العملات المشفرة تتراجع مع انحسار شهية المخاطرة
انخفضت العملات المشفرة بصورة جماعية خلال تعاملات الخميس، في جلسة اتسمت بعودة الضغوط البيعية إلى الأصول عالية المخاطر، بعدما بددت تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترامب جزءاً كبيراً من الآمال التي كانت تراهن على اقتراب نهاية الصراع العسكري مع إيران، وهو ما دفع المستثمرين إلى تقليص انكشافهم على الأصول الأكثر حساسية للتقلبات الجيوسياسية.
وجاء هذا التراجع في وقت كانت فيه الأسواق العالمية تحاول التقاط إشارات أكثر وضوحًا بشأن المسار السياسي والعسكري في الشرق الأوسط، إلا أن الرسائل الأخيرة الصادرة من البيت الأبيض أعادت حالة عدم اليقين إلى التداولات، ودفعت المستثمرين إلى إعادة تقييم مراكزهم في الأسهم والعملات المشفرة والسلع في آن واحد.
وفي هذا السياق، بدت العملات الرقمية من بين أكثر الأصول تأثراً، نظراً لطبيعتها المرتبطة بدرجة عالية بشهية المخاطرة، وكونها غالباً ما تتحرك بسرعة أكبر من الأسهم التقليدية عند صعود أو تراجع المعنويات.
ضغوط البيتكوين
وتراجعت البيتكوين، أكبر العملات المشفرة من حيث القيمة السوقية، بنسبة 2.19 % لتصل إلى نحو 66.649 ألف دولار، في حركة تعكس بوضوح تراجع الطلب على الأصول الرقمية بعد موجة من الحذر سادت السوق.
ورغم أن البيتكوين كانت قد أظهرت في فترات سابقة قدرة نسبية على الصمود أمام بعض الصدمات السياسية، فإن جلسة الخميس أكدت أن العملة المشفرة لا تزال تتأثر سريعاً عندما تتراجع شهية المستثمرين العالمية، خصوصاً إذا ارتبطت هذه التراجعات بتصريحات سياسية مفاجئة أو بتغير سريع في توقعات السوق.
ويعكس هذا الأداء أيضاً أن البيتكوين، رغم محاولات بعض المستثمرين تقديمها كأصل مستقل أو بديل عن الأصول التقليدية، لا تزال في كثير من الأحيان تُتداول فعلياً باعتبارها جزءاً من سلة الأصول ذات المخاطر المرتفعة، لا كملاذ دفاعي في أوقات التوتر.
خسائر الإيثريوم
أما الإيثريوم، ثاني أكبر العملات المشفرة من حيث القيمة السوقية، فقد تعرضت لضغوط أكبر نسبياً، مع هبوطها بنحو 4.14 % لتسجل حوالي 2049.9 دولار، في إشارة إلى أن الضغوط البيعية لم تكن محصورة فقط في العملة الأكبر، بل امتدت إلى مجمل السوق الرقمية.
وغالبًا ما تكون الإيثريوم أكثر حساسية من البيتكوين في فترات التراجع، نظراً لارتباطها بشريحة واسعة من التطبيقات والمشروعات الرقمية التي ترتبط مباشرة بتدفقات السيولة والمضاربات على النمو المستقبلي. وعندما تتراجع شهية المخاطرة، تصبح العملات المرتبطة بهذا النوع من الرهانات أكثر عرضة للبيع السريع.
كما أن تراجع الإيثريوم بهذا الحجم يعكس أن المستثمرين لم يكتفوا بتقليص مراكزهم في الأصول الكبرى فقط، بل اتجهوا إلى خفض انكشافهم على السوق الرقمية بأكملها، في ظل غياب محفزات قوية قادرة على امتصاص أثر القلق الجيوسياسي.
تراجع الريبل
ولم تكن الريبل بمنأى عن موجة الخسائر، إذ انخفضت بنحو 2.35 % لتصل إلى 1.3163 دولار، لتؤكد أن الضغوط البيعية شملت طيفاً واسعاً من العملات المشفرة الرئيسية، وليس فقط العملات ذات الرسملة الأعلى.
ويشير هذا الأداء إلى أن السوق الرقمية ككل تعرضت لحالة من إعادة التسعير السريعة، مدفوعة ليس فقط بالعامل السياسي، بل أيضاً بحالة الترقب التي تسيطر على المستثمرين بشأن ما إذا كانت التوترات الحالية ستتجه نحو الاحتواء أو نحو مزيد من التصعيد.
وفي مثل هذه البيئات، تميل السيولة إلى الخروج أولاً من الأصول التي ترتبط بشكل أوضح بالمضاربة، قبل أن تعود تدريجياً عندما تستقر الصورة العامة. ولهذا، فإن تراجع الريبل جاء منسجماً مع المزاج العام الذي سيطر على السوق خلال الجلسة.
تأثير ترامب
المحرك الرئيسي لهذا التحول في المعنويات كان مرتبطاً بتصريحات ترامب، التي قلصت الرهان على نهاية وشيكة للصراع مع إيران، وأعادت إلى الواجهة سيناريو استمرار التوتر أو امتداده لفترة أطول مما كانت تتوقعه بعض دوائر السوق.
وتُظهر التجربة الحديثة للأسواق أن المستثمرين باتوا يتفاعلون بسرعة شديدة مع أي تطور في الخطاب السياسي الأميركي، خصوصًا إذا كان يتعلق بالحرب أو بأسواق الطاقة أو بمخاطر أوسع قد تمتد إلى النمو العالمي. وفي حالة الأصول الرقمية، تكون الاستجابة أكثر حدة لأن هذه السوق تعتمد بدرجة كبيرة على السيولة والمعنويات والتدفقات المضاربية.
ولذلك، فإن ما حدث في جلسة الخميس لم يكن مجرد تراجع فني عابر، بل عكس بوضوح كيف يمكن لتصريح سياسي واحد أن يغير اتجاهات السوق خلال ساعات، خصوصًا في بيئة مشبعة بالتوتر وعدم اليقين.
ارتباط الأسهم
وفي هذا الإطار، أوضحت كارولين مورون، الشريك المؤسس لشركة أوربت ماركتس، أن أسواق الأسهم والسلع لا تزال تشهد تقلبات حادة تبعاً لتصريحات ترامب الأخيرة بشأن التطورات الجيوسياسية، مشيرة إلى أن البيتكوين تتبع إلى حد كبير اتجاه الأسهم، رغم أنها أظهرت خلال الأسابيع الماضية حساسية أقل نسبياً تجاه الأخبار.
وهذه الملاحظة تعكس نقطة جوهرية في فهم سلوك العملات المشفرة حاليًا: فبدلاً من أن تتحرك كفئة أصول مستقلة بالكامل، فإنها أصبحت في كثير من الأحيان تتحرك بالتوازي مع أسهم النمو والتكنولوجيا، خاصة عندما يكون العامل المسيطر على السوق هو المعنويات العامة لا التطورات الخاصة بالقطاع الرقمي نفسه.
ومن هنا، فإن أي قراءة لاتجاه البيتكوين أو بقية العملات المشفرة لا يمكن فصلها اليوم عن سلوك الأسهم الأميركية، ولا عن المسار العام لشهية المخاطرة عالمياً.