الغاز الطبيعي المسال… رابح الأزمات ومحرّك التحول في أسواق الطاقة
شهدت أسواق الغاز الطبيعي المسال تحولات جوهرية خلال العقدين الماضيين، إلا أن جائحة كوفيد- 19 ثم الأزمة الروسية–الأوكرانية شكّلتا نقطتي انعطاف واضحتين في مسار هذه الصناعة. فخلال الأزمة الصحية والاقتصادية غير المسبوقة في عام 2020، تراجع الطلب العالمي على الغاز بشكل ملحوظ، غير أن تأثير الجائحة على الغاز الطبيعي كان أقل حدّة مقارنةً بغيره من أنواع الوقود الأحفوري. ويُعزى ذلك إلى مرونة صناعة الغاز الطبيعي المسال، وتنافسية المعروض، إلى جانب خصائصه البيئية التي عززت دوره كبديل مفضل لزيت الوقود والفحم. وفي سياق سعيه لمواصلة التوسع عالميًا، اتجه قطاع الغاز الطبيعي المسال إلى تبني مسار إزالة الكربون عبر مختلف مراحل سلسلة القيمة.
ومنذ مطلع الألفية، شهدت السوق العالمية للغاز الطبيعي المسال تحولًا بنيويًا لافتًا؛ إذ انتقلت في عام 2000 من سوق شبه منظم يضم 12 دولة مصدّرة و11 دولة مستوردة، إلى سوق مفتوحة على نحو كامل. ورافق هذا التحول نمو متسارع في عدد الدول الفاعلة في التجارة العالمية للغاز المسال، حيث ارتفع عدد الدول المصدّرة إلى 20 دولة، والمستوردة إلى 48 دولة، في توسع غير مسبوق. آنذاك، كانت إندونيسيا وماليزيا تهيمنان على تجارة الغاز المسال في حوض المحيط الهادئ، بينما لعبت الجزائر الدور المحوري في حوض الأطلسي.
أسواق الغاز الطبيعي المسال
في عام 2020
على الرغم من الانخفاض الحاد في الطلب العالمي على الطاقة خلال ذروة جائحة كورونا، سجّلت تجارة الغاز الطبيعي المسال نمواً طفيفاً بلغ 0.4% مقارنة بعام 2019، لتصل إلى 356.1 مليون طن بنهاية عام 2020. كما اتسمت السوق بمزيد من العولمة، إذ استوردت 43 دولة الغاز الطبيعي المسال من 20 دولة مصدّرة خلال ذلك العام، وفقاً للتقرير السنوي للمجموعة الدولية لمستوردي الغاز الطبيعي المسال لعام 2021. وقادت آسيا هذا النمو، مستحوذة على نحو 71 % من الطلب العالمي على الغاز المسال، في حين جاءت 41 % من الإمدادات العالمية من حوض المحيط الهادئ، ما عكس تعافي النشاط الاقتصادي في القارة الآسيوية مقارنة ببقية مناطق العالم.
أسواق الغاز الطبيعي المسال في عام 2022 بعد اندلاع الأزمة الروسية–الأوكرانية
مع اندلاع الأزمة الروسية–الأوكرانية في فبراير 2022، دخلت أسواق الغاز الطبيعي المسال مرحلة جديدة من إعادة التشكّل. فقد ارتفعت التجارة العالمية لتصل الواردات إلى 389.2 مليون طن، بحسب بيانات التقرير السنوي للمجموعة الدولية لمستوردي الغاز الطبيعي المسال لعام 2023، بزيادة قدرها 16.9 مليون طن مقارنة بعام 2021، أي بنسبة نمو بلغت 4.34 %. وكان لأوروبا الدور الأكبر في دفع هذا الارتفاع، بعدما أدى تراجع إمدادات الغاز عبر خطوط الأنابيب من روسيا إلى زيادة الاعتماد على الغاز الطبيعي المسال لتعويض النقص. وأسفر ذلك عن إعادة توجيه تدفقات التجارة العالمية، في وقت اتجهت فيه بعض الدول الآسيوية إلى مصادر طاقة بديلة، ما قلّص اعتمادها النسبي على الغاز الطبيعي المسال خلال تلك المرحلة.
أوروبا كسوق محورية للغاز الطبيعي المسال بعد عام 2022
برزت أوروبا بوصفها أحد أبرز الأسواق المحتملة للغاز الطبيعي المسال في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022. فقبل اندلاع الأزمة، كانت روسيا المورد الرئيس للغاز إلى القارة الأوروبية عبر خطوط الأنابيب، إذ كانت تغطي نحو 45 % من واردات أوروبا. غير أن أحجام الغاز المتدفقة إلى القارة تراجعت بنحو 53 % خلال عام 2022، ما أدى إلى قفزة حادة في الطلب الأوروبي على الغاز الطبيعي المسال بنسبة تقارب 60 % لتعويض هذا النقص.
وفي هذا السياق، بلغت التجارة العالمية للغاز الطبيعي المسال نحو 389.2 مليون طن في عام 2022، رابطـةً 20 سوقًا مصدّرة بـ45 سوقاً مستوردة. وجاءت الزيادة، التي قُدّرت بنحو 25.4 مليون طن، مدفوعة أساساً بالطلب الأوروبي المتنامي لتعويض تراجع إمدادات الغاز الروسي عبر الأنابيب. وعلى الرغم من الانقطاعات غير المتوقعة والمتكررة في إمدادات الغاز المسال، سجلت تجارة الغاز الطبيعي المسال معدل نمو سنوي بلغ 6.8 %، متجاوزة نسبة 4.5 % المسجلة في عام 2021.
أسواق الغاز الطبيعي المسال
العالمية في عام 2023
على الصعيد العالمي، حقق سوق الغاز الطبيعي المسال نمواً محدوداً في عام 2023، ليصل إلى 401.4 مليون طن، بمعدل نمو بلغ 2.1 %، أي بزيادة قدرها 8.4 مليون طن مقارنة بالعام السابق. وكان هذا النمو مدفوعًا بصورة رئيسية بالطلب الآسيوي، ولا سيما من الصين، التي أصبحت أكبر مستورد للغاز الطبيعي المسال في العالم خلال عام 2023. ورغم أن هذا النمو يُعد أبطأ من الزيادة البالغة 5.6 % المسجلة في عام 2022، فإنه يعكس دخول السوق مرحلة من الاستقرار النسبي، وفقًا للتقرير السنوي الصادر عن المجموعة الدولية لمستوردي الغاز الطبيعي المسال لعام 2024.
ومنذ اندلاع الأزمة الأوكرانية وتراجع إمدادات الغاز الروسي عبر الأنابيب البرية، تعززت قناعة أوروبا بأهمية الغاز الطبيعي المسال بوصفه مصدراً استراتيجياً للطاقة. وفي عام 2023، استحوذت خمس دول على نحو ثلاثة أرباع أحجام الغاز الطبيعي المسال المتداولة عالميًا، فيما شكّلت الولايات المتحدة وأستراليا وقطر وحدها 60.4 % من إجمالي الصادرات العالمية.
وتُعد الولايات المتحدة المستفيد الأكبر من تداعيات هذه الأزمة، إذ عززت موقعها في سوق الغاز الطبيعي المسال خلال عام 2023 لتصبح أكبر مصدر عالمياً، بعدما كانت تحتل المركز الثالث في عام 2022. وبلغت حصتها نحو 21.1 % من إجمالي الصادرات العالمية، بما يعادل 84.5 مليون طن، متقدمة بذلك على أستراليا وقطر اللتين تصدرتا المشهد في سنوات سابقة، وذلك لأسباب متعددة سيتم التطرق إليها لاحقاً.
وبحلول نهاية عام 2023، وصلت القدرة العالمية على تسييل الغاز الطبيعي المسال إلى نحو 481 مليون طن سنوياً، شملت قرابة 12 مليون طن سنوياً من وحدات التسييل العائمة (FLNG). وخلال العام نفسه، دخل قطار إسالة جديد الخدمة، هو «تانغوه 3» في إندونيسيا، بطاقة إنتاجية تبلغ 3.8 ملايين طن سنوياً. كما شهد عام 2024 توسع قاعدة الدول المصدّرة، مع انضمام كل من جمهورية الكونغو والمكسيك إلى سوق تصدير الغاز الطبيعي المسال، عقب بدء تشغيل مشروع التسييل العائم في الكونغو بطاقة 0.7 مليون طن سنوياً باستخدام بارجة «تانغو»، إلى جانب تشغيل منشأة «ألتاميرا» في المكسيك بطاقة 1.4 مليون طن سنوياً.
الدول المصدّرة
بلغ حجم التجارة العالمية للغاز الطبيعي المسال نحو 236.3 مليون طن في عام 2012، جاءت من 18 دولة مصدّرة. وبحلول عام 2022، ارتفع حجم هذه التجارة إلى 389.2 مليون طن سنوياً، أي بزيادة تقارب 153 مليون طن، ما يعادل نمواً إجمالياً بنحو 65 %. ومع نهاية ذلك العام، كانت هذه الكميات تُستورد من 20 دولة مصدّرة، في مؤشر واضح على اتساع قاعدة العرض عالميًا.