تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القوى‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬تحدد‭ ‬وجهة‭ ‬التنمية

JW31

تشكل‭ ‬مصادر‭ ‬الادخار‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬أحد‭ ‬المحركات‭ ‬الأساسية‭ ‬لعملية‭ ‬الاستثمار‭ ‬والنمو،‭ ‬حيث‭ ‬تعتمد‭ ‬الشركات‭ ‬ومؤسسات‭ ‬الأعمال‭ ‬بشكل‭ ‬رئيسي‭ ‬على‭ ‬أرباحها‭ ‬لتوليد‭ ‬المدخرات،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الأرباح‭ ‬غير‭ ‬الموزعة‭ ‬أو‭ ‬الاحتياطات‭ ‬والمخصصات‭ ‬الموجهة‭ ‬للإحلال‭ ‬والتجديد‭ ‬والاستهلاك‭. ‬ويُلاحظ‭ ‬أن‭ ‬ارتفاع‭ ‬معدلات‭ ‬الادخار‭ ‬في‭ ‬الاقتصادات‭ ‬النامية‭ ‬مقارنة‭ ‬بغير‭ ‬النامية‭ ‬يرتبط‭ ‬بشكل‭ ‬وثيق‭ ‬بزيادة‭ ‬معدلات‭ ‬الربحية،‭ ‬إذ‭ ‬يؤدي‭ ‬ذلك،‭ ‬سواء‭ ‬تم‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬بالأرباح‭ ‬أو‭ ‬توزيعها،‭ ‬إلى‭ ‬تعزيز‭ ‬تكوين‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬ودعم‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭.‬

تمويل

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬تعتمد‭ ‬الدول‭ ‬على‭ ‬عدة‭ ‬أدوات‭ ‬لتمويل‭ ‬استثماراتها،‭ ‬من‭ ‬أبرزها‭ ‬الاقتراض‭ ‬الداخلي‭ ‬والخارجي،‭ ‬أو‭ ‬تحقيق‭ ‬فوائض‭ ‬في‭ ‬إيراداتها‭ ‬الجارية‭. ‬وفي‭ ‬بعض‭ ‬الحالات،‭ ‬يتجاوز‭ ‬فائض‭ ‬الميزانية‭ ‬الاحتياجات‭ ‬الاستثمارية‭ ‬للدولة،‭ ‬ما‭ ‬يتيح‭ ‬توجيه‭ ‬هذه‭ ‬الفوائض‭ ‬لتمويل‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬عبر‭ ‬الإقراض،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعزز‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬مباشر‭.‬
أما‭ ‬في‭ ‬الحالات‭ ‬التي‭ ‬تفوق‭ ‬فيها‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الحكومية‭ ‬الفوائض‭ ‬المتاحة،‭ ‬فتضطر‭ ‬الدولة‭ ‬إلى‭ ‬تمويل‭ ‬العجز‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الاقتراض،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬توليد‭ ‬الادخار‭ ‬في‭ ‬قطاعات‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬الاقتصاد‭. ‬وقد‭ ‬يكون‭ ‬هذا‭ ‬الادخار‭ ‬اختيارياً،‭ ‬أو‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬ادخار‭ ‬إجباري‭ ‬عندما‭ ‬تلجأ‭ ‬الحكومات‭ ‬إلى‭ ‬التمويل‭ ‬التضخمي‭ ‬عبر‭ ‬الاقتراض‭ ‬من‭ ‬البنك‭ ‬المركزي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬ينعكس‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬على‭ ‬ارتفاع‭ ‬مستويات‭ ‬الأسعار،‭ ‬ويثير‭ ‬جدلاً‭ ‬حول‭ ‬مزايا‭ ‬وعيوب‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬التمويل‭.‬

تكوين‭ ‬رأس‭ ‬المال

وفي‭ ‬سياق‭ ‬متصل،‭ ‬يبرز‭ ‬تكوين‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬العيني‭ ‬كأحد‭ ‬العناصر‭ ‬المهمة‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬التنمية‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬إذ‭ ‬يرى‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الاقتصاديين‭ ‬أنه‭ ‬يمثل‭ ‬ركيزة‭ ‬أساسية‭ ‬للنمو،‭ ‬نظراً‭ ‬لقدرته‭ ‬على‭ ‬تعويض‭ ‬نقص‭ ‬الموارد‭ ‬الطبيعية‭ ‬أو‭ ‬العمل‭. ‬ولا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬زيادة‭ ‬تكوين‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬العيني‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬القيمة‭ ‬المضافة‭ ‬وتعزيز‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬التجارب‭ ‬الاقتصادية‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬العامل،‭ ‬على‭ ‬أهميته،‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬بمفرده‭ ‬لتفسير‭ ‬عملية‭ ‬التنمية‭.‬
فمعدلات‭ ‬تكوين‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬لا‭ ‬ترتفع‭ ‬بشكل‭ ‬مفاجئ‭ ‬من‭ ‬مستويات‭ ‬منخفضة‭ ‬إلى‭ ‬أخرى‭ ‬مرتفعة،‭ ‬بل‭ ‬تأتي‭ ‬نتيجة‭ ‬تطورات‭ ‬تدريجية‭ ‬ومعقدة،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الحالات‭ ‬يتجاوز‭ ‬ما‭ ‬تعكسه‭ ‬هذه‭ ‬المعدلات‭. ‬ومن‭ ‬اللافت‭ ‬أيضاً‭ ‬أنه‭ ‬مع‭ ‬تقدم‭ ‬مسار‭ ‬التنمية،‭ ‬تميل‭ ‬معدلات‭ ‬تكوين‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬إلى‭ ‬الاستقرار،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يطرح‭ ‬تساؤلات‭ ‬حول‭ ‬كفاية‭ ‬النظريات‭ ‬التي‭ ‬تربط‭ ‬التنمية‭ ‬حصراً‭ ‬بهذا‭ ‬العامل‭.‬
ومن‭ ‬هنا،‭ ‬يتضح‭ ‬أن‭ ‬التنمية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬ظاهرة‭ ‬متعددة‭ ‬الأبعاد،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬اختزالها‭ ‬في‭ ‬عنصر‭ ‬واحد،‭ ‬بل‭ ‬تتداخل‭ ‬فيها‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬العوامل،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬العوامل‭ ‬الاجتماعية‭ ‬التي‭ ‬تلعب‭ ‬دوراً‭ ‬محورياً‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬مسار‭ ‬النمو‭. ‬فالعمل،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الموارد‭ ‬الطبيعية‭ ‬ورأس‭ ‬المال،‭ ‬يمثل‭ ‬عنصراً‭ ‬حاسماً،‭ ‬لا‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬كميته‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬التكيف‭ ‬مع‭ ‬التطورات‭ ‬العلمية‭ ‬والتقنية‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬فهم‭ ‬العلاقة‭ ‬المتبادلة‭ ‬بين‭ ‬سلوك‭ ‬الأفراد‭ ‬والنمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬يظل‭ ‬من‭ ‬القضايا‭ ‬المعقدة‭ ‬التي‭ ‬يصعب‭ ‬الإحاطة‭ ‬بها‭ ‬بشكل‭ ‬كامل‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬محدود
ولا‭ ‬يقتصر‭ ‬تفسير‭ ‬مسار‭ ‬التنمية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬على‭ ‬العوامل‭ ‬المالية‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬ليشمل‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬المحددات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬التي‭ ‬تؤثر‭ ‬بعمق‭ ‬في‭ ‬سلوك‭ ‬الأفراد‭ ‬والمجتمعات‭. ‬وتشمل‭ ‬هذه‭ ‬العوامل‭ ‬مكانة‭ ‬الفرد‭ ‬داخل‭ ‬البنية‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬العائلة‭ ‬أو‭ ‬الطبقة‭ ‬أو‭ ‬البيئة‭ ‬الحضرية‭ ‬والريفية،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬الخصائص‭ ‬القومية‭ ‬وحجم‭ ‬الوحدة‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬تأثير‭ ‬الثقافة‭ ‬وتداخل‭ ‬القيم‭ ‬مع‭ ‬مسارات‭ ‬التغير‭ ‬الاقتصادي‭.‬
وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬تتشكل‭ ‬علاقة‭ ‬الفرد‭ ‬ببيئته‭ ‬الاجتماعية‭ ‬كعنصر‭ ‬حاسم‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬التنمية‭. ‬فطريقة‭ ‬إدراك‭ ‬الأفراد‭ ‬للعالم‭ ‬من‭ ‬حولهم‭ ‬تتطور‭ ‬مع‭ ‬التقدم‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬إذ‭ ‬تنتقل‭ ‬من‭ ‬التفسيرات‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬الخرافة‭ ‬إلى‭ ‬التفكير‭ ‬العقلاني،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬ينعكس‭ ‬بدوره‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬المسؤولية،‭ ‬التي‭ ‬تتحول‭ ‬من‭ ‬نطاقها‭ ‬الضيق‭ ‬المرتبط‭ ‬بالعائلة‭ ‬أو‭ ‬الانتماء‭ ‬الطبقي‭ ‬إلى‭ ‬مفهوم‭ ‬أوسع‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬الكفاءة‭ ‬والقدرة‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬أنماط‭ ‬المعيشة‭ ‬والعلاقات‭ ‬بين‭ ‬الأفراد‭ ‬تشهد‭ ‬تحولاً‭ ‬من‭ ‬الغموض‭ ‬والأعراف‭ ‬التقليدية‭ ‬إلى‭ ‬الوضوح‭ ‬والتعاقد،‭ ‬وهو‭ ‬تحول‭ ‬يعزز‭ ‬من‭ ‬كفاءة‭ ‬الأداء‭ ‬الاقتصادي‭ ‬ويشجع‭ ‬على‭ ‬تبني‭ ‬أساليب‭ ‬تفكير‭ ‬حديثة‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬تحديد‭ ‬الأهداف‭ ‬والعمل‭ ‬المنظم‭ ‬لتحقيقها‭.‬

فرص‭ ‬استثمارية

ومن‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى،‭ ‬فإن‭ ‬ترسيخ‭ ‬مبدأ‭ ‬المساواة‭ ‬وتكافؤ‭ ‬الفرص‭ ‬يمثل‭ ‬ضرورة‭ ‬ملحة،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬انتشار‭ ‬المحسوبية‭ ‬والانغلاق‭ ‬الطبقي‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬إهدار‭ ‬الكفاءات‭ ‬وتراجع‭ ‬الإنتاجية‭.‬
وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬تسهم‭ ‬العلاقات‭ ‬التعاقدية‭ ‬واحترام‭ ‬حقوق‭ ‬الملكية‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬شبكة‭ ‬أوسع‭ ‬من‭ ‬العلاقات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬التي‭ ‬تتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬الروابط‭ ‬العائلية‭ ‬الضيقة‭ ‬لتشمل‭ ‬المجتمع‭ ‬ككل،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يدعم‭ ‬بيئة‭ ‬أكثر‭ ‬استقراراً‭ ‬وجاذبية‭ ‬للنمو‭.‬
كما‭ ‬يلعب‭ ‬التركيب‭ ‬الطبقي‭ ‬دوراً‭ ‬محورياً‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬التنمية،‭ ‬حيث‭ ‬ترتبط‭ ‬معدلات‭ ‬النمو‭ ‬المرتفعة‭ ‬عادة‭ ‬بوجود‭ ‬بنية‭ ‬اجتماعية‭ ‬منفتحة‭ ‬تسمح‭ ‬بالحراك‭ ‬الاجتماعي‭. ‬وتبرز‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬أهمية‭ ‬الطبقة‭ ‬المتوسطة،‭ ‬التي‭ ‬تمثل‭ ‬العمود‭ ‬الفقري‭ ‬للنشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬انخراطها‭ ‬في‭ ‬التجارة‭ ‬والصناعة‭ ‬والمهن‭ ‬المتخصصة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬دورها‭ ‬في‭ ‬الوظائف‭ ‬العامة‭. ‬وتمتلك‭ ‬هذه‭ ‬الطبقة‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬توجيه‭ ‬الطاقات‭ ‬البشرية‭ ‬نحو‭ ‬الإنتاج‭ ‬والاستثمار،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تؤثر‭ ‬التنمية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬بدورها‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬هذا‭ ‬التركيب‭ ‬الطبقي‭ ‬وتعزيز‭ ‬أدواره‭ ‬المختلفة‭.‬

التطور‭ ‬التكنولوجي

أما‭ ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬والتنظيم،‭ ‬فقد‭ ‬شهد‭ ‬الفكر‭ ‬الاقتصادي‭ ‬تحولات‭ ‬ملحوظة‭ ‬في‭ ‬تقييم‭ ‬دور‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬في‭ ‬التنمية،‭ ‬فبعد‭ ‬موجة‭ ‬من‭ ‬التفاؤل‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬بإمكانية‭ ‬تحقيق‭ ‬النمو‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬نقل‭ ‬المعرفة‭ ‬التقنية‭ ‬فقط،‭ ‬برز‭ ‬اتجاه‭ ‬يقلل‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الدور‭ ‬ويركز‭ ‬على‭ ‬رأس‭ ‬المال‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬التجارب‭ ‬الحديثة‭ ‬أعادت‭ ‬التأكيد‭ ‬على‭ ‬الأهمية‭ ‬المحورية‭ ‬للتكنولوجيا،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬ملاحظة‭ ‬أن‭ ‬نمو‭ ‬الدخل‭ ‬الحقيقي‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬المتقدمة‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬نتيجة‭ ‬لتراكم‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬العيني‭ ‬وحده،‭ ‬بل‭ ‬ارتبط‭ ‬بشكل‭ ‬وثيق‭ ‬بارتفاع‭ ‬مستويات‭ ‬الإنتاجية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬الدور‭ ‬الحاسم‭ ‬للتقدم‭ ‬التقني‭ ‬والتنظيمي‭ ‬في‭ ‬دفع‭ ‬عجلة‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭.‬
ويظل‭ ‬تحسين‭ ‬الإنتاجية‭ ‬أحد‭ ‬المحاور‭ ‬الجوهرية‭ ‬في‭ ‬فهم‭ ‬مسار‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬الأمر‭ ‬على‭ ‬زيادة‭ ‬الموارد‭ ‬أو‭ ‬المدخرات‭ ‬بمرور‭ ‬الزمن،‭ ‬رغم‭ ‬أهمية‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬تفسير‭ ‬التطور‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬بل‭ ‬يتجاوز‭ ‬إلى‭ ‬كيفية‭ ‬استخدام‭ ‬الموارد‭ ‬المتاحة‭ ‬بكفاءة‭ ‬أعلى‭. ‬فجوهر‭ ‬النمو‭ ‬الحقيقي‭ ‬يكمن،‭ ‬قبل‭ ‬أي‭ ‬شيء،‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬أفضل‭ ‬استغلال‭ ‬ممكن‭ ‬للإمكانات‭ ‬القائمة‭.‬
وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تبرز‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬كعامل‭ ‬حاسم‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬كفاءة‭ ‬الإنتاج،‭ ‬حيث‭ ‬تتيح‭ ‬الابتكارات‭ ‬تحقيق‭ ‬مستويات‭ ‬أعلى‭ ‬من‭ ‬الإنتاج‭ ‬باستخدام‭ ‬نفس‭ ‬الموارد،‭ ‬أو‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬نفس‭ ‬النتائج‭ ‬بتكاليف‭ ‬أقل،‭ ‬وقد‭ ‬يكون‭ ‬الهدف‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الابتكارات‭ ‬تقليل‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬أو‭ ‬رأس‭ ‬المال،‭ ‬خاصة‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬الموارد‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬استغلالها‭ ‬بكفاءة‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬مستوى‭ ‬معين‭ ‬من‭ ‬التقدم‭ ‬التقني‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬التحول‭ ‬التكنولوجي‭ ‬لا‭ ‬يحدث‭ ‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬بقية‭ ‬عناصر‭ ‬الإنتاج،‭ ‬بل‭ ‬يتطلب‭ ‬تطويراً‭ ‬في‭ ‬المهارات‭ ‬البشرية‭ ‬وابتكاراً‭ ‬مستمراً‭ ‬يعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬العمل‭ ‬ورأس‭ ‬المال‭.‬

توسع‭ ‬الأسواق

ومن‭ ‬المهم‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬مفهومي‭ ‬الاختراع‭ ‬والابتكار،‭ ‬فالاختراع‭ ‬يمثل‭ ‬اكتشاف‭ ‬أساليب‭ ‬أو‭ ‬تقنيات‭ ‬جديدة،‭ ‬بينما‭ ‬يشير‭ ‬الابتكار‭ ‬إلى‭ ‬توظيف‭ ‬هذه‭ ‬الاكتشافات‭ ‬عملياً‭ ‬في‭ ‬العملية‭ ‬الإنتاجية،‭ ‬ولا‭ ‬يقتصر‭ ‬الابتكار‭ ‬على‭ ‬المجالات‭ ‬التقنية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالعلوم‭ ‬الطبيعية،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬أيضاً‭ ‬إلى‭ ‬مجالات‭ ‬التنظيم‭ ‬والإدارة‭ ‬والأنشطة‭ ‬الذهنية،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬اتساع‭ ‬مفهوم‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الحديث‭.‬
كما‭ ‬أن‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬لا‭ ‬تبقى‭ ‬محصورة‭ ‬داخل‭ ‬حدود‭ ‬دولة‭ ‬معينة،‭ ‬بل‭ ‬تنتقل‭ ‬عبر‭ ‬القنوات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والبشرية‭ ‬بين‭ ‬الدول‭. ‬فقد‭ ‬انتشرت‭ ‬الثورة‭ ‬الصناعية‭ ‬من‭ ‬بريطانيا‭ ‬إلى‭ ‬بقية‭ ‬أوروبا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬انتقال‭ ‬العمالة‭ ‬والمهارات،‭ ‬ثم‭ ‬عبر‭ ‬الشركات‭ ‬التي‭ ‬أسهمت‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬والصناعات‭ ‬المختلفة‭. ‬وتعتمد‭ ‬قدرة‭ ‬الدول‭ ‬على‭ ‬استيعاب‭ ‬هذه‭ ‬التحولات‭ ‬التكنولوجية‭ ‬على‭ ‬عدة‭ ‬عوامل،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬مستوى‭ ‬التعليم،‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية،‭ ‬وطبيعة‭ ‬الثقافة‭ ‬السائدة،‭ ‬إذ‭ ‬تختلف‭ ‬سرعة‭ ‬التبني‭ ‬من‭ ‬مجتمع‭ ‬إلى‭ ‬آخر،‭ ‬خاصة‭ ‬بين‭ ‬المجتمعات‭ ‬الزراعية‭ ‬والصناعية‭.‬
وفي‭ ‬جانب‭ ‬آخر،‭ ‬يشكل‭ ‬حجم‭ ‬السوق‭ ‬أحد‭ ‬المحددات‭ ‬الأساسية‭ ‬للنمو‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬حيث‭ ‬ارتبطت‭ ‬عملية‭ ‬التنمية‭ ‬تاريخياً‭ ‬باتساع‭ ‬نطاق‭ ‬الأسواق‭. ‬فالتخصص‭ ‬في‭ ‬الإنتاج،‭ ‬الذي‭ ‬يعد‭ ‬أساس‭ ‬زيادة‭ ‬الكفاءة،‭ ‬يعتمد‭ ‬بدرجة‭ ‬كبيرة‭ ‬على‭ ‬حجم‭ ‬السوق‭ ‬وقدرته‭ ‬على‭ ‬استيعاب‭ ‬المنتجات‭. ‬ففي‭ ‬المراحل‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬التطور‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬كان‭ ‬الإنتاج‭ ‬موجهاً‭ ‬للاكتفاء‭ ‬الذاتي‭ ‬ضمن‭ ‬نطاق‭ ‬ضيق،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتوسع‭ ‬التجارة‭ ‬تدريجياً‭ ‬مع‭ ‬نشوء‭ ‬الأسواق‭ ‬المنظمة‭.‬
ومع‭ ‬تطور‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬تحولت‭ ‬الأسواق‭ ‬من‭ ‬تجمعات‭ ‬محدودة‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬وأماكن‭ ‬معينة‭ ‬إلى‭ ‬مؤسسات‭ ‬منظمة‭ ‬تعمل‭ ‬بشكل‭ ‬مستمر،‭ ‬وترافق‭ ‬ذلك‭ ‬مع‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬نظام‭ ‬المقايضة‭ ‬إلى‭ ‬استخدام‭ ‬النقود،‭ ‬ما‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬توسيع‭ ‬نطاق‭ ‬التبادل‭ ‬التجاري‭. ‬كما‭ ‬أدى‭ ‬التوسع‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬إلى‭ ‬زيادة‭ ‬الطلب‭ ‬والاستهلاك،‭ ‬وتعزيز‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬أنظمة‭ ‬مالية‭ ‬ومصرفية‭ ‬تدعم‭ ‬هذا‭ ‬النشاط‭.‬
ولم‭ ‬يكن‭ ‬اتساع‭ ‬الأسواق‭ ‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬تطور‭ ‬وسائل‭ ‬النقل‭ ‬والمواصلات،‭ ‬إذ‭ ‬ساهمت‭ ‬هذه‭ ‬الوسائل‭ ‬في‭ ‬ربط‭ ‬المناطق‭ ‬المختلفة‭ ‬وتوسيع‭ ‬دائرة‭ ‬التبادل‭ ‬الاقتصادي‭. ‬ويمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬التوسع‭ ‬التجاري‭ ‬شكل‭ ‬خطوة‭ ‬أساسية‭ ‬مهدت‭ ‬لقيام‭ ‬الثورة‭ ‬الصناعية،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬توفير‭ ‬البيئة‭ ‬الملائمة‭ ‬لنمو‭ ‬الإنتاج‭ ‬والتخصص،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬جعله‭ ‬أحد‭ ‬المرتكزات‭ ‬الرئيسية‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬التنمية‭ ‬الاقتصادية‭.‬

للحديث‭ ‬بقية

رجوع لأعلى