تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العملات‭ ‬المشفرة‭ ‬تحت‭ ‬ضغط‭ ‬الحرب‭ ‬والسيولة

العملات‭ ‬المشفرة‭ ‬تحت‭ ‬ضغط‭ ‬الحرب‭ ‬والسيولة

أنهت‭ ‬العملات‭ ‬المشفرة‭ ‬تداولات‭ ‬الأسبوع‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬تموضع‭ ‬دفاعية‭ ‬منه‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ ‬تراجع‭ ‬عابر،‭ ‬فالبيتكوين،‭ ‬التي‭ ‬حاولت‭ ‬خلال‭ ‬الجلسات‭ ‬الماضية‭ ‬بناء‭ ‬ارتداد‭ ‬قصير‭ ‬بدعم‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬الأخبار‭ ‬الإيجابية‭ ‬والرهان‭ ‬على‭ ‬تهدئة‭ ‬مؤقتة‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬عادت‭ ‬سريعاً‭ ‬إلى‭ ‬مسار‭ ‬الخسائر‭ ‬مع‭ ‬انكشاف‭ ‬هشاشة‭ ‬ذلك‭ ‬التعافي‭ ‬أمام‭ ‬موجة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬النفور‭ ‬من‭ ‬المخاطرة،‭ ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬هبطت‭ ‬البيتكوين‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬‮«‬66‭ ‬ألف‭ ‬دولار‮»‬يوم‭ ‬الجمعة،‭ ‬بينما‭ ‬تراجعت‭ ‬الإيثر‭ ‬أيضاً‭ ‬وتعرضت‭ ‬العملات‭ ‬البديلة‭ ‬لضغوط‭ ‬مماثلة،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬اتجهت‭ ‬فيه‭ ‬السيولة‭ ‬إلى‭ ‬الحذر‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬مطاردة‭ ‬الفرص‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬شديدة‭ ‬التقلب‭ ‬أصلًا‭.‬
ما‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬حالياً‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تفسيره‭ ‬فقط‭ ‬عبر‭ ‬حركة‭ ‬سعرية‭ ‬يومية‭ ‬أو‭ ‬عبر‭ ‬تصفية‭ ‬مضاربات‭ ‬قصيرة‭ ‬الأجل،‭ ‬بل‭ ‬يجب‭ ‬قراءته‭ ‬ضمن‭ ‬ثلاث‭ ‬دوائر‭ ‬ضغط‭ ‬متداخلة‭:‬
●‭ ‬الأولى‭ ‬جيوسياسية،‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالحرب‭ ‬وتداعياتها‭ ‬على‭ ‬شهية‭ ‬المخاطرة‭ ‬عالمياً‭.‬
●‭ ‬والثانية‭ ‬نقدية،‭ ‬مرتبطة‭ ‬باستمرار‭ ‬القلق‭ ‬من‭ ‬التضخم‭ ‬وابتعاد‭ ‬خفض‭ ‬الفائدة‭ ‬السريع‭.‬
●‭ ‬والثالثة‭ ‬فنية،‭ ‬مرتبطة‭ ‬بضغط‭ ‬المشتقات‭ ‬وانتهاء‭ ‬صلاحية‭ ‬عقود‭ ‬خيارات‭ ‬ضخمة‭.‬
واجتماع‭ ‬هذه‭ ‬العوامل‭ ‬في‭ ‬توقيت‭ ‬واحد‭ ‬حوّل‭ ‬نهاية‭ ‬الأسبوع‭ ‬إلى‭ ‬اختبار‭ ‬واضح‭ ‬لقدرة‭ ‬السوق‭ ‬على‭ ‬الصمود‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تدفقات‭ ‬جديدة‭ ‬وقصة‭ ‬صعود‭ ‬مقنعة‭. ‬
ضغوط‭ ‬ماكرو

السبب‭ ‬الأهم‭ ‬وراء‭ ‬ضعف‭ ‬السوق‭ ‬ليس‭ ‬تقنياً‭ ‬بحتاً،‭ ‬بل‭ ‬ماكرو‭ ‬اقتصادي‭ ‬وجيوسياسي‭ ‬بالدرجة‭ ‬الأولى‭. ‬فالحرب‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬دفعت‭ ‬المستثمرين‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭ ‬إلى‭ ‬تقليص‭ ‬الانكشاف‭ ‬على‭ ‬الأصول‭ ‬التي‭ ‬تُصنّف‭ ‬تقليدياً‭ ‬ضمن‭ ‬خانة‭ ‬المخاطرة‭ ‬العالية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬شمل‭ ‬الأسهم‭ ‬التكنولوجية‭ ‬والعملات‭ ‬المشفرة‭ ‬معاً‭. ‬وقد‭ ‬تزامن‭ ‬ذلك‭ ‬مع‭ ‬هبوط‭ ‬حاد‭ ‬في‭ ‬مؤشرات‭ ‬وول‭ ‬ستريت‭ ‬ودخول‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬ناسداك‭ ‬وداو‭ ‬جونز‭ ‬في‭ ‬نطاق‭ ‬التصحيح،‭ ‬بينما‭ ‬ارتفعت‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬بقوة،‭ ‬ما‭ ‬أعاد‭ ‬إحياء‭ ‬مخاوف‭ ‬التضخم‭ ‬وأسهم‭ ‬في‭ ‬تقليص‭ ‬رهانات‭ ‬التيسير‭ ‬النقدي‭. ‬
ومن‭ ‬المهم‭ ‬هنا‭ ‬فهم‭ ‬أن‭ ‬العملات‭ ‬المشفرة‭ ‬لا‭ ‬تتحرك‭ ‬في‭ ‬فراغ،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬حافظت‭ ‬على‭ ‬سردية‭ ‬‮«‬الاستقلال‮»‬‭ ‬عن‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬التقليدي‭. ‬فعندما‭ ‬ترتفع‭ ‬أسعار‭ ‬الطاقة،‭ ‬وتتدهور‭ ‬معنويات‭ ‬المستهلكين،‭ ‬وتتشدد‭ ‬التوقعات‭ ‬بشأن‭ ‬الفائدة،‭ ‬فإن‭ ‬البيئة‭ ‬العامة‭ ‬تصبح‭ ‬أقل‭ ‬ملاءمة‭ ‬بكثير‭ ‬للأصول‭ ‬المضاربية‭. ‬وقد‭ ‬أظهرت‭ ‬بيانات‭ ‬ثقة‭ ‬المستهلك‭ ‬الأميركي‭ ‬في‭ ‬مارس‭ ‬تراجع‭ ‬المؤشر‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬53‭.‬3‭ ‬نقطة‮»‬‭ ‬مع‭ ‬ارتفاع‭ ‬توقعات‭ ‬التضخم‭ ‬لعام‭ ‬واحد‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬3‭.‬8‭ %‬‮»‬،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أشار‭ ‬مسؤولو‭ ‬الاحتياطي‭ ‬الفيدرالي‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الغموض‭ ‬الاقتصادي‭ ‬ازداد‭ ‬بسبب‭ ‬الحرب‭ ‬وصدمة‭ ‬النفط،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعزز‭ ‬صورة‭ ‬‮«‬الفائدة‭ ‬المرتفعة‭ ‬لفترة‭ ‬أطول‮»‬‭.‬

خيارات‭ ‬تضغط‭ ‬السوق

إلى‭ ‬جانب‭ ‬هذه‭ ‬الخلفية‭ ‬الكلية‭ ‬الثقيلة،‭ ‬جاء‭ ‬عامل‭ ‬فني‭ ‬بالغ‭ ‬الأهمية‭ ‬ليزيد‭ ‬هشاشة‭ ‬السوق‭: ‬انتهاء‭ ‬صلاحية‭ ‬خيارات‭ ‬بيتكوين‭ ‬بقيمة‭ ‬تقارب‭ ‬14‭.‬16‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬يوم‭ ‬الجمعة،‭ ‬وهي‭ ‬من‭ ‬أكبر‭ ‬دورات‭ ‬الانقضاء‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬على‭ ‬منصة‭ ‬ديريبيت‭. ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الأحداث‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬هبوطاً‭ ‬تلقائياً،‭ ‬لكنه‭ ‬يرفع‭ ‬حساسية‭ ‬السوق‭ ‬للحركة‭ ‬السريعة‭ ‬ويكثّف‭ ‬نشاط‭ ‬التحوط‭ ‬وإعادة‭ ‬ضبط‭ ‬المراكز،‭ ‬خصوصاً‭ ‬عندما‭ ‬يكون‭ ‬السعر‭ ‬الفوري‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬مستويات‭ ‬‮«‬الألم‭ ‬الأعظمي‮»‬‭ ‬التي‭ ‬يراقبها‭ ‬المتداولون‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬الخيارات‭. ‬
في‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬البيئات،‭ ‬يصبح‭ ‬السوق‭ ‬أكثر‭ ‬عرضة‭ ‬لحركات‭ ‬قسرية‭ ‬لا‭ ‬تعكس‭ ‬فقط‭ ‬قناعة‭ ‬المستثمرين،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬‮«‬ميكانيكا‭ ‬المراكز‭ ‬المفتوحة‮»‬‭. ‬فمع‭ ‬اقتراب‭ ‬الانقضاء،‭ ‬تبدأ‭ ‬المؤسسات‭ ‬والمتعاملون‭ ‬في‭ ‬تعديل‭ ‬التحوطات،‭ ‬بينما‭ ‬يضطر‭ ‬المضاربون‭ ‬ذوو‭ ‬الرافعة‭ ‬المالية‭ ‬إلى‭ ‬تقليص‭ ‬مراكزهم‭ ‬بسرعة‭ ‬إذا‭ ‬تحرك‭ ‬السعر‭ ‬عكس‭ ‬اتجاههم‭. ‬ولهذا‭ ‬السبب،‭ ‬رأينا‭ ‬التراجع‭ ‬يتسارع‭ ‬بدل‭ ‬أن‭ ‬يتباطأ،‭ ‬ورأينا‭ ‬الارتداد‭ ‬المبكر‭ ‬يتبخر‭ ‬بسرعة‭ ‬بمجرد‭ ‬عودة‭ ‬القلق‭ ‬الجيوسياسي‭ ‬إلى‭ ‬الواجهة‭. ‬

التصفية‭ ‬القسرية

أحد‭ ‬أبرز‭ ‬مؤشرات‭ ‬هشاشة‭ ‬السوق‭ ‬كان‭ ‬تسارع‭ ‬التسييل‭ ‬القسري‭ ‬لمراكز‭ ‬الشراء‭. ‬فالتقارير‭ ‬الخاصة‭ ‬بحركة‭ ‬التداول‭ ‬أشارت‭ ‬إلى‭ ‬موجات‭ ‬تصفية‭ ‬حادة‭ ‬بعد‭ ‬الهبوط،‭ ‬مع‭ ‬تركّز‭ ‬الخسائر‭ ‬في‭ ‬جانب‭ ‬المراكز‭ ‬الطويلة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يكشف‭ ‬أن‭ ‬جزءاً‭ ‬غير‭ ‬قليل‭ ‬من‭ ‬المتعاملين‭ ‬دخلوا‭ ‬السوق‭ ‬وهم‭ ‬يراهنون‭ ‬على‭ ‬ارتداد‭ ‬سريع‭ ‬لم‭ ‬يصمد‭. ‬وحين‭ ‬تفشل‭ ‬هذه‭ ‬الرهانات‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬متوترة،‭ ‬فإن‭ ‬التحول‭ ‬من‭ ‬التفاؤل‭ ‬إلى‭ ‬البيع‭ ‬يصبح‭ ‬سريعاً‭ ‬وعنيفاً‭. ‬
والأهم‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬التصفية‭ ‬لا‭ ‬يضغط‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬السعر‭ ‬لحظياً،‭ ‬بل‭ ‬يضرب‭ ‬أيضاً‭ ‬‮«‬ثقة‭ ‬المتعاملين‭ ‬قصيري‭ ‬الأجل‮»‬‭. ‬فالسوق‭ ‬التي‭ ‬تتعرض‭ ‬باستمرار‭ ‬لموجات‭ ‬liquidation‭ ‬تفقد‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬جاذبيتها‭ ‬للمضاربين‭ ‬الباحثين‭ ‬عن‭ ‬زخم‭ ‬صاعد‭ ‬نظيف،‭ ‬وتتحول‭ ‬تدريجياً‭ ‬إلى‭ ‬ساحة‭ ‬يتغلب‭ ‬فيها‭ ‬الدفاع‭ ‬على‭ ‬الهجوم‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬نفهم‭ ‬لماذا‭ ‬بدت‭ ‬البيتكوين،‭ ‬رغم‭ ‬محاولات‭ ‬التعافي‭ ‬المتكررة،‭ ‬عاجزة‭ ‬عن‭ ‬استعادة‭ ‬إيقاعها‭ ‬الصعودي‭ ‬خلال‭ ‬الأسبوع‭.‬

البيتكوين‭ ‬ليست‭ ‬ملاذاً‭ ‬الآن

أعادت‭ ‬التطورات‭ ‬الأخيرة‭ ‬طرح‭ ‬سؤال‭ ‬قديم‭ ‬يتكرر‭ ‬كلما‭ ‬تصاعدت‭ ‬الأزمات‭ ‬العالمية‭:‬
●‭ ‬هل‭ ‬البيتكوين‭ ‬ملاذ‭ ‬بديل‭ ‬أم‭ ‬أصل‭ ‬مضاربي‭ ‬شديد‭ ‬الحساسية؟
في‭ ‬الظروف‭ ‬الحالية،‭ ‬يبدو‭ ‬الجواب‭ ‬أوضح‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى‭: ‬‮«‬السوق‭ ‬تتعامل‭ ‬مع‭ ‬البيتكوين‭ ‬كأصل‭ ‬مرتفع‭ ‬المخاطر،‭ ‬لا‭ ‬كملاذ‭ ‬دفاعي‮»‬‭.‬
فعندما‭ ‬تتصاعد‭ ‬الحرب،‭ ‬ويرتفع‭ ‬النفط،‭ ‬وتهبط‭ ‬الأسهم،‭ ‬لا‭ ‬تتدفق‭ ‬السيولة‭ ‬بشكل‭ ‬طبيعي‭ ‬إلى‭ ‬العملات‭ ‬المشفرة‭ ‬كما‭ ‬يروّج‭ ‬بعض‭ ‬أنصارها‭ ‬أحياناً‭. ‬بل‭ ‬يحدث‭ ‬العكس‭ ‬غالباً‭: ‬المؤسسات‭ ‬والأفراد‭ ‬يميلون‭ ‬إلى‭ ‬خفض‭ ‬الانكشاف‭ ‬على‭ ‬الأصول‭ ‬الأعلى‭ ‬تقلباً،‭ ‬وتعزيز‭ ‬مراكز‭ ‬السيولة‭ ‬أو‭ ‬السندات‭ ‬أو‭ ‬الذهب‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬النقد‭ ‬بحد‭ ‬ذاته،‭ ‬بحسب‭ ‬البيئة‭ ‬السائدة‭. ‬وهذا‭ ‬بالضبط‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬خلال‭ ‬الأيام‭ ‬الأخيرة،‭ ‬حيث‭ ‬تراجعت‭ ‬البيتكوين‭ ‬بالتوازي‭ ‬مع‭ ‬انكماش‭ ‬الشهية‭ ‬للمخاطرة‭ ‬في‭ ‬الأصول‭ ‬العالمية‭ ‬الأخرى‭. ‬
هذا‭ ‬لا‭ ‬ينفي‭ ‬أن‭ ‬البيتكوين‭ ‬تحتفظ‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل‭ ‬بجاذبية‭ ‬خاصة‭ ‬لدى‭ ‬بعض‭ ‬المستثمرين،‭ ‬ولا‭ ‬ينفي‭ ‬دورها‭ ‬المتزايد‭ ‬في‭ ‬المحافظ‭ ‬المؤسسية‭ ‬عبر‭ ‬الصناديق‭ ‬المتداولة،‭ ‬لكنه‭ ‬يؤكد‭ ‬أن‭ ‬السردية‭ ‬الاستثمارية‭ ‬قصيرة‭ ‬الأجل‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬مرتبطة‭ ‬بقوة‭ ‬بظروف‭ ‬السيولة‭ ‬العالمية‭ ‬وبمزاج‭ ‬المخاطرة‭ ‬العام،‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ارتباطها‭ ‬بفكرة‭ ‬‮«‬التحوط‭ ‬الجيوسياسي‮»‬‭.‬

ضعف‭ ‬خارج‭ ‬البيتكوين

الصورة‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬البيتكوين‭ ‬وحدها‭. ‬فالإيثر‭ ‬تراجعت‭ ‬هي‭ ‬الأخرى‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬دون‭ ‬ألفي‭ ‬دولار‭ ‬تقريباً،‭ ‬بينما‭ ‬انخفضت‭ ‬XRP‭ ‬وسولانا‭ ‬بنسب‭ ‬ملحوظة،‭ ‬ما‭ ‬يؤكد‭ ‬أن‭ ‬السوق‭ ‬تعيش‭ ‬تصحيحاً‭ ‬واسع‭ ‬النطاق‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬ضعف‭ ‬في‭ ‬الأصل‭ ‬الأكبر‭. ‬وتشير‭ ‬بيانات‭ ‬السوق‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الإيثر‭ ‬كانت‭ ‬تدور‭ ‬قرب‭ ‬2050‭ ‬دولاراً‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتراجع،‭ ‬فيما‭ ‬انخفضت‭ ‬سولانا‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬دون‭ ‬86‭ ‬دولاراً‭ ‬تقريباً،‭ ‬وتراجعت‭ ‬XRP‭ ‬إلى‭ ‬منطقة‭ ‬1‭.‬36‭ ‬دولار،‭ ‬وهي‭ ‬مستويات‭ ‬تعكس‭ ‬غياب‭ ‬المحفزات‭ ‬الجديدة‭ ‬وعزوف‭ ‬المتعاملين‭ ‬عن‭ ‬بناء‭ ‬رهانات‭ ‬واسعة‭ ‬على‭ ‬العملات‭ ‬البديلة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭. ‬
هذا‭ ‬الاتساع‭ ‬في‭ ‬الخسائر‭ ‬مهم‭ ‬جداً‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬التحليلية،‭ ‬لأنه‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬السوق‭ ‬لا‭ ‬تعاقب‭ ‬عملة‭ ‬بعينها‭ ‬لأسباب‭ ‬داخلية،‭ ‬بل‭ ‬تعيد‭ ‬تسعير‭ ‬فئة‭ ‬الأصول‭ ‬كلها،‭ ‬وعندما‭ ‬يحدث‭ ‬ذلك،‭ ‬تكون‭ ‬الرسالة‭ ‬أوضح‭: ‬المستثمرون‭ ‬لا‭ ‬يناقشون‭ ‬حالياً‭ ‬أي‭ ‬مشروع‭ ‬رقمي‭ ‬أفضل‭ ‬من‭ ‬الآخر،‭ ‬بل‭ ‬يسألون‭ ‬أولاً‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬الوقت‭ ‬مناسباً‭ ‬أصلًا‭ ‬للاحتفاظ‭ ‬بهذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الأصول‭.‬

الفائدة‭ ‬والسيولة

لطالما‭ ‬استفادت‭ ‬العملات‭ ‬المشفرة‭ ‬من‭ ‬بيئات‭ ‬السيولة‭ ‬الوفيرة،‭ ‬وانخفاض‭ ‬تكلفة‭ ‬التمويل،‭ ‬وتراجع‭ ‬العائد‭ ‬الحقيقي‭ ‬على‭ ‬الأدوات‭ ‬التقليدية‭. ‬أما‭ ‬الآن،‭ ‬فالصورة‭ ‬معاكسة‭ ‬تقريباً‭. ‬فالاحتياطي‭ ‬الفيدرالي‭ ‬أبقى‭ ‬الفائدة‭ ‬دون‭ ‬تغيير،‭ ‬لكن‭ ‬رسائل‭ ‬السوق‭ ‬ومسؤولي‭ ‬البنك‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الغموض‭ ‬ازداد،‭ ‬وأن‭ ‬التيسير‭ ‬النقدي‭ ‬السريع‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مضموناً،‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬صعود‭ ‬النفط‭ ‬وتوقف‭ ‬التقدم‭ ‬السلس‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬التضخم‭. ‬
وهذا‭ ‬يضع‭ ‬العملات‭ ‬المشفرة‭ ‬في‭ ‬مأزق‭ ‬واضح،‭ ‬فهي‭ ‬تحتاج‭ ‬عادة‭ ‬إلى‭ ‬أحد‭ ‬محركين‭ ‬كي‭ ‬تستعيد‭ ‬زخمها‭ ‬بقوة،‭ ‬إما‭ ‬قصة‭ ‬نمو‭ ‬داخلية‭ ‬كبيرة‭ ‬تتعلق‭ ‬بالتبني‭ ‬والتدفقات‭ ‬والتنظيم،‭ ‬أو‭ ‬تحسن‭ ‬واضح‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬السيولة‭ ‬العالمية،‭ ‬وفي‭ ‬اللحظة‭ ‬الحالية،‭ ‬لا‭ ‬يبدو‭ ‬أي‭ ‬من‭ ‬المحركين‭ ‬قوياً‭ ‬بما‭ ‬يكفي‭ ‬لتعويض‭ ‬صدمة‭ ‬الحرب‭ ‬وارتفاع‭ ‬الحساسية‭ ‬للمخاطر‭.‬

العامل‭ ‬النفسي

من‭ ‬الناحية‭ ‬النفسية،‭ ‬فإن‭ ‬عودة‭ ‬البيتكوين‭ ‬إلى‭ ‬التداول‭ ‬قرب‭ ‬منتصف‭ ‬الستينات‭ ‬ألف‭ ‬دولار‭ ‬بعد‭ ‬عجزها‭ ‬عن‭ ‬التماسك‭ ‬فوق‭ ‬مستويات‭ ‬أعلى،‭ ‬تترك‭ ‬أثراً‭ ‬معنوياً‭ ‬سلبياً‭ ‬على‭ ‬المتعاملين‭. ‬فالسوق‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬قبل‭ ‬أيام‭ ‬فقط‭ ‬تختبر‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬التعافي‭ ‬السريع‮»‬‭ ‬أصبحت‭ ‬الآن‭ ‬تواجه‭ ‬رواية‭ ‬مختلفة‭ ‬تماماً‭: ‬أي‭ ‬ارتداد‭ ‬قد‭ ‬يُباع‭ ‬سريعاً‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يتحسن‭ ‬المشهد‭ ‬الكلي‭.‬
وهنا‭ ‬تتزايد‭ ‬أهمية‭ ‬المستويات‭ ‬الفنية‭ ‬والدعوم‭ ‬النفسية‭. ‬فكلما‭ ‬جرى‭ ‬كسر‭ ‬منطقة‭ ‬كانت‭ ‬تُعدّ‭ ‬دعماً‭ ‬متيناً،‭ ‬زادت‭ ‬احتمالات‭ ‬سلوك‭ ‬دفاعي‭ ‬جديد‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬المتداولين،‭ ‬سواء‭ ‬عبر‭ ‬وقف‭ ‬الخسارة‭ ‬أو‭ ‬عبر‭ ‬تقليص‭ ‬الرافعة‭ ‬أو‭ ‬الامتناع‭ ‬عن‭ ‬الدخول‭ ‬أصلاً‭. ‬ولهذا‭ ‬لا‭ ‬تكمن‭ ‬خطورة‭ ‬التراجع‭ ‬الحالي‭ ‬في‭ ‬حجمه‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬نوع‭ ‬الرسالة‭ ‬التي‭ ‬يرسلها‭ ‬إلى‭ ‬السوق‭: ‬الزخم‭ ‬الصعودي‭ ‬قصير‭ ‬الأجل‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬موثوقاً‭.‬

رجوع لأعلى