العملات المشفرة ترتفع رغم توتر الشرق الأوسط
شهدت أسواق العملات المشفرة خلال الأسبوع الأول من شهر مارس تحركات متقلبة، إلا أنها مالت في مجملها إلى الارتفاع، مدفوعة بتزايد التدفقات الاستثمارية نحو الأصول الرقمية، رغم تصاعد الاضطرابات الجيوسياسية في الشرق الأوسط واتساع نطاق المواجهة العسكرية مع إيران، إلى جانب التراجعات التي شهدتها أسواق الأسهم العالمية خلال الفترة نفسها. وقد أضفى هذا التباين بين أداء العملات المشفرة وبقية الأصول المالية التقليدية مزيداً من الاهتمام على هذه السوق، التي باتت تُعد لدى شريحة متزايدة من المستثمرين أداة محتملة للتحوط وتنويع المحافظ الاستثمارية.
وتأتي هذه التحركات في وقت تعيش فيه الأسواق العالمية حالة من القلق والترقب نتيجة المخاوف المتصاعدة من توسع الصراع الإقليمي في الشرق الأوسط، وما قد يترتب عليه من تداعيات اقتصادية واسعة، من بينها ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد العالمية. وفي ظل هذه الأجواء المضطربة، بدا أن العملات المشفرة استعادت جانباً من جاذبيتها لدى المستثمرين الباحثين عن بدائل استثمارية خارج النظام المالي التقليدي، خصوصاً مع تزايد القناعة لدى البعض بأنها قد توفر قدراً من الحماية في أوقات عدم اليقين الاقتصادي والسياسي.
وخلال الفترة الممتدة بين 27 فبراير و6 مارس، سجلت العملة الأكبر في سوق الأصول الرقمية «بتكوين» ارتفاعاً ملحوظاً، حيث صعدت بنحو 4 في المئة لتصل إلى مستوى 68,236 دولاراً، مقارنة بنحو 65,592 دولاراً قبل أسبوع. ويعكس هذا الأداء استمرار تدفقات السيولة إلى السوق الرقمية، رغم التقلبات التي تشهدها الأسواق العالمية الأخرى، كما يشير إلى استمرار اهتمام المستثمرين المؤسسيين والأفراد بهذه الفئة من الأصول، التي ما تزال تحتفظ بجاذبيتها على المدى المتوسط والطويل.
ويُنظر إلى تحركات «بتكوين» عادة باعتبارها مؤشراً عاماً لاتجاه سوق العملات المشفرة ككل، نظراً إلى استحواذها على الحصة الأكبر من القيمة السوقية الإجمالية للقطاع. ومع تسجيلها هذه المكاسب الأسبوعية، فقد أسهمت بشكل رئيسي في دعم ارتفاع القيمة السوقية الإجمالية للعملات الرقمية، الأمر الذي انعكس بدوره على أداء العديد من العملات الرئيسية الأخرى.
فقد شهدت معظم العملات المشفرة الكبرى مكاسب متفاوتة خلال الفترة نفسها. وارتفعت «إيثريوم»، ثاني أكبر العملات المشفرة من حيث القيمة السوقية، بنحو 3 في المئة لتصل إلى مستوى 1,980 دولاراً، مقارنة بنحو 1,923 دولاراً في الأسبوع السابق. ويأتي هذا الصعود في ظل استمرار الاهتمام بالمشروعات القائمة على شبكة «إيثريوم»، التي تُعد منصة رئيسية لتطوير التطبيقات اللامركزية والعقود الذكية، ما يجعلها من أكثر الأصول الرقمية متابعة من قبل المستثمرين في هذا القطاع.
كما سجلت عملة «سولانا» مكاسب بنحو 4 في المئة، لترتفع إلى مستوى 84.67 دولاراً، مقارنة بنحو 81.42 دولاراً في نهاية الأسبوع الماضي. وتُعد «سولانا» من العملات التي شهدت نمواً سريعاً في السنوات الأخيرة، بفضل سرعتها العالية في معالجة المعاملات وانخفاض تكلفتها نسبياً، الأمر الذي جعلها من بين المشاريع البارزة في قطاع البنية التحتية للعملات المشفرة.
في المقابل، خالفت عملة «دوجكوين» الاتجاه العام للسوق، حيث سجلت تراجعاً بنحو 2 في المئة لتصل إلى مستوى 0.0914 دولار، مقارنة بنحو 0.0933 دولار في الأسبوع السابق. ويعكس هذا التراجع استمرار الطبيعة المتقلبة لهذه العملة، التي تعتمد في كثير من الأحيان على موجات المضاربة والتأثيرات الإعلامية، أكثر من اعتمادها على الأسس الاقتصادية أو التقنية التي تستند إليها بعض العملات الأخرى.
أما عملة «إكس آر بي» فقد حققت ارتفاعاً طفيفاً نسبياً، إذ صعدت بنحو 1.48 في المئة لتصل إلى مستوى 1.37 دولار. ويأتي هذا الأداء في ظل استمرار المتابعة القانونية والتنظيمية المتعلقة بالشركة المطورة للعملة، وهو عامل ظل يؤثر في تحركاتها خلال السنوات الماضية، لكنه لم يمنعها من الحفاظ على مكانتها بين العملات الرقمية الكبرى من حيث القيمة السوقية وحجم التداول.
وعلى صعيد المؤشرات الكلية للسوق، فقد ارتفعت القيمة السوقية العالمية للعملات المشفرة إلى نحو 2.41 تريليون دولار بنهاية تعاملات يوم الجمعة، مقارنة بنحو 2.35 تريليون دولار في نهاية الأسبوع الماضي، ما يمثل زيادة تقارب 2.6 في المئة خلال أسبوع واحد. ويعكس هذا الارتفاع استمرار تدفق رؤوس الأموال إلى سوق الأصول الرقمية، رغم حالة عدم اليقين التي تسيطر على المشهد الاقتصادي العالمي.
ويرى محللون أن استمرار التقلبات في الأسواق المالية التقليدية، إلى جانب التطورات الجيوسياسية المتسارعة، قد يسهم في تعزيز دور العملات المشفرة كأداة استثمار بديلة لدى بعض المستثمرين، خصوصاً في ظل تزايد انتشار المنتجات المالية المرتبطة بها، مثل الصناديق المتداولة في البورصة المرتبطة بـ«بتكوين» وغيرها من الأصول الرقمية.
ومع ذلك، تبقى هذه السوق عرضة لتقلبات حادة، نتيجة تأثرها بعوامل متعددة، من بينها التطورات التنظيمية في الاقتصادات الكبرى، وتحركات السيولة العالمية، فضلاً عن طبيعتها المضاربية العالية مقارنة بالأصول التقليدية. ولذلك يشير خبراء إلى أن الأداء الإيجابي الذي سجلته العملات المشفرة خلال الأسبوع الأول من مارس لا يعني بالضرورة دخول السوق في موجة صعود طويلة الأمد، بقدر ما يعكس تفاعلاً مرحلياً مع الظروف الاقتصادية والجيوسياسية الراهنة.
وفي ضوء هذه المعطيات، يُتوقع أن تظل أسواق العملات الرقمية خلال الفترة المقبلة تحت تأثير مزيج من العوامل الاقتصادية والمالية والسياسية، ما قد يترجم إلى استمرار حالة التذبذب في الأسعار، مع بقاء اهتمام المستثمرين بهذه الفئة من الأصول قائماً، سواء بدافع المضاربة قصيرة الأجل أو البحث عن فرص استثمارية بديلة في بيئة عالمية تتسم بارتفاع مستويات عدم اليقين.