليون دولار فقط لشراء النفط الخام، وهو مبلغ يكفي لشراء نحو مليون برميل فقط.
ولهذا السبب، تبحث الإدارة الأميركية عن «طرق مبتكرة» لإعادة ملء الاحتياطي، مثل استخدام اتفاقيات الملكية العينية، حيث تحصل الحكومة على النفط والغاز من الشركات المنتجة بدلاً من العوائد النقدية من الموارد الفيدرالية.
وكالة الطاقة تدرس سحباً قياسياً
في خضم هذه التطورات، أفادت صحيفة وول ستريت جورنال أن وكالة الطاقة الدولية تدرس تنفيذ أكبر عملية سحب من الاحتياطيات النفطية في تاريخها.
ووفق التقرير، فإن المقترح يتجاوز 182 مليون برميل، وهي الكمية التي ضختها الدول الأعضاء في الأسواق عام 2022 بعد الغزو الروسي لأوكرانيا.
وقد أدى نشر هذه الأنباء إلى تراجع مكاسب أسعار النفط، إذ تخلى خام برنت عن ارتفاع سابق بلغ نحو 4 % ليتذبذب قرب 88 دولاراً للبرميل.
تأثير الحرب على أسواق النفط
أدت الحرب في الشرق الأوسط والإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز إلى تعطيل جزء كبير من الإمدادات النفطية العالمية.
فقد خفضت بعض دول الخليج إنتاجها، ما أدى إلى فقدان نحو 6% من الإنتاج العالمي حتى الآن.
كما علقت ملايين البراميل من النفط والوقود على متن ناقلات غير قادرة على عبور المضيق، بعد تعرض السفن لهجمات وتشويش في أنظمة الملاحة.
اضطراب أسواق الغاز الطبيعي
لم يقتصر تأثير الحرب على النفط فقط، بل امتد إلى أسواق الغاز الطبيعي المسال.
فقد أدى إغلاق منشأة رأس لفان في قطر – أكبر مركز لتصدير الغاز الطبيعي المسال في العالم – إلى تعطيل نحو 20% من الإمدادات العالمية.
كما توقفت محطة أصغر لتصدير الغاز في أبوظبي عن العمل.
وبحسب بيانات تتبع السفن، تم تحويل عدد من شحنات الغاز الطبيعي المسال التي كانت متجهة إلى أوروبا نحو آسيا، حيث ارتفعت الأسعار بسرعة.
ويرى محللون أن استمرار هذه الاضطرابات لعدة أشهر قد يؤدي إلى عجز في الإمدادات العالمية، خاصة مع اقتراب فصل الصيف وزيادة الطلب على الكهرباء والتبريد.
منافسة عالمية على الطاقة
تواجه أوروبا حاجة ملحة لإعادة ملء مخزونات الغاز التي استنزفت خلال الشتاء الماضي، في حين تستعد آسيا لارتفاع الطلب بسبب الطقس الحار.
وقد أدى ذلك إلى منافسة حادة بين القارتين على شحنات الغاز الطبيعي المسال، ما دفع الأسعار إلى الارتفاع بشكل كبير.
ويقول محللون إن استمرار الأزمة قد يؤدي إلى موجة جديدة من التضخم العالمي، مع ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والإنتاج.
سوق الطاقة في ضباب الحرب
في ظل هذه التطورات المتسارعة، يرى المتعاملون أن أسواق الطاقة أصبحت تتحرك وسط «ضباب الحرب»، حيث تدفع العناوين الإخبارية اليومية إلى تقلبات حادة في الأسعار.
وقالت ريبيكا بابين، المتداولة في قطاع الطاقة لدى «سي آي بي سي برايفت ويلث غروب»، إن السوق تتفاعل مع الأحداث لحظة بلحظة.
وأضافت أن «التقلبات الشديدة في أسعار النفط تعكس حالة عدم اليقين غير المسبوقة بشأن مسار الصراع وتأثيره في إمدادات الطاقة العالمية».