الغاز الطبيعي المسال وخطوط الأنابيب في مواجهة الضغوط
تُعد روسيا المزود الأبرز للغاز الطبيعي إلى تركيا، حيث تلبّي ما بين 35 و40 % من احتياجات أنقرة من واردات الغاز. وتعتمد تركيا تقريباً بنسبة 99 % على الاستيراد لتغطية الطلب المحلي، إذ تستورد الغاز من مصادر متعددة تشمل أذربيجان وإيران، إضافة إلى شحنات الغاز الطبيعي المسال القادمة من الولايات المتحدة والجزائر ومصر وقطر وغيرها. وفي عام 2023، بلغت كميات الغاز الروسي التي وصلت إلى تركيا عبر خطوط الأنابيب نحو 21.3 مليار متر مكعب، أي ما يعادل حوالي 42 % من إجمالي وارداتها، فيما شكّلت واردات الغاز المسال حوالي 27 % من الإجمالي.
ونظراً إلى الأهمية الاستراتيجية للغاز الروسي في تلبية احتياجات السوق التركية، حرصت أنقرة على ضمان استمرارية الإمدادات وتجديد العقود التي شارفت على الانتهاء. ففي ديسمبر 2021، وقّعت اتفاقية جديدة تحصل بموجبها شركة بوتاش التركية على 5.75 مليار متر مكعب سنوياً من شركة «غازبروم» لمدة أربع سنوات، على أن يبدأ تنفيذ الاتفاق بداية يناير 2022. وإلى جانب ذلك، هناك اتفاقية أخرى قائمة بين الجانبين بكمية تعاقدية تبلغ 16 مليار متر مكعب سنوياً، تنتهي في عام 2026، إضافة إلى عقود أخرى تربط غازبروم بعدد من الشركات التركية تمتد بعضها حتى عام 2042.
كما تسعى تركيا إلى ترسيخ موقعها كمركز لتجارة الغاز في أوروبا، حيث أعلنت مراراً عن طموحاتها في هذا الاتجاه. وفي هذا الإطار، اتفقت أنقرة وموسكو مؤخراً على دراسة إنشاء مركز لتجارة الغاز الروسي داخل الأراضي التركية، إلى جانب مناقشة الخطوات اللازمة للمضي قدماً في تنفيذ هذا المشروع.
سيناريو استمرار تدفق الغاز الروسي عبر أوكرانيا
استناداً إلى المعطيات السابقة، وعلى افتراض إيجاد آلية تتيح استمرار تدفق الغاز الروسي عبر الأراضي الأوكرانية لتغذية كل من النمسا والتشيك والمجر وسلوفاكيا وسلوفينيا، إلى جانب استمرار تدفق الغاز إلى تركيا عبر خطي «بلو ستريم» و«ترك ستريم» بفروعه التركية والأوروبية، فمن المتوقع أن يصل إجمالي صادرات روسيا عبر خطوط الأنابيب إلى أوروبا إلى نحو 49 مليار متر مكعب سنوياً حتى عام 2027. ويُخصص من هذا الإجمالي حوالي 21 مليار متر مكعب للسوق التركية، فيما تذهب 28 مليار متر مكعب إلى أسواق الاتحاد الأوروبي.
أما في حالة عدم التوصل إلى حل يضمن استمرار ضخ الغاز عبر أوكرانيا، فمن المرجح أن ينخفض إجمالي صادرات الغاز الروسي إلى أوروبا — بما في ذلك تركيا — إلى نحو 35 مليار متر مكعب سنوياً بحلول عام 2027. وبمقارنة هذه السيناريوهات مع مستويات التصدير الروسية قبل اندلاع الأزمة الروسية-الأوكرانية، يتبين أن السيناريو الأكثر تفاؤلاً، والذي يفترض وصول الصادرات إلى 49 مليار متر مكعب سنوياً، لا يمثل سوى 29 % من صادرات روسيا قبل الأزمة، بينما يُعادل السيناريو الأقل تفاؤلاً، 35 مليار متر مكعب سنوياً، نحو 21 % فقط من مستويات ما قبل الأزمة.
القدرة الفنية لخطوط الأنابيب
ورغم اختلاف السيناريوهات، إلا أن جميعها تظل بعيدة كثيراً عن الطاقة الفنية القصوى لتصدير الغاز من روسيا إلى أوروبا. وتعتمد هذه الطاقة على الخطوط العاملة والقابلة للتشغيل، والتي تشمل:
خط «ترك ستريم»، وخط «بلو ستريم»، وشبكة الترانزيت عبر أوكرانيا، وخط «يامال – أوروبا»، إضافة إلى فرع واحد من خط «نورد ستريم 2» الذي لم يتضرر في حادث سبتمبر 2022. وتصل القدرة الإجمالية لهذه الخطوط مجتمعة إلى نحو 136.5 مليار متر مكعب سنوياً.
وفيما يتعلق بالغاز الطبيعي المسال، فقد لجأت روسيا إليه لتعويض جزء من حصتها المفقودة في السوق الأوروبية. فمنذ عام 2022، شهدت صادرات الغاز المسال الروسية إلى أوروبا نمواً واضحاً، حيث سجلت نحو 19.5 مليار متر مكعب في عامي 2022 و2023، مقارنة بـ 17.48 مليار متر مكعب في عام 2021. كما تستعد روسيا لتحقيق رقم قياسي جديد بنهاية عام 2024، بعد أن بلغت صادراتها خلال النصف الأول من العام حوالي 11.84 مليار متر مكعب.
روسيا ثاني أكبر مورّد للغاز
المسال إلى أوروبا
أسهمت التطورات الأخيرة في جعل روسيا ثاني أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال إلى دول الاتحاد الأوروبي بعد الولايات المتحدة الأميركية، وذلك رغم الدعوات الأوروبية المتكررة لفرض حظر على واردات الغاز المسال من روسيا عبر المحطات القائمة. ولم تُحقق هذه الدعوات أي نتائج فعلية، باستثناء بريطانيا التي قررت وقف استقبال ناقلات الغاز الروسي اعتباراً من الأول من يناير 2023. ومنذ ذلك التاريخ، لم تستورد بريطانيا أي شحنة غاز روسي، علماً بأنها كانت تستورد كميات محدودة قبل اندلاع الأزمة الروسية – الأوكرانية، ما جعل قرار الاستغناء عنها بلا تأثير جوهري، خصوصاً في ظل وفرة الإمدادات في السوق الفورية.
عقبات أمام فرض حظر أوروبي
على الغاز الروسي المسال
بالنظر إلى الحصة المؤثرة للغاز الطبيعي المسال الروسي في السوق الأوروبية، خصوصاً الواردة من المحطات الأربع قيد التشغيل، يبدو من الصعب على أوروبا فرض حظر كامل على هذه الشحنات في المدى القريب والمتوسط. ويعود ذلك إلى مجموعة من العوامل:
1. التزام TotalEnergies بعقود طويلة الأمد
تعد شركة TotalEnergies الفرنسية من أبرز المساهمين في مشروع Yamal LNG، وهو أكبر مشروع روسي لتصدير الغاز الطبيعي المسال. ولا تخطط الشركة للانسحاب منه، كما أنها ترتبط بعقد شراء طويل الأجل يمتد حتى عام 2038، تستورد بموجبه نحو 4 ملايين طن سنوياً.
2. الدور الصيني ونشاط CNPC في التسويق الأوروبي
تشارك شركة CNPC الصينية أيضاً في مشروع Yamal LNG، وتعمل بشكل نشط على تسويق حصتها التي تبلغ نحو 3 ملايين طن سنوياً في الأسواق الأوروبية. وتستفيد CNPC من تنافسية الغاز الروسي المسال بفعل قربه الجغرافي من الموانئ الأوروبية، ما يمنحه ميزة سعرية واضحة.
3. عقود Naturgy الإسبانية الممتدة حتى 2038
ترتبط شركة Naturgy الإسبانية بعقد طويل الأجل مع مشروع Yamal LNG لشراء 2.5 مليون طن سنوياً حتى عام 2038. ولهذا تُعد إسبانيا من أبرز الوجهات التي تستقبل الشحنات الروسية، خاصة أن العقد مبني على تسليم الشحنات مباشرة إلى الموانئ الإسبانية.
4. محدودية الزيادة العالمية في إمدادات الغاز المسال حتى 2027
تشير التوقعات إلى أن النمو العالمي في إمدادات الغاز الطبيعي المسال سيبقى محدوداً نسبياً حتى عام 2027، في وقت يُتوقع فيه أن يستوعب الطلب الآسيوي الجزء الأكبر من هذه الزيادة. ومن شأن ذلك أن يضع أوروبا في منافسة مباشرة مع الأسواق الآسيوية لجذب شحنات الغاز المسال، وهو سيناريو قد يؤدي إن تحقق، إلى إعادة ارتفاع الأسعار مجدداً، على غرار ما شهدته أوروبا خلال عامي 2022 و2023.
التحديات التي تواجه المشاريع الروسية الجديدة
بالنسبة للمشاريع الروسية الأربع الجديدة، وعلى رأسها محطة Arctic 2 LNG التي بدأت تشغيل وحدة الإسالة الأولى في ديسمبر 2023، فقد تعرضت هذه المشاريع لسلسلة من القيود الأميركية الصارمة. هذه الإجراءات لا تقتصر على منع وصول إنتاج المحطة إلى أوروبا فحسب، بل تعيق أيضاً عمليات الإنتاج ذاتها، وتحول دون حصول روسيا على التمويل والتقنيات اللازمة لاستكمال المشروع.
وفي مايو 2024، أصدرت وزارة الخزانة الأميركية قائمة تضم 200 شركة وكيان مرتبط بمشروع Arctic، لتخضع جميعها للعقوبات الأميركية. كما شملت العقوبات شركات مالكة للناقلات التي قامت بتحميل شحنات الغاز من المشروع، ومن بينها شركتا Gotik و Plio Energ.
إجراءات بريطانية تستهدف ناقلات الغاز الروسي
وفي سبتمبر 2024، اتخذت بريطانيا خطوة غير مسبوقة بفرض عقوبات على خمس ناقلات، إضافة إلى شركتين مالكتين لهذه الناقلات، وذلك بسبب مشاركتها في تحميل الغاز الطبيعي المسال من مشروع Arctic 2 LNG. وتهدف لندن من خلال هذا الإجراء إلى الحد من نمو صادرات الغاز الروسي وتقليص العائدات التي تحققها موسكو من بيع الغاز المسال. وتُعد هذه الخطوة الأولى من نوعها التي تستخدم فيها بريطانيا سلطتها لاستهداف ناقلات الغاز الطبيعي المسال بشكل مباشر.