تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفوائض‭ ‬الاقتصادية‭ ‬رافعة‭ ‬للنمو‭ ‬المستدام

FDA32

هذا‭ ‬التوجه،‭ ‬الذي‭ ‬لقي‭ ‬دعماً‭ ‬مبكراً‭ ‬من‭ ‬المؤسسات‭ ‬الدولية‭ ‬منذ‭ ‬منتصف‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬استثمار‭ ‬الفوائض‭ ‬الغذائية‭ ‬لدى‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬بما‭ ‬يحقق‭ ‬قيمة‭ ‬اقتصادية‭ ‬مضافة،‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬بقائها‭ ‬موارد‭ ‬غير‭ ‬مستغلة‭. ‬وتكمن‭ ‬أهميته‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬توجيه‭ ‬الطاقات‭ ‬الإنتاجية،‭ ‬حيث‭ ‬يسمح‭ ‬بتحويل‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬الجهد‭ ‬الاقتصادي‭ ‬من‭ ‬تلبية‭ ‬الاحتياجات‭ ‬الغذائية‭ ‬إلى‭ ‬دعم‭ ‬القطاعات‭ ‬التصديرية‭ ‬والصناعية،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يساهم‭ ‬في‭ ‬تكوين‭ ‬رأس‭ ‬مال‭ ‬عيني‭ ‬وتعزيز‭ ‬القاعدة‭ ‬الإنتاجية‭.‬
كما‭ ‬يلعب‭ ‬فائض‭ ‬الإنتاج‭ ‬الزراعي‭ ‬دوراً‭ ‬مهماً‭ ‬في‭ ‬تقليص‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الواردات،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬ينعكس‭ ‬إيجاباً‭ ‬على‭ ‬ميزان‭ ‬المدفوعات‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تقليل‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬العملات‭ ‬الأجنبية،‭ ‬وتوفيرها‭ ‬لتمويل‭ ‬مشاريع‭ ‬استثمارية‭ ‬أكثر‭ ‬إنتاجية‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬الأثر‭ ‬على‭ ‬الجانب‭ ‬المالي‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬ليشمل‭ ‬ضمان‭ ‬استمرارية‭ ‬عملية‭ ‬التنمية،‭ ‬عبر‭ ‬تفادي‭ ‬الاختناقات‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تنشأ‭ ‬نتيجة‭ ‬نقص‭ ‬السلع‭ ‬الاستهلاكية‭ ‬أو‭ ‬اختلال‭ ‬التوازن‭ ‬الخارجي،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬الاقتصادات‭ ‬التي‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬هشاشة‭ ‬في‭ ‬قطاعها‭ ‬الزراعي‭.‬

التمويل‭ ‬وحده‭ ‬لا‭ ‬يكفي

رغم‭ ‬تنوع‭ ‬مصادر‭ ‬التمويل‭ ‬الخارجي،‭ ‬سواء‭ ‬عبر‭ ‬الاستثمارات‭ ‬المباشرة‭ ‬أو‭ ‬القروض‭ ‬أو‭ ‬المساعدات،‭ ‬فإن‭ ‬توفرها‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬تحقيق‭ ‬التنمية‭ ‬المنشودة‭. ‬إذ‭ ‬تبقى‭ ‬الكفاءة‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬هذه‭ ‬الموارد‭ ‬هي‭ ‬العامل‭ ‬الفاصل،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إدماجها‭ ‬ضمن‭ ‬رؤية‭ ‬اقتصادية‭ ‬متكاملة‭ ‬توازن‭ ‬بين‭ ‬الانفتاح‭ ‬على‭ ‬الخارج‭ ‬وتعزيز‭ ‬الإمكانات‭ ‬الداخلية‭.‬
وعليه،‭ ‬فإن‭ ‬التحدي‭ ‬الحقيقي‭ ‬لا‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬تأمين‭ ‬التمويل‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬اقتصاد‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬استيعابه‭ ‬وتوظيفه‭ ‬بكفاءة،‭ ‬بما‭ ‬يحقق‭ ‬نمواً‭ ‬مستداماً‭ ‬ويعزز‭ ‬الاستقلال‭ ‬الاقتصادي‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل‭.‬

التعاون‭ ‬الإقليمي

غالباً‭ ‬ما‭ ‬يُنظر‭ ‬إلى‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬كتلة‭ ‬واحدة‭ ‬متماسكة‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬التحديات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬العالمية،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الواقع‭ ‬يكشف‭ ‬عن‭ ‬تعقيدات‭ ‬أعمق‭. ‬فرغم‭ ‬التقارب‭ ‬السياسي‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المحافل‭ ‬الدولية،‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬تظهر‭ ‬التباينات‭ ‬عندما‭ ‬يتعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بالمصالح‭ ‬التنموية‭ ‬لكل‭ ‬دولة‭ ‬على‭ ‬حدة‭.‬
فالعلاقات‭ ‬الخاصة‭ ‬التي‭ ‬تربط‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬باقتصادات‭ ‬متقدمة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬التنافس‭ ‬في‭ ‬إنتاج‭ ‬السلع،‭ ‬تخلق‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬تضارب‭ ‬المصالح،‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬الحال‭ ‬بين‭ ‬بعض‭ ‬دول‭ ‬أميركا‭ ‬اللاتينية‭ ‬التي‭ ‬تختلف‭ ‬توجهاتها‭ ‬التجارية‭ ‬بين‭ ‬الارتباط‭ ‬بالاقتصاد‭ ‬الأميركي‭ ‬أو‭ ‬تعزيز‭ ‬علاقاتها‭ ‬مع‭ ‬أوروبا‭. ‬وتبرز‭ ‬هذه‭ ‬التناقضات‭ ‬أيضاً‭ ‬في‭ ‬قطاعات‭ ‬محددة،‭ ‬مثل‭ ‬التوسع‭ ‬في‭ ‬إنتاج‭ ‬سلع‭ ‬زراعية‭ ‬معينة‭ ‬بما‭ ‬قد‭ ‬يهدد‭ ‬حصص‭ ‬دول‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭.‬
ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬وجود‭ ‬أسس‭ ‬اقتصادية‭ ‬مشتركة‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬يفتح‭ ‬المجال‭ ‬أمام‭ ‬تحقيق‭ ‬تكامل‭ ‬اقتصادي‭ ‬حقيقي‭. ‬فالتعاون‭ ‬السياسي،‭ ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬يُلغِ‭ ‬الخلافات،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬تنظيمها‭ ‬وإدارتها‭ ‬ضمن‭ ‬إطار‭ ‬مشترك،‭ ‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬تعزيز‭ ‬القدرة‭ ‬التفاوضية‭ ‬ومواجهة‭ ‬التحديات‭ ‬الخارجية‭ ‬بشكل‭ ‬جماعي‭.‬

التنمية‭ ‬بين‭ ‬الداخل‭ ‬والخارج

في‭ ‬واقع‭ ‬اقتصادي‭ ‬معقد،‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬التقارب‭ ‬السياسي‭ ‬وحده‭ ‬لخلق‭ ‬شراكات‭ ‬فعالة‭ ‬بين‭ ‬الدول،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الأقل‭ ‬تطوراً،‭ ‬حيث‭ ‬تظل‭ ‬المصالح‭ ‬الوطنية‭ ‬الضيقة‭ ‬حاضرة‭ ‬بقوة‭. ‬وفي‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان،‭ ‬يظهر‭ ‬التعاون‭ ‬الإقليمي‭ ‬بشكل‭ ‬محدود‭ ‬ومؤقت،‭ ‬مدفوعاً‭ ‬بمصالح‭ ‬مشتركة‭ ‬آنية،‭ ‬لا‭ ‬برؤية‭ ‬تكاملية‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد‭. ‬بل‭ ‬إن‭ ‬محاولة‭ ‬فرض‭ ‬هذا‭ ‬التعاون‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬طبيعي‭ ‬قد‭ ‬تؤدي‭ ‬أحياناً‭ ‬إلى‭ ‬نتائج‭ ‬عكسية،‭ ‬تعرقل‭ ‬ما‭ ‬تحقق‭ ‬من‭ ‬تقارب‭ ‬بدل‭ ‬تعزيزه‭.‬
ورغم‭ ‬أن‭ ‬التعاون‭ ‬الاقتصادي‭ ‬يُطرح‭ ‬كمدخل‭ ‬لتعزيز‭ ‬التقارب‭ ‬السياسي،‭ ‬فإن‭ ‬التجربة‭ ‬العملية‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬العكس‭ ‬هو‭ ‬الأقرب‭ ‬للصحة؛‭ ‬إذ‭ ‬يتطلب‭ ‬تحقيق‭ ‬تكامل‭ ‬اقتصادي‭ ‬حقيقي‭ ‬وجود‭ ‬أرضية‭ ‬سياسية‭ ‬مستقرة‭ ‬تمهّد‭ ‬له‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬فكرة‭ ‬التعاون‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬الفقيرة‭ ‬لتحقيق‭ ‬تقدم‭ ‬جماعي‭ ‬تصطدم‭ ‬بحقيقة‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬قد‭ ‬ترى‭ ‬في‭ ‬التحرك‭ ‬الفردي‭ ‬فرصة‭ ‬لتحقيق‭ ‬نمو‭ ‬أسرع،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يضعف‭ ‬الحافز‭ ‬نحو‭ ‬العمل‭ ‬المشترك‭ ‬ويجعل‭ ‬التعاون‭ ‬الإقليمي‭ ‬خياراً‭ ‬معقداً‭.‬

العلاقة‭ ‬مع‭ ‬الدول‭ ‬المتقدمة

تحظى‭ ‬برامج‭ ‬التنمية‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬باهتمام‭ ‬واضح‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬المتقدمة،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬منطلق‭ ‬الدعم،‭ ‬بل‭ ‬لما‭ ‬تحمله‭ ‬من‭ ‬انعكاسات‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬اقتصاداتها‭. ‬فالتنمية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬تؤثر‭ ‬على‭ ‬ثلاثة‭ ‬محاور‭ ‬رئيسية‭ ‬تهم‭ ‬الدول‭ ‬الصناعية‭: ‬أسواق‭ ‬التصدير،‭ ‬وطبيعة‭ ‬المنافسة‭ ‬الصناعية،‭ ‬ومصادر‭ ‬الاستيراد‭ ‬والاستثمار‭.‬
فمن‭ ‬جهة،‭ ‬تؤدي‭ ‬التنمية‭ ‬إلى‭ ‬نشوء‭ ‬صناعات‭ ‬محلية‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬النامية،‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬هدفها‭ ‬تقليل‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الواردات،‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬تقليص‭ ‬الأسواق‭ ‬التقليدية‭ ‬لصادرات‭ ‬الدول‭ ‬المتقدمة‭. ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬يساهم‭ ‬ارتفاع‭ ‬مستويات‭ ‬الدخل‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬في‭ ‬زيادة‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬السلع‭ ‬الصناعية،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬المعدات‭ ‬والآلات‭ ‬الرأسمالية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يفتح‭ ‬أسواقاً‭ ‬جديدة‭ ‬أمام‭ ‬المنتجين‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬المتقدمة‭.‬
هذه‭ ‬الازدواجية‭ ‬تعني‭ ‬أن‭ ‬التنمية‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬الطلب،‭ ‬بل‭ ‬تعيد‭ ‬رسم‭ ‬خريطة‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية؛‭ ‬فهي‭ ‬تُنهي‭ ‬أسواقاً‭ ‬تقليدية،‭ ‬وتخلق‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬فرصاً‭ ‬جديدة‭. ‬وقدرة‭ ‬الدول‭ ‬المتقدمة‭ ‬على‭ ‬التكيف‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬التحولات‭ ‬تظل‭ ‬العامل‭ ‬الحاسم‭ ‬في‭ ‬تجنب‭ ‬الآثار‭ ‬السلبية‭ ‬وتعظيم‭ ‬المكاسب‭.‬
أما‭ ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬المنافسة‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬الخارجية،‭ ‬فإن‭ ‬صعود‭ ‬الصناعات‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬إزاحة‭ ‬منتجات‭ ‬الدول‭ ‬المتقدمة‭ ‬من‭ ‬مواقعها‭ ‬التقليدية‭. ‬وقد‭ ‬شهد‭ ‬التاريخ‭ ‬أمثلة‭ ‬واضحة‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬حيث‭ ‬تمكنت‭ ‬صناعات‭ ‬ناشئة‭ ‬من‭ ‬منافسة‭ ‬قوى‭ ‬صناعية‭ ‬عريقة،‭ ‬ما‭ ‬اضطر‭ ‬هذه‭ ‬الأخيرة‭ ‬إلى‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬أدوات‭ ‬مثل‭ ‬الاتفاقيات‭ ‬التجارية‭ ‬التفضيلية‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬حصصها‭ ‬السوقية‭.‬
في‭ ‬خضم‭ ‬التحديات‭ ‬التمويلية‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الاقتصادات‭ ‬النامية،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬مصادر‭ ‬تقليدية‭ ‬لتمويل‭ ‬التنمية‭ ‬كافياً‭. ‬فقد‭ ‬برزت‭ ‬مقاربات‭ ‬بديلة‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬تعظيم‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬الموارد‭ ‬المتاحة‭ ‬داخلياً،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬فائض‭ ‬الإنتاج‭ ‬الزراعي،‭ ‬الذي‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬اقتصادية‭ ‬يمكن‭ ‬توظيفها‭ ‬بفعالية‭ ‬لتخفيف‭ ‬القيود‭ ‬المالية‭ ‬وتعزيز‭ ‬مسارات‭ ‬النمو‭.‬

المصالح‭ ‬الدولية‭ ‬بين‭ ‬
الاقتصاد‭ ‬والسياسة

لا‭ ‬تنفصل‭ ‬سياسات‭ ‬دعم‭ ‬التنمية‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬عن‭ ‬حسابات‭ ‬المصالح‭ ‬لدى‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الكبرى،‭ ‬إذ‭ ‬برز‭ ‬توجه‭ ‬داخل‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬يدعو‭ ‬إلى‭ ‬تشجيع‭ ‬التنمية‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬الأقل‭ ‬تقدماً‭ ‬بهدف‭ ‬توسيع‭ ‬قاعدة‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬المواد‭ ‬الأولية‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬يبقى‭ ‬هذا‭ ‬الطرح‭ ‬محل‭ ‬تساؤل،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬مدى‭ ‬الحاجة‭ ‬الفعلية‭ ‬المتزايدة‭ ‬لهذه‭ ‬الموارد،‭ ‬أو‭ ‬قدرة‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬على‭ ‬تلبية‭ ‬هذا‭ ‬الطلب‭ ‬ضمن‭ ‬مسارها‭ ‬التنموي‭.‬
وفي‭ ‬سياق‭ ‬آخر،‭ ‬تحمل‭ ‬التنمية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬انعكاسات‭ ‬معقدة‭ ‬على‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الأجنبية‭. ‬فبينما‭ ‬تشهد‭ ‬العلاقات‭ ‬الاستثمارية‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬المتقدمة‭ ‬قدراً‭ ‬من‭ ‬التبادل‭ ‬والاستقرار،‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬الحال‭ ‬بين‭ ‬كندا‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬أو‭ ‬بين‭ ‬أوروبا‭ ‬الغربية‭ ‬والاقتصاد‭ ‬الأميركي،‭ ‬فإن‭ ‬الوضع‭ ‬يختلف‭ ‬عند‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الناشئة‭.‬
ففي‭ ‬المراحل‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬التنمية،‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬تتجه‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬إلى‭ ‬تعزيز‭ ‬سيادتها‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬ما‭ ‬ينعكس‭ ‬في‭ ‬سياسات‭ ‬مثل‭ ‬رفع‭ ‬الأجور،‭ ‬وزيادة‭ ‬الضرائب،‭ ‬وأحياناً‭ ‬اتخاذ‭ ‬إجراءات‭ ‬أكثر‭ ‬حدة‭ ‬كالتأميم‭ ‬أو‭ ‬فرض‭ ‬قيود‭ ‬على‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الأجنبية‭. ‬هذه‭ ‬التحولات‭ ‬تخلق‭ ‬بيئة‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭ ‬للمستثمرين،‭ ‬وقد‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬التردد‭ ‬أو‭ ‬الانكماش‭ ‬في‭ ‬تدفقات‭ ‬الاستثمار‭.‬
ومن‭ ‬هنا،‭ ‬يتضح‭ ‬أن‭ ‬الدوافع‭ ‬الاقتصادية‭ ‬البحتة‭ ‬لا‭ ‬تكفي‭ ‬وحدها‭ ‬لتفسير‭ ‬اهتمام‭ ‬الدول‭ ‬المتقدمة‭ ‬بدعم‭ ‬التنمية،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬الصورة‭ ‬أوسع‭ ‬وأكثر‭ ‬تشابكاً‭.‬

ما‭ ‬وراء‭ ‬الاقتصاد

تسوق‭ ‬الدول‭ ‬الغربية‭ ‬مساعداتها‭ ‬للدول‭ ‬النامية‭ ‬تحت‭ ‬مظلة‭ ‬اعتبارات‭ ‬تتجاوز‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬تشمل‭ ‬الأبعاد‭ ‬الأمنية‭ ‬والإنسانية‭. ‬فقد‭ ‬ارتبطت‭ ‬هذه‭ ‬السياسات‭ ‬تاريخياً‭ ‬بمحاولات‭ ‬احتواء‭ ‬النفوذ‭ ‬الدولي‭ ‬لقوى‭ ‬كبرى‭ ‬مثل‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفييتي،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬السعي‭ ‬للحد‭ ‬من‭ ‬الاضطرابات‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تهدد‭ ‬الاستقرار‭ ‬العالمي‭.‬
كما‭ ‬يُنظر‭ ‬إلى‭ ‬التنمية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬باعتبارها‭ ‬وسيلة‭ ‬لتعزيز‭ ‬الاستقرار‭ ‬الداخلي‭ ‬للدول‭ ‬النامية،‭ ‬وتمكينها‭ ‬من‭ ‬إدارة‭ ‬مواردها‭ ‬بكفاءة،‭ ‬بما‭ ‬يخدم‭ ‬أيضاً‭ ‬متطلبات‭ ‬الأمن‭ ‬والدفاع‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬يُفضل‭ ‬دعم‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬اقتصادياً‭ ‬لكسب‭ ‬شراكات‭ ‬استراتيجية‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد،‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬تركها‭ ‬عرضة‭ ‬للتقلبات‭ ‬أو‭ ‬التحولات‭ ‬السياسية‭ ‬الحادة‭.‬
ورغم‭ ‬غياب‭ ‬مصالح‭ ‬اقتصادية‭ ‬مباشرة‭ ‬وواضحة‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الحالات،‭ ‬فإن‭ ‬البعد‭ ‬الأخلاقي‭ ‬يظل‭ ‬حاضراً‭ ‬في‭ ‬تبرير‭ ‬هذه‭ ‬السياسات‭. ‬إذ‭ ‬تُطرح‭ ‬فكرة‭ ‬مسؤولية‭ ‬الدول‭ ‬المتقدمة‭ ‬تجاه‭ ‬دعم‭ ‬مسيرة‭ ‬التنمية‭ ‬العالمية،‭ ‬استناداً‭ ‬إلى‭ ‬مبادئ‭ ‬العدالة‭ ‬الدولية‭ ‬والتكافل‭.‬
في‭ ‬المقابل،‭ ‬تبني‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬جزءاً‭ ‬كبيراً‭ ‬من‭ ‬تطلعاتها‭ ‬التنموية‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الدعم‭ ‬الخارجي،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬المتقدمة‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬المؤسسات‭ ‬الدولية‭. ‬وقد‭ ‬ساهمت‭ ‬التصريحات‭ ‬السياسية‭ ‬والخطابات‭ ‬الدولية،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬في‭ ‬ترسيخ‭ ‬هذه‭ ‬التوقعات،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬تقديم‭ ‬المساعدات‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬خيار،‭ ‬بل‭ ‬التزاماً‭ ‬معنوياً‭ ‬وسياسياً‭ ‬ضمن‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬بالعالم‭ ‬الحر‭.‬

رجوع لأعلى