تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال‭ ‬رحلة‭ ‬قرن‭ ‬من‭ ‬الابتكار‭ ‬إلى‭ ‬قلب‭ ‬أسواق‭ ‬الطاقة‭ ‬العالمية

UU40

‭- ‬خطوط‭ ‬أنابيب‭ ‬نقل‭ ‬الغاز‭ ‬الروسي‭ ‬إلى‭ ‬الأسواق‭ ‬الأوروبية

شهدت‭ ‬صناعة‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال‭ (‬LNG‭) ‬تحولات‭ ‬عميقة‭ ‬في‭ ‬بنيتها‭ ‬السوقية‭ ‬واتجاهاتها‭ ‬منذ‭ ‬دخول‭ ‬هذا‭ ‬الوقود‭ ‬إلى‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬الآسيوية،‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬ستينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭. ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬هذا‭ ‬التطور‭ ‬وليد‭ ‬لحظة‭ ‬واحدة،‭ ‬بل‭ ‬جاء‭ ‬نتيجة‭ ‬مسار‭ ‬طويل‭ ‬تخللته‭ ‬محطات‭ ‬تاريخية‭ ‬مفصلية‭ ‬أسست‭ ‬لما‭ ‬يعرف‭ ‬اليوم‭ ‬بصناعة‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال‭ ‬العالمية‭.‬
تعود‭ ‬البدايات‭ ‬الأولى‭ ‬لاستخدام‭ ‬الغاز‭ ‬إلى‭ ‬مطلع‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر،‭ ‬وتحديداً‭ ‬بين‭ ‬عامي‭ ‬1828‭ ‬و1829،‭ ‬حين‭ ‬وُقّع‭ ‬عقد‭ ‬مع‭ ‬الحكومة‭ ‬الأميركية‭ ‬لتزويد‭ ‬منارة‭ ‬ميناء‭ ‬برشلونة،‭ ‬الواقعة‭ ‬على‭ ‬بحيرة‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬ويستفيلد‭ ‬بمقاطعة‭ ‬تشاوتوكوا‭ ‬في‭ ‬ولاية‭ ‬نيويورك،‭ ‬بإمدادات‭ ‬من‭ ‬الغاز،‭ ‬في‭ ‬خطوة‭ ‬عكست‭ ‬أولى‭ ‬محاولات‭ ‬الاستفادة‭ ‬العملية‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬المورد‭.‬
وفي‭ ‬عام‭ ‬1920،‭ ‬شهدت‭ ‬منطقة‭ ‬الضفة‭ ‬الجنوبية‭ ‬لنهر‭ ‬أوهايو،‭ ‬ضمن‭ ‬حدود‭ ‬مدينة‭ ‬بيتسبرغ‭ ‬الحالية،‭ ‬حادثة‭ ‬بارزة‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي،‭ ‬عندما‭ ‬عثر‭ ‬أصحاب‭ ‬مناجم‭ ‬الملح‭ ‬أثناء‭ ‬حفر‭ ‬بئر‭ ‬لتعزيز‭ ‬إمدادات‭ ‬المياه‭ ‬المالحة‭ ‬على‭ ‬طبقة‭ ‬غازية‭ ‬اشتعلت‭ ‬فيها‭ ‬النيران،‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬تدمير‭ ‬منشآت‭ ‬المصنع،‭ ‬وأبرز‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬الإمكانات‭ ‬الكامنة‭ ‬لهذا‭ ‬المورد‭ ‬والطبيعة‭ ‬الخطرة‭ ‬للتعامل‭ ‬معه‭ ‬دون‭ ‬تقنيات‭ ‬مناسبة‭.‬
أما‭ ‬الانطلاقة‭ ‬الفعلية‭ ‬لتقنيات‭ ‬تسييل‭ ‬الغاز،‭ ‬فجاءت‭ ‬عام‭ ‬1940‭ ‬مع‭ ‬إنشاء‭ ‬أول‭ ‬محطة‭ ‬تجريبية‭ ‬للغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال‭ ‬في‭ ‬كورنويل‭ ‬بالولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬تلاها‭ ‬بناء‭ ‬منشأة‭ ‬صناعية‭ ‬في‭ ‬ولاية‭ ‬أوهايو‭ ‬بهدف‭ ‬دعم‭ ‬ذروة‭ ‬استهلاك‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬مثّل‭ ‬خطوة‭ ‬حاسمة‭ ‬نحو‭ ‬إدخال‭ ‬الغاز‭ ‬المسال‭ ‬ضمن‭ ‬منظومة‭ ‬الطاقة‭.‬
وفي‭ ‬أواخر‭ ‬خمسينيات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬دخلت‭ ‬الصناعة‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬مع‭ ‬نجاح‭ ‬اتحاد‭ ‬من‭ ‬شركات‭ ‬النفط‭ ‬الأميركية‭ ‬في‭ ‬تجربة‭ ‬نقل‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال‭ ‬بحراً‭ ‬للمرة‭ ‬الأولى‭. ‬وبعد‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬عمليات‭ ‬التسليم‭ ‬التجريبية‭ ‬على‭ ‬متن‭ ‬سفن‭ ‬نموذجية،‭ ‬أبحرت‭ ‬أول‭ ‬غاز‭ ‬مسال‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬وهي‭ ‬سفينة‭ ‬‮«‬ميثان‭ ‬بايونير‮»‬،‭ ‬من‭ ‬بحيرة‭ ‬تشارلز‭ ‬في‭ ‬ولاية‭ ‬لويزيانا‭ ‬الأميركية‭ ‬محمّلة‭ ‬بشحنة‭ ‬متجهة‭ ‬إلى‭ ‬جزيرة‭ ‬كانفي‭ ‬في‭ ‬المملكة‭ ‬المتحدة‭. ‬وأثبتت‭ ‬هذه‭ ‬الرحلة‭ ‬التاريخية‭ ‬إمكانية‭ ‬نقل‭ ‬كميات‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬الغاز‭ ‬المسال‭ ‬بأمان‭ ‬عبر‭ ‬المحيطات،‭ ‬فاتحةً‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬ولادة‭ ‬صناعة‭ ‬عالمية‭ ‬جديدة‭.‬
وفي‭ ‬عام‭ ‬1964،‭ ‬دخل‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال‭ ‬رسمياً‭ ‬سوق‭ ‬الطاقة‭ ‬العالمية‭ ‬مع‭ ‬افتتاح‭ ‬مركب‭ ‬التسييل‭ ‬في‭ ‬أرزيو‭ ‬غرب‭ ‬الجزائر‭ ‬في‭ ‬27‭ ‬سبتمبر‭ ‬من‭ ‬العام‭ ‬ذاته‭. ‬وشهد‭ ‬المشروع‭ ‬تصدير‭ ‬أول‭ ‬شحنة‭ ‬من‭ ‬الغاز‭ ‬المسال‭ ‬إلى‭ ‬محطة‭ ‬الغاز‭ ‬في‭ ‬جزيرة‭ ‬كانفي‭ ‬بإنجلترا‭ ‬على‭ ‬متن‭ ‬الناقلة‭ ‬‮«‬ميثان‭ ‬برينسيس‮»‬،‭ ‬التي‭ ‬اكتمل‭ ‬بناؤها‭ ‬في‭ ‬يونيو‭ ‬1964،‭ ‬ليؤسس‭ ‬ذلك‭ ‬لمرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬تجارة‭ ‬الطاقة‭ ‬العابرة‭ ‬للقارات‭.‬
هذه‭ ‬المحطات‭ ‬مجتمعة‭ ‬شكّلت‭ ‬الأساس‭ ‬الذي‭ ‬قامت‭ ‬عليه‭ ‬صناعة‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال،‭ ‬والتي‭ ‬تطورت‭ ‬لاحقاً‭ ‬لتصبح‭ ‬أحد‭ ‬أعمدة‭ ‬أمن‭ ‬الطاقة‭ ‬العالمي‭ ‬وأحد‭ ‬أهم‭ ‬مصادر‭ ‬الوقود‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين‭.‬

استكمال‭ ‬المسار‭ ‬التاريخي‭ ‬لصناعة‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال

شكّلت‭ ‬رحلة‭ ‬الناقلة‭ ‬‮«‬ميثان‭ ‬برينسيس‮»‬‭ ‬عبر‭ ‬المحيط‭ ‬الأطلسي‭ ‬سابقة‭ ‬تاريخية،‭ ‬إذ‭ ‬تُعد‭ ‬أول‭ ‬عبور‭ ‬من‭ ‬نوعه‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬صناعة‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال،‭ ‬ونقطة‭ ‬مفصلية‭ ‬في‭ ‬انطلاق‭ ‬التداول‭ ‬التجاري‭ ‬لهذا‭ ‬الوقود‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬عابر‭ ‬للقارات‭. ‬وقد‭ ‬مثّلت‭ ‬هذه‭ ‬الرحلة‭ ‬البداية‭ ‬الفعلية‭ ‬لنقل‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال‭ ‬عبر‭ ‬المحيطات،‭ ‬وأرست‭ ‬أسس‭ ‬التجارة‭ ‬الدولية‭ ‬للغاز‭ ‬المسال،‭ ‬التي‭ ‬اعتمدت‭ ‬لاحقاً‭ ‬على‭ ‬اتفاقيات‭ ‬البيع‭ ‬والشراء‭ ‬طويلة‭ ‬الأجل‭ ‬المعروفة‭ ‬باتفاقيات‭ ‬الشروط‭ ‬التجارية‭ (‬SPAs‭).‬
وفي‭ ‬أواخر‭ ‬تسعينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬توقعت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬حدوث‭ ‬عجز‭ ‬في‭ ‬إمدادات‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬دفعها‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬تشغيل‭ ‬محطات‭ ‬الاستيراد‭ ‬المتوقفة‭ ‬وبناء‭ ‬منشآت‭ ‬جديدة‭ ‬لاستقبال‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬محطة‭ ‬‮«‬سابين‭ ‬باس‮»‬‭ ‬التابعة‭ ‬لشركة‭ ‬‮«‬تشينير‭ ‬للطاقة‮»‬‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬التوجهات‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬تغيّرت‭ ‬مع‭ ‬بدايات‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين‭.‬
فمع‭ ‬دخول‭ ‬العقد‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الحالي،‭ ‬برزت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬كأحد‭ ‬أكبر‭ ‬منتجي‭ ‬الغاز‭ ‬الصخري‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬ما‭ ‬قلّص‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬محطات‭ ‬استيراد‭ ‬الغاز‭ ‬المسال،‭ ‬وحوّل‭ ‬الشحنات‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬موجهة‭ ‬للسوق‭ ‬الأميركية‭ ‬إلى‭ ‬أسواق‭ ‬عالمية‭ ‬أخرى،‭ ‬في‭ ‬تحول‭ ‬جذري‭ ‬أعاد‭ ‬رسم‭ ‬خريطة‭ ‬تجارة‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال‭.‬
وجاء‭ ‬شهر‭ ‬فبراير‭ ‬2016‭ ‬ليشكّل‭ ‬محطة‭ ‬تحول‭ ‬مفصلية‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬صناعة‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال‭ ‬الأميركية،‭ ‬مع‭ ‬بدء‭ ‬التشغيل‭ ‬الفعلي‭ ‬لمحطة‭ ‬‮«‬سابين‭ ‬باس‭ ‬–‭ ‬القطار‮»‬‭ ‬التابعة‭ ‬لشركة‭ ‬‮«‬تشينير‭ ‬للطاقة‮»‬،‭ ‬لتدخل‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬بقوة‭ ‬ساحة‭ ‬المنافسة‭ ‬العالمية‭ ‬كمصدّر‭ ‬رئيسي‭ ‬للغاز‭ ‬المسال‭. ‬واعتباراً‭ ‬من‭ ‬أوائل‭ ‬أكتوبر‭ ‬2016،‭ ‬منحت‭ ‬وزارة‭ ‬الطاقة‭ ‬الأميركية‭ ‬الموافقات‭ ‬النهائية‭ ‬لتصدير‭ ‬نحو‭ ‬15‭.‬22‭ ‬مليار‭ ‬قدم‭ ‬مكعبة‭ ‬يومياً‭ ‬من‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬من‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬القارية‭ (‬48‭ ‬ولاية‭) ‬إلى‭ ‬الدول‭ ‬غير‭ ‬الأعضاء‭ ‬في‭ ‬اتفاقيات‭ ‬التجارة‭ ‬الحرة،‭ ‬في‭ ‬خطوة‭ ‬فتحت‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬موجة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬الإمدادات‭ ‬العالمية‭.‬
ومع‭ ‬هذا‭ ‬التوسع،‭ ‬بدأت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تدريجياً‭ ‬في‭ ‬اقتناص‭ ‬حصص‭ ‬متزايدة‭ ‬من‭ ‬أسواق‭ ‬الدول‭ ‬المصدّرة‭ ‬التقليدية‭ ‬للغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال،‭ ‬مثل‭ ‬قطر‭ ‬والجزائر‭ ‬وأستراليا‭ ‬وروسيا،‭ ‬وامتد‭ ‬هذا‭ ‬التنافس‭ ‬ليشمل‭ ‬أسواق‭ ‬أوروبا‭ ‬الغربية‭ ‬وآسيا،‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬منافسة‭ ‬الدول‭ ‬الرائدة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬القطاع‭.‬

ما‭ ‬هو‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال؟

الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال‭ (‬Liquefied Natural Gas‭ ‬–‭ ‬LNG‭) ‬هو‭ ‬غاز‭ ‬طبيعي‭ ‬يتم‭ ‬تبريده‭ ‬إلى‭ ‬نحو‭ ‬162‭ ‬درجة‭ ‬مئوية‭ ‬تحت‭ ‬الصفر‭ ‬لتحويله‭ ‬إلى‭ ‬الحالة‭ ‬السائلة،‭ ‬ما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تقليص‭ ‬حجمه‭ ‬بنحو‭ ‬600‭ ‬مرة‭ ‬مقارنة‭ ‬بحالته‭ ‬الغازية‭. ‬وتُسهِم‭ ‬هذه‭ ‬العملية‭ ‬في‭ ‬تسهيل‭ ‬تخزينه‭ ‬ونقله‭ ‬بأمان‭ ‬وكفاءة‭ ‬أعلى،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬عبر‭ ‬المسافات‭ ‬الطويلة‭.‬
ويُستخدم‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬واسع‭ ‬في‭ ‬توليد‭ ‬الطاقة‭ ‬وإمدادات‭ ‬غاز‭ ‬المدن،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تمتلك‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬والمنشآت‭ ‬اللازمة‭ ‬لذلك‭. ‬كما‭ ‬يلعب‭ ‬دوراً‭ ‬محورياً‭ ‬في‭ ‬منظومة‭ ‬نقل‭ ‬الطاقة‭ ‬العالمية،‭ ‬بوصفه‭ ‬أحد‭ ‬أنواع‭ ‬الوقود‭ ‬الأحفوري‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬توفير‭ ‬طاقة‭ ‬مستقرة‭ ‬وفعالة‭.‬
ويتميّز‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬بكونه‭ ‬عديم‭ ‬اللون‭ ‬والطعم‭ ‬والرائحة‭ ‬في‭ ‬صورته‭ ‬النقية،‭ ‬وقابلاً‭ ‬للاحتراق‭ ‬مع‭ ‬إنتاج‭ ‬كميات‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬الطاقة‭ ‬مقارنة‭ ‬بأنواع‭ ‬الوقود‭ ‬الأحفوري‭ ‬الأخرى‭. ‬كما‭ ‬يُعد‭ ‬من‭ ‬أنظف‭ ‬مصادر‭ ‬الوقود،‭ ‬إذ‭ ‬تنخفض‭ ‬عند‭ ‬احتراقه‭ ‬الانبعاثات‭ ‬الضارة‭ ‬بالهواء‭ ‬مقارنة‭ ‬بالفحم‭ ‬والنفط،‭ ‬ما‭ ‬يعزز‭ ‬مكانته‭ ‬كخيار‭ ‬انتقالي‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬التحول‭ ‬نحو‭ ‬طاقة‭ ‬أكثر‭ ‬استدامة‭.‬

من‭ ‬الانطلاقة‭ ‬إلى‭ ‬التحول‭ ‬العالمي

تُعد‭ ‬صناعة‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال‭ ‬صناعة‭ ‬حديثة‭ ‬نسبياً‭ ‬مقارنة‭ ‬بصناعات‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬التقليدية،‭ ‬إذ‭ ‬يعود‭ ‬تاريخ‭ ‬انطلاقتها‭ ‬الفعلية‭ ‬إلى‭ ‬27‭ ‬سبتمبر‭ ‬1964،‭ ‬مع‭ ‬بدء‭ ‬تشغيل‭ ‬أول‭ ‬مركب‭ ‬لتسييل‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬المعروف‭ ‬باسم‭ ‬CAMEL،‭ ‬والذي‭ ‬كان‭ ‬يحمل‭ ‬آنذاك‭ ‬علامة‭ ‬‮«‬الشركة‭ ‬الجزائرية‭ ‬للميثان‭ ‬السائل‮»‬،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يُعرف‭ ‬لاحقاً‭ ‬باسم‭ ‬GL4Z‭. ‬ويُمثل‭ ‬هذا‭ ‬التاريخ‭ ‬لحظة‭ ‬مفصلية‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الطاقة،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬لكونه‭ ‬ميلاد‭ ‬صناعة‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال‭ ‬عالمياً،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬لتزامنه‭ ‬مع‭ ‬تسليم‭ ‬شركة‭ ‬‮«‬سوناطراك‮»‬‭ ‬أول‭ ‬شحنة‭ ‬من‭ ‬الميثان‭ ‬الجزائري،‭ ‬بكمية‭ ‬بلغت‭ ‬نحو‭ ‬27‭ ‬ألف‭ ‬متر‭ ‬مكعب،‭ ‬نُقلت‭ ‬على‭ ‬متن‭ ‬السفينة‭ ‬‮«‬ميثان‭ ‬برينسيس‮»‬‭ ‬من‭ ‬ميناء‭ ‬أرزيو‭ ‬إلى‭ ‬محطة‭ ‬إعادة‭ ‬التهيئة‭ ‬في‭ ‬جزيرة‭ ‬كانفي‭ ‬بالمملكة‭ ‬المتحدة‭.‬
وتزامنت‭ ‬هذه‭ ‬الانطلاقة‭ ‬مع‭ ‬بداية‭ ‬نشاط‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬آسيا‭ ‬والمحيط‭ ‬الهادئ،‭ ‬حيث‭ ‬شهد‭ ‬عام‭ ‬1969‭ ‬توقيع‭ ‬عقود‭ ‬طويلة‭ ‬الأجل‭ ‬مع‭ ‬شركتي‭ ‬Tokyo Gas Company‭ ‬وTokyo Electric Power Company‭ ‬اليابانيتين،‭ ‬ما‭ ‬فتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬استيراد‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال‭ ‬إلى‭ ‬اليابان،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬إلى‭ ‬أسواق‭ ‬آسيوية‭ ‬أخرى،‭ ‬لتصبح‭ ‬المنطقة‭ ‬لاحقاً‭ ‬أحد‭ ‬أكبر‭ ‬مراكز‭ ‬الطلب‭ ‬العالمي‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الوقود‭.‬
وبعد‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬ستة‭ ‬عقود،‭ ‬تبدو‭ ‬صناعة‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال‭ ‬اليوم‭ ‬مختلفة‭ ‬جذرياً‭ ‬عمّا‭ ‬كانت‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬تسعينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭. ‬فقد‭ ‬أسهم‭ ‬التقدم‭ ‬التكنولوجي‭ ‬المتسارع‭ ‬في‭ ‬خفض‭ ‬تكاليف‭ ‬الإنتاج‭ ‬وتحسين‭ ‬ربحية‭ ‬المشاريع،‭ ‬ما‭ ‬عزز‭ ‬من‭ ‬جاذبية‭ ‬هذه‭ ‬الصناعة‭ ‬وأعاد‭ ‬رسم‭ ‬دورها‭ ‬ضمن‭ ‬مزيج‭ ‬الطاقة‭ ‬العالمي‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬بات‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال‭ ‬يُنظر‭ ‬إليه‭ ‬كعنصر‭ ‬محوري‭ ‬في‭ ‬‮«‬تحولات‭ ‬الطاقة‮»‬،‭ ‬وكعامل‭ ‬داعم‭ ‬للطاقات‭ ‬المتجددة،‭ ‬بوصفه‭ ‬مصدراً‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬توفير‭ ‬إمدادات‭ ‬مستقرة‭ ‬ومرنة‭ ‬خلال‭ ‬مرحلة‭ ‬الانتقال‭ ‬الطاقي‭.‬

مراحل‭ ‬تحويل‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬
إلى‭ ‬غاز‭ ‬مسال

تمر‭ ‬عملية‭ ‬تحويل‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬إلى‭ ‬حالته‭ ‬السائلة‭ ‬بعدة‭ ‬مراحل‭ ‬تقنية‭ ‬دقيقة‭. ‬فبعد‭ ‬التنقيب‭ ‬والإنتاج،‭ ‬يُنقل‭ ‬الغاز‭ ‬عبر‭ ‬خطوط‭ ‬الأنابيب‭ ‬إلى‭ ‬محطات‭ ‬التسييل‭ ‬الواقعة‭ ‬عادة‭ ‬على‭ ‬الواجهات‭ ‬البحرية،‭ ‬حيث‭ ‬تبدأ‭ ‬عملية‭ ‬التمييع‭ ‬داخل‭ ‬وحدات‭ ‬مخصصة‭ ‬ضمن‭ ‬مرافق‭ ‬الموانئ‭.‬
وتنطلق‭ ‬هذه‭ ‬العملية‭ ‬بمرحلة‭ ‬التنقية،‭ ‬التي‭ ‬يتم‭ ‬خلالها‭ ‬فصل‭ ‬ثاني‭ ‬أكسيد‭ ‬الكربون‭ ‬وكبريتيد‭ ‬الهيدروجين‭ ‬ومركبات‭ ‬الكبريت‭ ‬الأخرى،‭ ‬نظراً‭ ‬لما‭ ‬قد‭ ‬تسببه‭ ‬من‭ ‬تلف‭ ‬لوحدات‭ ‬التسييل‭ ‬أو‭ ‬تجمد‭ ‬أثناء‭ ‬التبريد‭. ‬تلي‭ ‬ذلك‭ ‬مرحلة‭ ‬التجفيف،‭ ‬حيث‭ ‬تُزال‭ ‬المياه‭ ‬بالكامل‭ ‬لتفادي‭ ‬تكوّن‭ ‬هيدرات‭ ‬الميثان،‭ ‬مع‭ ‬التخلص‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬من‭ ‬آثار‭ ‬الزئبق،‭ ‬وهو‭ ‬عنصر‭ ‬سام‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تآكل‭ ‬السبائك‭ ‬المعدنية‭ ‬المستخدمة‭ ‬في‭ ‬المنشآت‭.‬
وفي‭ ‬المرحلة‭ ‬اللاحقة،‭ ‬يُخضع‭ ‬الغاز‭ ‬لعمليات‭ ‬تبريد‭ ‬وتقطير‭ ‬عند‭ ‬درجات‭ ‬حرارة‭ ‬تقارب‭ ‬30‭ ‬درجة‭ ‬مئوية‭ ‬تحت‭ ‬الصفر،‭ ‬ما‭ ‬يسمح‭ ‬بعزل‭ ‬الهيدروكربونات‭ ‬الثقيلة،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬غاز‭ ‬البترول‭ ‬المسال‭ (‬LPG‭)‬،‭ ‬وهو‭ ‬مزيج‭ ‬من‭ ‬البروبان‭ ‬والبيوتان،‭ ‬الذي‭ ‬يمكن‭ ‬تسويقه‭ ‬كوقود‭ ‬أو‭ ‬استخدامه‭ ‬كمواد‭ ‬خام‭ ‬في‭ ‬الصناعات‭ ‬البتروكيماوية‭.‬
أما‭ ‬مرحلة‭ ‬التسييل‭ ‬النهائية،‭ ‬فتتم‭ ‬عبر‭ ‬ضغط‭ ‬الغاز‭ ‬وتبريده‭ ‬ثم‭ ‬تمديده‭ ‬عدة‭ ‬مرات‭ ‬داخل‭ ‬أعمدة‭ ‬التبريد،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬حرارة‭ ‬تقارب‭ ‬160‭ ‬درجة‭ ‬مئوية‭ ‬تحت‭ ‬الصفر،‭ ‬ليصبح‭ ‬سائلاً‭ ‬بالكامل‭ ‬عند‭ ‬الضغط‭ ‬الجوي‭. ‬وتجدر‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬عملية‭ ‬التسييل‭ ‬تستهلك‭ ‬نحو‭ ‬10‭% ‬من‭ ‬كمية‭ ‬الغاز‭ ‬المعالج‭.‬
وعقب‭ ‬اكتمال‭ ‬هذه‭ ‬المراحل،‭ ‬يُشحن‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال‭ ‬على‭ ‬متن‭ ‬ناقلات‭ ‬بحرية‭ ‬مصممة‭ ‬خصيصاً‭ ‬لهذا‭ ‬الغرض،‭ ‬ومزوّدة‭ ‬بصهاريج‭ ‬تخزين‭ ‬معزولة‭ ‬وأنظمة‭ ‬تبريد‭ ‬متطورة،‭ ‬تضمن‭ ‬نقل‭ ‬الشحنات‭ ‬بأمان‭ ‬وكفاءة‭ ‬عبر‭ ‬البحار‭ ‬إلى‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭.‬

رجوع لأعلى