الغاز الروسي بين التصعيد الأوروبي وتسرب نورد ستريم
شهد الإجراء الثالث تقليص روسيا لكميات الغاز المصدرة عبر الأراضي الأوكرانية، وذلك بعد إعلان شركة GTSOU المشغّلة لشبكة الغاز في أوكرانيا حالة القوة القاهرة في محطة Sokhranivka الواقعة على الحدود الروسية – الأوكرانية في مايو 2022. وكانت هذه المحطة تمثل مساراً مهماً يمر من خلاله نحو 12 مليار متر مكعب سنوياً من الغاز الروسي، وفق اتفاقية نقل الغاز المبرمة بين البلدين.
ورغم إعلان الشركة الأوكرانية استعدادها لاستقبال كامل الإمدادات الروسية عبر محطة Sydzha البديلة، التي تبلغ طاقتها نحو 40 مليار متر مكعب سنوياً، فإن شركة Gazprom لم تتجاوب مع هذا الطلب، بل قامت بخفض التدفقات عبر Sydzha إلى حدود 40–41 مليون متر مكعب يومياً (نحو 15 مليار متر مكعب سنوياً). وأسفر هذا التقليص عن مزيد من الانخفاض في حجم الغاز الروسي المار عبر أوكرانيا.
وجاء التأثير الأكبر على الإمدادات الأوروبية من خلال خفض Gazprom تدفقات الغاز عبر خط Nord Stream في يونيو 2022، إذ انخفضت الكميات المصدرة من 165 مليون متر مكعب يومياً إلى 33 مليون متر مكعب يومياً، أي تراجع سنوي من 60 مليار متر مكعب إلى 12 مليار متر مكعب بنسبة بلغت 80 %. وأرجعت الشركة هذا الخفض إلى خروج عدد من الضواغط في محطة Portovaya عن الخدمة بسبب عدم تنفيذ شركة Siemens الصيانة اللازمة نتيجة العقوبات المفروضة على روسيا.
ومع حلول الأول من سبتمبر 2022، أعلنت Gazprom وقف الإمدادات إلى ألمانيا عبر Nord Stream بالكامل، بدعوى وجود تسرب زيت في آخر الضواغط العاملة في محطة Portovaya. وأكدت الشركة أن استئناف الضخ لن يتم قبل رفع العقوبات الغربية وإجراء الصيانة المطلوبة.
وبتوقف Nord Stream، خسرت روسيا أهم خط لنقل الغاز إلى أوروبا، إلى جانب فقدان خط Yamal-Europe المار عبر بولندا، والتراجع الحاد في الصادرات عبر أوكرانيا نتيجة توقف محطة Sokhranivka. وقد حدث هذا الانكماش الضخم في الإمدادات خلال بضعة أشهر فقط من اندلاع الأزمة الروسية–الأوكرانية.
على الجانب الأوروبي، وبالتزامن مع الخطوات التصعيدية التي اتخذتها روسيا، شرع الاتحاد الأوروبي في اتخاذ إجراءات تهدف إلى تقليص قدرة موسكو على استخدام الغاز الطبيعي كورقة ضغط. وفي هذا السياق، أصدرت المفوضية الأوروبية في 8 مارس 2022 وثيقة REPowerEU، التي ركّزت على تعزيز أمن الطاقة المستدام لدول الاتحاد، عبر الاتجاه نحو مصادر الطاقة النظيفة مثل الطاقة المتجددة والهيدروجين، والسعي للاستغناء عن الوقود الأحفوري المستورد من روسيا. وقد اشتملت الوثيقة على أبرز النقاط التالية:
تقليص الاعتماد على الغاز الروسي بمقدار الثلثين خلال عام 2022 مقارنة بعام 2021، الذي كانت تعتمد فيه دول الاتحاد على نحو 155 مليار متر مكعب من الغاز الروسي، أي خفض الواردات إلى ما يقارب 51 مليار متر مكعب.
وبعد شهرين فقط من إصدار الوثيقة، أصدرت المفوضية الأوروبية في مايو 2022 توصيات جديدة أكدت فيها ضرورة الاستغناء الكامل عن الغاز الروسي بحلول عام 2027. ورغم ذلك، اتخذت بعض الدول الأوروبية قرارات منفردة بهدف تسريع إنهاء الاعتماد على الغاز الروسي قبل الموعد الذي حددته المفوضية، ومن أبرز هذه الدول: بولندا، ليتوانيا، الدنمارك، إستونيا، ألمانيا، وإيطاليا.
في المقابل، اتخذت صربيا (الدولة العضو في الاتحاد الأوروبي) موقفاً مختلفاً، إذ قررت مواصلة الاعتماد على واردات الغاز الروسي دون الالتزام بالتوصيات الأوروبية.
ورغم هذه الخطط والإعلانات السياسية، لم تتخذ المفوضية الأوروبية خطوات تنفيذية مباشرة للحد من تدفقات الغاز الروسي إلى الأسواق الأوروبية خلال تلك الفترة. أما الدول غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، فلم تصدر أي بيانات رسمية تشير إلى رغبتها في تخفيض اعتمادها على الغاز الروسي.
حادث تسرب الغاز من خطيّ Nord Stream وNord Stream 2 وتداعياته الاقتصادية والبيئية
شهدت أوروبا تطوراً خطيراً شكّل نقطة تحول في تاريخ تشغيل خطوط الغاز العابرة للبحار، حين أعلنت شركة NS AG المشغّلة لخط أنابيب Nord Stream عن انخفاض مفاجئ في الضغط في فرعي الخط يوم 26 سبتمبر 2022. وبعد أيام قليلة، تبيّن وجود تهشّم في مقطع من كل فرع من فرعي Nord Stream 1، إضافة إلى تضرر فرع واحد من Nord Stream 2. وقد رُصدت أعمدة كثيفة من انبعاثات الميثان في المنطقة الاقتصادية الخالصة للدنمارك.
وبحلول 4 أكتوبر 2022، استقر ضغط الغاز داخل الشبكة بعد توقف التسرب، إلا أن الحادث كان قد أدى إلى انبعاث كميات ضخمة من الميثان تعادل إجمالي انبعاثات العالم من هذا الغاز لمدة يوم ونصف.
تقدير كمية الغاز المتسرب
لتحديد حجم الغاز المتسرب من الفروع الثلاثة المتضررة، تم الاعتماد على حساب فروق المخزون قبل الحادث وبعده. ويستلزم ذلك معرفة عدة عوامل تشمل:
● طول كل مقطع من الأنابيب،
● القطر الداخلي،
● ظروف الغاز داخل الخط (الضغط ودرجة الحرارة)،
● كثافة الغاز.
وبناءً على البيانات التشغيلية المعلنة من الشركة المشغلة، فقد انخفض الضغط داخل الأنابيب حتى وصل إلى نحو 10 بار، وهو ما يعادل الضغط المتزن مع مياه البحر. ومع إصابة فرعين من خط NS1 وفرع واحد من NS2، أصبحت كمية المخزون المتبقي أقل بكثير من المخزون الأصلي.
وبحساب الفارق بين المخزون قبل التسرب وبعده، بلغت كمية الغاز المتسربة:
978,751,314 – 234,694,098 = 744,057,216 متر مكعب
أي 744 مليون متر مكعب من الغاز الطبيعي.
وتعادل هذه الكمية حمولة ثماني ناقلات للغاز الطبيعي المسال، علماً بأن حمولة الناقلة الواحدة تقارب 170 ألف متر مكعب.
الأثر البيئي للتسرب
خلّف الحادث واحدة من أكبر الكوارث البيئية في تاريخ صناعة الغاز الطبيعي؛ إذ تعادل كمية الغاز المتسربة ما يقارب:
● 555 ألف طن من انبعاثات غاز الميثان (CH4)،
● أي ما يعادل 15.5 مليون طن من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون (CO-e).
ونظراً لأن الميثان أحد أقوى الغازات المسببة للاحتباس الحراري، فقد اعتُبر الحادث من أكثر الحوادث تلويثاً وتدميراً للبيئة في قطاع الطاقة خلال العقود الأخيرة.