الغاز الطبيعي المسال رحلة قرن من الابتكار إلى قلب أسواق الطاقة العالمية
- خطوط أنابيب نقل الغاز الروسي إلى الأسواق الأوروبية
شهدت صناعة الغاز الطبيعي المسال (LNG) تحولات عميقة في بنيتها السوقية واتجاهاتها منذ دخول هذا الوقود إلى الأسواق العالمية، ولا سيما الآسيوية، في أواخر ستينيات القرن الماضي. ولم يكن هذا التطور وليد لحظة واحدة، بل جاء نتيجة مسار طويل تخللته محطات تاريخية مفصلية أسست لما يعرف اليوم بصناعة الغاز الطبيعي المسال العالمية.
تعود البدايات الأولى لاستخدام الغاز إلى مطلع القرن التاسع عشر، وتحديداً بين عامي 1828 و1829، حين وُقّع عقد مع الحكومة الأميركية لتزويد منارة ميناء برشلونة، الواقعة على بحيرة في منطقة ويستفيلد بمقاطعة تشاوتوكوا في ولاية نيويورك، بإمدادات من الغاز، في خطوة عكست أولى محاولات الاستفادة العملية من هذا المورد.
وفي عام 1920، شهدت منطقة الضفة الجنوبية لنهر أوهايو، ضمن حدود مدينة بيتسبرغ الحالية، حادثة بارزة في تاريخ الغاز الطبيعي، عندما عثر أصحاب مناجم الملح أثناء حفر بئر لتعزيز إمدادات المياه المالحة على طبقة غازية اشتعلت فيها النيران، ما أدى إلى تدمير منشآت المصنع، وأبرز في الوقت نفسه الإمكانات الكامنة لهذا المورد والطبيعة الخطرة للتعامل معه دون تقنيات مناسبة.
أما الانطلاقة الفعلية لتقنيات تسييل الغاز، فجاءت عام 1940 مع إنشاء أول محطة تجريبية للغاز الطبيعي المسال في كورنويل بالولايات المتحدة، تلاها بناء منشأة صناعية في ولاية أوهايو بهدف دعم ذروة استهلاك الغاز الطبيعي، وهو ما مثّل خطوة حاسمة نحو إدخال الغاز المسال ضمن منظومة الطاقة.
وفي أواخر خمسينيات القرن العشرين، دخلت الصناعة مرحلة جديدة مع نجاح اتحاد من شركات النفط الأميركية في تجربة نقل الغاز الطبيعي المسال بحراً للمرة الأولى. وبعد سلسلة من عمليات التسليم التجريبية على متن سفن نموذجية، أبحرت أول غاز مسال في العالم، وهي سفينة «ميثان بايونير»، من بحيرة تشارلز في ولاية لويزيانا الأميركية محمّلة بشحنة متجهة إلى جزيرة كانفي في المملكة المتحدة. وأثبتت هذه الرحلة التاريخية إمكانية نقل كميات كبيرة من الغاز المسال بأمان عبر المحيطات، فاتحةً الباب أمام ولادة صناعة عالمية جديدة.
وفي عام 1964، دخل الغاز الطبيعي المسال رسمياً سوق الطاقة العالمية مع افتتاح مركب التسييل في أرزيو غرب الجزائر في 27 سبتمبر من العام ذاته. وشهد المشروع تصدير أول شحنة من الغاز المسال إلى محطة الغاز في جزيرة كانفي بإنجلترا على متن الناقلة «ميثان برينسيس»، التي اكتمل بناؤها في يونيو 1964، ليؤسس ذلك لمرحلة جديدة من تجارة الطاقة العابرة للقارات.
هذه المحطات مجتمعة شكّلت الأساس الذي قامت عليه صناعة الغاز الطبيعي المسال، والتي تطورت لاحقاً لتصبح أحد أعمدة أمن الطاقة العالمي وأحد أهم مصادر الوقود في القرن الحادي والعشرين.
استكمال المسار التاريخي لصناعة الغاز الطبيعي المسال
شكّلت رحلة الناقلة «ميثان برينسيس» عبر المحيط الأطلسي سابقة تاريخية، إذ تُعد أول عبور من نوعه في تاريخ صناعة الغاز الطبيعي المسال، ونقطة مفصلية في انطلاق التداول التجاري لهذا الوقود على نطاق عابر للقارات. وقد مثّلت هذه الرحلة البداية الفعلية لنقل الغاز الطبيعي المسال عبر المحيطات، وأرست أسس التجارة الدولية للغاز المسال، التي اعتمدت لاحقاً على اتفاقيات البيع والشراء طويلة الأجل المعروفة باتفاقيات الشروط التجارية (SPAs).
وفي أواخر تسعينيات القرن الماضي، توقعت الولايات المتحدة حدوث عجز في إمدادات الغاز الطبيعي، الأمر الذي دفعها إلى إعادة تشغيل محطات الاستيراد المتوقفة وبناء منشآت جديدة لاستقبال الغاز الطبيعي المسال، من بينها محطة «سابين باس» التابعة لشركة «تشينير للطاقة». غير أن هذه التوجهات سرعان ما تغيّرت مع بدايات القرن الحادي والعشرين.
فمع دخول العقد الأول من القرن الحالي، برزت الولايات المتحدة كأحد أكبر منتجي الغاز الصخري في العالم، ما قلّص الحاجة إلى محطات استيراد الغاز المسال، وحوّل الشحنات التي كانت موجهة للسوق الأميركية إلى أسواق عالمية أخرى، في تحول جذري أعاد رسم خريطة تجارة الغاز الطبيعي المسال.
وجاء شهر فبراير 2016 ليشكّل محطة تحول مفصلية في تاريخ صناعة الغاز الطبيعي المسال الأميركية، مع بدء التشغيل الفعلي لمحطة «سابين باس – القطار» التابعة لشركة «تشينير للطاقة»، لتدخل الولايات المتحدة بقوة ساحة المنافسة العالمية كمصدّر رئيسي للغاز المسال. واعتباراً من أوائل أكتوبر 2016، منحت وزارة الطاقة الأميركية الموافقات النهائية لتصدير نحو 15.22 مليار قدم مكعبة يومياً من الغاز الطبيعي من الولايات المتحدة القارية (48 ولاية) إلى الدول غير الأعضاء في اتفاقيات التجارة الحرة، في خطوة فتحت الباب أمام موجة جديدة من الإمدادات العالمية.
ومع هذا التوسع، بدأت الولايات المتحدة تدريجياً في اقتناص حصص متزايدة من أسواق الدول المصدّرة التقليدية للغاز الطبيعي المسال، مثل قطر والجزائر وأستراليا وروسيا، وامتد هذا التنافس ليشمل أسواق أوروبا الغربية وآسيا، وصولاً إلى منافسة الدول الرائدة في هذا القطاع.
ما هو الغاز الطبيعي المسال؟
الغاز الطبيعي المسال (Liquefied Natural Gas – LNG) هو غاز طبيعي يتم تبريده إلى نحو 162 درجة مئوية تحت الصفر لتحويله إلى الحالة السائلة، ما يؤدي إلى تقليص حجمه بنحو 600 مرة مقارنة بحالته الغازية. وتُسهِم هذه العملية في تسهيل تخزينه ونقله بأمان وكفاءة أعلى، لا سيما عبر المسافات الطويلة.
ويُستخدم الغاز الطبيعي المسال على نطاق واسع في توليد الطاقة وإمدادات غاز المدن، خصوصاً في الدول التي تمتلك البنية التحتية والمنشآت اللازمة لذلك. كما يلعب دوراً محورياً في منظومة نقل الطاقة العالمية، بوصفه أحد أنواع الوقود الأحفوري القادرة على توفير طاقة مستقرة وفعالة.
ويتميّز الغاز الطبيعي بكونه عديم اللون والطعم والرائحة في صورته النقية، وقابلاً للاحتراق مع إنتاج كميات كبيرة من الطاقة مقارنة بأنواع الوقود الأحفوري الأخرى. كما يُعد من أنظف مصادر الوقود، إذ تنخفض عند احتراقه الانبعاثات الضارة بالهواء مقارنة بالفحم والنفط، ما يعزز مكانته كخيار انتقالي في مسار التحول نحو طاقة أكثر استدامة.
من الانطلاقة إلى التحول العالمي
تُعد صناعة الغاز الطبيعي المسال صناعة حديثة نسبياً مقارنة بصناعات النفط والغاز التقليدية، إذ يعود تاريخ انطلاقتها الفعلية إلى 27 سبتمبر 1964، مع بدء تشغيل أول مركب لتسييل الغاز الطبيعي في العالم، المعروف باسم CAMEL، والذي كان يحمل آنذاك علامة «الشركة الجزائرية للميثان السائل»، قبل أن يُعرف لاحقاً باسم GL4Z. ويُمثل هذا التاريخ لحظة مفصلية في تاريخ الطاقة، ليس فقط لكونه ميلاد صناعة الغاز الطبيعي المسال عالمياً، بل أيضاً لتزامنه مع تسليم شركة «سوناطراك» أول شحنة من الميثان الجزائري، بكمية بلغت نحو 27 ألف متر مكعب، نُقلت على متن السفينة «ميثان برينسيس» من ميناء أرزيو إلى محطة إعادة التهيئة في جزيرة كانفي بالمملكة المتحدة.
وتزامنت هذه الانطلاقة مع بداية نشاط الغاز الطبيعي المسال في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، حيث شهد عام 1969 توقيع عقود طويلة الأجل مع شركتي Tokyo Gas Company وTokyo Electric Power Company اليابانيتين، ما فتح الباب أمام استيراد الغاز الطبيعي المسال إلى اليابان، ومن ثم إلى أسواق آسيوية أخرى، لتصبح المنطقة لاحقاً أحد أكبر مراكز الطلب العالمي على هذا النوع من الوقود.
وبعد ما يقارب ستة عقود، تبدو صناعة الغاز الطبيعي المسال اليوم مختلفة جذرياً عمّا كانت عليه في تسعينيات القرن الماضي. فقد أسهم التقدم التكنولوجي المتسارع في خفض تكاليف الإنتاج وتحسين ربحية المشاريع، ما عزز من جاذبية هذه الصناعة وأعاد رسم دورها ضمن مزيج الطاقة العالمي. وفي هذا السياق، بات الغاز الطبيعي المسال يُنظر إليه كعنصر محوري في «تحولات الطاقة»، وكعامل داعم للطاقات المتجددة، بوصفه مصدراً قادراً على توفير إمدادات مستقرة ومرنة خلال مرحلة الانتقال الطاقي.
مراحل تحويل الغاز الطبيعي
إلى غاز مسال
تمر عملية تحويل الغاز الطبيعي إلى حالته السائلة بعدة مراحل تقنية دقيقة. فبعد التنقيب والإنتاج، يُنقل الغاز عبر خطوط الأنابيب إلى محطات التسييل الواقعة عادة على الواجهات البحرية، حيث تبدأ عملية التمييع داخل وحدات مخصصة ضمن مرافق الموانئ.
وتنطلق هذه العملية بمرحلة التنقية، التي يتم خلالها فصل ثاني أكسيد الكربون وكبريتيد الهيدروجين ومركبات الكبريت الأخرى، نظراً لما قد تسببه من تلف لوحدات التسييل أو تجمد أثناء التبريد. تلي ذلك مرحلة التجفيف، حيث تُزال المياه بالكامل لتفادي تكوّن هيدرات الميثان، مع التخلص في الوقت نفسه من آثار الزئبق، وهو عنصر سام قد يؤدي إلى تآكل السبائك المعدنية المستخدمة في المنشآت.
وفي المرحلة اللاحقة، يُخضع الغاز لعمليات تبريد وتقطير عند درجات حرارة تقارب 30 درجة مئوية تحت الصفر، ما يسمح بعزل الهيدروكربونات الثقيلة، إضافة إلى غاز البترول المسال (LPG)، وهو مزيج من البروبان والبيوتان، الذي يمكن تسويقه كوقود أو استخدامه كمواد خام في الصناعات البتروكيماوية.
أما مرحلة التسييل النهائية، فتتم عبر ضغط الغاز وتبريده ثم تمديده عدة مرات داخل أعمدة التبريد، إلى أن يصل إلى درجة حرارة تقارب 160 درجة مئوية تحت الصفر، ليصبح سائلاً بالكامل عند الضغط الجوي. وتجدر الإشارة إلى أن عملية التسييل تستهلك نحو 10% من كمية الغاز المعالج.
وعقب اكتمال هذه المراحل، يُشحن الغاز الطبيعي المسال على متن ناقلات بحرية مصممة خصيصاً لهذا الغرض، ومزوّدة بصهاريج تخزين معزولة وأنظمة تبريد متطورة، تضمن نقل الشحنات بأمان وكفاءة عبر البحار إلى الأسواق العالمية.