تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القيمة‭ ‬والإنتاجية‭ ‬والتنظيم‮…‬‭ ‬ثلاثية‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي

OP34

يختلف‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬قدراتهم‭ ‬الإنتاجية،‭ ‬وتفضيلاتهم،‭ ‬والفرص‭ ‬المتاحة‭ ‬أمامهم،‭ ‬كما‭ ‬يتباينون‭ ‬في‭ ‬مهاراتهم‭ ‬المتخصصة،‭ ‬واستعدادهم‭ ‬لتحمّل‭ ‬المخاطر‭ ‬وتبعاتها،‭ ‬وحتى‭ ‬في‭ ‬نصيبهم‭ ‬من‭ ‬الحظ‭. ‬هذه‭ ‬الفوارق‭ ‬تنعكس‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬مستويات‭ ‬الدخل،‭ ‬لأنها‭ ‬تؤثر‭ ‬في‭ ‬قيمة‭ ‬السلع‭ ‬والخدمات‭ ‬التي‭ ‬يستطيع‭ ‬الأفراد‭ ‬تقديمها‭ ‬للآخرين‭ ‬أو‭ ‬يرغبون‭ ‬في‭ ‬تقديمها‭.‬
الأشخاص‭ ‬الذين‭ ‬يحققون‭ ‬مداخيل‭ ‬مرتفعة‭ ‬لا‭ ‬يصلون‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬مصادفة،‭ ‬بل‭ ‬لأنهم‭ ‬يقدمون‭ ‬للآخرين‭ ‬سلعًا‭ ‬أو‭ ‬خدمات‭ ‬يقدّرها‭ ‬المستهلكون‭ ‬ويحتاجون‭ ‬إليها‭. ‬فلو‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬هذه‭ ‬المنتجات‭ ‬أو‭ ‬الخدمات‭ ‬مرغوبة،‭ ‬لما‭ ‬كان‭ ‬الناس‭ ‬على‭ ‬استعداد‭ ‬لدفع‭ ‬مبالغ‭ ‬كبيرة‭ ‬مقابلها‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تبرز‭ ‬قاعدة‭ ‬اقتصادية‭ ‬بسيطة‭: ‬كلما‭ ‬زادت‭ ‬قدرتك‭ ‬على‭ ‬تقديم‭ ‬فائدة‭ ‬حقيقية‭ ‬للآخرين،‭ ‬زادت‭ ‬فرصك‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬دخل‭ ‬أعلى‭. ‬وعلى‭ ‬العكس،‭ ‬فإن‭ ‬العجز‭ ‬عن‭ ‬مساعدة‭ ‬الآخرين‭ ‬أو‭ ‬عدم‭ ‬الرغبة‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬يترجم‭ ‬إلى‭ ‬دخل‭ ‬محدود‭.‬
هذه‭ ‬العلاقة‭ ‬المباشرة‭ ‬بين‭ ‬تقديم‭ ‬القيمة‭ ‬وكسب‭ ‬الدخل‭ ‬تشكل‭ ‬حافزًا‭ ‬قويًا‭ ‬لاكتساب‭ ‬المهارات‭ ‬وتطوير‭ ‬الكفاءات‭. ‬فالطلاب‭ ‬يقضون‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭ ‬في‭ ‬الدراسة‭ ‬ويتحملون‭ ‬أعباء‭ ‬مالية‭ ‬وضغوطًا‭ ‬نفسية‭ ‬ليصبحوا‭ ‬أطباء‭ ‬أو‭ ‬مهندسين‭ ‬أو‭ ‬محاسبين‭ ‬أو‭ ‬علماء‭. ‬وآخرون‭ ‬يختارون‭ ‬مسارات‭ ‬مختلفة،‭ ‬فيتدربون‭ ‬ويكتسبون‭ ‬الخبرة‭ ‬ليعملوا‭ ‬فنيين‭ ‬في‭ ‬الكهرباء‭ ‬أو‭ ‬الصيانة‭ ‬أو‭ ‬برمجة‭ ‬الحاسوب،‭ ‬بينما‭ ‬يتجه‭ ‬فريق‭ ‬ثالث‭ ‬إلى‭ ‬الاستثمار‭ ‬وتأسيس‭ ‬مشروعات‭ ‬جديدة‭.‬
الدوافع‭ ‬وراء‭ ‬هذه‭ ‬الخيارات‭ ‬متعددة؛‭ ‬فبعض‭ ‬الناس‭ ‬تحركهم‭ ‬رغبة‭ ‬صادقة‭ ‬في‭ ‬تحسين‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬حولهم‭. ‬لكن‭ ‬اللافت‭ ‬أن‭ ‬حتى‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬ينطلقون‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الدافع،‭ ‬ويبحثون‭ ‬أساسًا‭ ‬عن‭ ‬تحقيق‭ ‬مكاسب‭ ‬مالية،‭ ‬يجدون‭ ‬أنفسهم‭ ‬مضطرين‭ ‬لاكتساب‭ ‬مهارات‭ ‬واتخاذ‭ ‬قرارات‭ ‬ذات‭ ‬قيمة‭ ‬للآخرين‭. ‬فالدخول‭ ‬المرتفعة‭ ‬لا‭ ‬تتحقق‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تقديم‭ ‬سلع‭ ‬وخدمات‭ ‬تلبي‭ ‬احتياجات‭ ‬المجتمع،‭ ‬ولهذا‭ ‬فإن‭ ‬الساعين‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬ثروات‭ ‬كبيرة‭ ‬يولون‭ ‬اهتمامًا‭ ‬خاصًا‭ ‬برغبات‭ ‬الناس‭ ‬وتوقعاتهم‭.‬
تفسَّر‭ ‬الفجوة‭ ‬الهائلة‭ ‬في‭ ‬مستوى‭ ‬الإنتاج‭ ‬والدخل‭ ‬بين‭ ‬الحاضر‭ ‬والماضي‭ ‬بعدة‭ ‬عوامل‭ ‬رئيسية‭. ‬أول‭ ‬هذه‭ ‬العوامل‭ ‬أن‭ ‬المعرفة‭ ‬العلمية‭ ‬والقدرات‭ ‬التكنولوجية‭ ‬اليوم‭ ‬تفوق‭ ‬بكثير‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتخيله‭ ‬الأميركيون‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬القرن‭ ‬الثامن‭ ‬عشر‭. ‬العامل‭ ‬الثاني‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬امتلاك‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الحديث‭ ‬آلات‭ ‬متطورة‭ ‬ومصانع‭ ‬معقدة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬أساليب‭ ‬إنتاج‭ ‬أكثر‭ ‬كفاءة‭ ‬وشبكات‭ ‬اتصالات‭ ‬واسعة‭. ‬أما‭ ‬العامل‭ ‬الثالث،‭ ‬فيكمن‭ ‬في‭ ‬طبيعة‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬ذاته؛‭ ‬ففي‭ ‬عام‭ ‬1750‭ ‬كانت‭ ‬الأسر‭ ‬والأفراد‭ ‬ينتجون‭ ‬معظم‭ ‬ما‭ ‬يستهلكونه‭ ‬بأنفسهم،‭ ‬بينما‭ ‬يعتمد‭ ‬الناس‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬على‭ ‬شراء‭ ‬السلع‭ ‬والخدمات‭ ‬من‭ ‬الآخرين‭.‬
ورغم‭ ‬أن‭ ‬كثيرين‭ ‬ممن‭ ‬يقدمون‭ ‬هذا‭ ‬التفسير‭ ‬لا‭ ‬يمتلكون‭ ‬معرفة‭ ‬متعمقة‭ ‬بعلم‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬فإنهم‭ ‬يلمسون‭ ‬جوهره‭ ‬بشكل‭ ‬صحيح،‭ ‬حين‭ ‬يشيرون‭ ‬إلى‭ ‬الدور‭ ‬الحاسم‭ ‬للتكنولوجيا‭ ‬ورأس‭ ‬المال‭ ‬والتجارة‭. ‬وهذه‭ ‬الرؤية‭ ‬تدعم‭ ‬الفكرة‭ ‬القائلة‭ ‬إن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬في‭ ‬جوهره‭ ‬هو‭ ‬‮«‬علم‭ ‬استخدام‭ ‬العقل‭ ‬السليم‮»‬‭ ‬لفهم‭ ‬كيفية‭ ‬تحسين‭ ‬حياة‭ ‬الناس‭.‬
وقد‭ ‬سبق‭ ‬إبراز‭ ‬المكاسب‭ ‬التي‭ ‬تحققها‭ ‬التجارة‭ ‬وأهمية‭ ‬خفض‭ ‬تكاليف‭ ‬المعاملات‭ ‬بوصفهما‭ ‬محركين‭ ‬أساسيين‭ ‬للتقدم‭ ‬الاقتصادي‭. ‬ويضيف‭ ‬التحليل‭ ‬الاقتصادي‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬ثلاثة‭ ‬مصادر‭ ‬أخرى‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬أهمية،‭ ‬هي‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬البشر‭ ‬والآلات،‭ ‬والتقدم‭ ‬التكنولوجي،‭ ‬وتحسين‭ ‬أساليب‭ ‬التنظيم‭ ‬الاقتصادي‭.‬
أول‭ ‬هذه‭ ‬المصادر‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬أدوات‭ ‬الإنتاج،‭ ‬مثل‭ ‬الآلات‭ ‬والمعدات،‭ ‬وكذلك‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬مهارات‭ ‬العاملين،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬بالاستثمار‭ ‬في‭ ‬‮«‬رأس‭ ‬المال‭ ‬البشري‮»‬‭. ‬فكلما‭ ‬توفرت‭ ‬للعمال‭ ‬آلات‭ ‬أكثر‭ ‬تطورًا،‭ ‬ارتفعت‭ ‬إنتاجيتهم‭. ‬ويظهر‭ ‬ذلك‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬أمثلة‭ ‬بسيطة؛‭ ‬فتاجر‭ ‬الأخشاب‭ ‬يستطيع‭ ‬إنتاج‭ ‬كميات‭ ‬أكبر‭ ‬باستخدام‭ ‬المنشار‭ ‬الكهربائي‭ ‬مقارنة‭ ‬بالمنشار‭ ‬اليدوي،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬عامل‭ ‬النقل‭ ‬ينقل‭ ‬في‭ ‬شاحنة‭ ‬كبيرة‭ ‬ما‭ ‬يفوق‭ ‬بكثير‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬نقله‭ ‬باستخدام‭ ‬عربة‭ ‬بدائية‭ ‬أو‭ ‬دابة‭. ‬ويعكس‭ ‬ذلك‭ ‬الترابط‭ ‬الوثيق‭ ‬بين‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬الآلات‭ ‬والاستثمار‭ ‬في‭ ‬مهارات‭ ‬البشر‭.‬
المصدر‭ ‬الثاني‭ ‬للتقدم‭ ‬الاقتصادي‭ ‬هو‭ ‬التطور‭ ‬التكنولوجي،‭ ‬أي‭ ‬توظيف‭ ‬القدرات‭ ‬العقلية‭ ‬لاختراع‭ ‬منتجات‭ ‬جديدة‭ ‬وابتكار‭ ‬طرق‭ ‬إنتاج‭ ‬أقل‭ ‬كلفة‭ ‬وأكثر‭ ‬كفاءة‭. ‬وخلال‭ ‬القرنين‭ ‬ونصف‭ ‬القرن‭ ‬الماضية،‭ ‬حلّت‭ ‬المحركات‭ ‬البخارية،‭ ‬ثم‭ ‬الكهرباء،‭ ‬ثم‭ ‬الطاقة‭ ‬النووية،‭ ‬محل‭ ‬الجهد‭ ‬الإنساني‭ ‬والحيواني‭ ‬كمصادر‭ ‬رئيسية‭ ‬للطاقة‭. ‬كما‭ ‬استبدلت‭ ‬السيارات‭ ‬والحافلات‭ ‬والقطارات‭ ‬والطائرات‭ ‬وسائل‭ ‬النقل‭ ‬التقليدية‭ ‬مثل‭ ‬الخيل‭ ‬والمشي‭.‬
ولا‭ ‬يزال‭ ‬التقدم‭ ‬التكنولوجي‭ ‬يعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬أنماط‭ ‬حياتنا‭ ‬بشكل‭ ‬متواصل‭. ‬فانتشار‭ ‬الأقراص‭ ‬المدمجة،‭ ‬والحواسيب‭ ‬الدقيقة،‭ ‬والمعالجات،‭ ‬وأفران‭ ‬الميكروويف،‭ ‬وكاميرات‭ ‬الفيديو،‭ ‬والهواتف‭ ‬المحمولة،‭ ‬وأقراص‭ ‬DVD،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬التطورات‭ ‬الطبية‭ ‬مثل‭ ‬جراحات‭ ‬القلب‭ ‬واستبدال‭ ‬المفاصل،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬التقنيات‭ ‬البسيطة‭ ‬نسبيًا‭ ‬كأنظمة‭ ‬تكييف‭ ‬السيارات‭ ‬وفتّاحات‭ ‬الأبواب‭ ‬الإلكترونية،‭ ‬أحدث‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬الأربعة‭ ‬الماضية‭ ‬تحولًا‭ ‬عميقًا‭ ‬في‭ ‬أساليب‭ ‬العمل‭ ‬والترفيه‭ ‬والحياة‭ ‬اليومية،‭ ‬وأسهم‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬مستويات‭ ‬المعيشة‭ ‬وتحسين‭ ‬الرفاه‭ ‬العام‭.‬

التنظيم‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وآليات‭ ‬
السوق‭ ‬كرافعة‭ ‬للنمو

تتجه‭ ‬جميع‭ ‬العوامل‭ ‬التي‭ ‬جرى‭ ‬تناولها‭ ‬سابقًا‭ ‬نحو‭ ‬هدف‭ ‬واحد‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭. ‬ويبرز‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬عامل‭ ‬مكمل‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬أهمية‭ ‬عن‭ ‬الاستثمار‭ ‬والتكنولوجيا،‭ ‬وهو‭ ‬تحسين‭ ‬التنظيم‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬الذي‭ ‬يشكل‭ ‬الإطار‭ ‬الذي‭ ‬تعمل‭ ‬ضمنه‭ ‬مختلف‭ ‬الأنشطة‭ ‬الإنتاجية‭ ‬والتجارية‭.‬
ويقصد‭ ‬بالتنظيم‭ ‬الاقتصادي‭ ‬مجموعة‭ ‬القواعد‭ ‬والقوانين‭ ‬والمؤسسات‭ ‬التي‭ ‬تضبط‭ ‬النشاط‭ ‬الإنساني،‭ ‬وتحدد‭ ‬مدى‭ ‬سهولة‭ ‬ممارسة‭ ‬التجارة،‭ ‬وتأسيس‭ ‬الأعمال،‭ ‬وحل‭ ‬النزاعات‭. ‬وغالبًا‭ ‬ما‭ ‬يُغفل‭ ‬أثر‭ ‬هذه‭ ‬العناصر‭ ‬رغم‭ ‬دورها‭ ‬الحاسم‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬مستوى‭ ‬الاستثمار،‭ ‬واتساع‭ ‬نطاق‭ ‬التجارة،‭ ‬ودرجة‭ ‬التعاون‭ ‬الاقتصادي‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع‭. ‬فكلما‭ ‬كان‭ ‬التنظيم‭ ‬واضحًا‭ ‬وعادلاً،‭ ‬زادت‭ ‬ثقة‭ ‬الأفراد،‭ ‬وارتفعت‭ ‬وتيرة‭ ‬المبادرة‭ ‬والاستثمار‭.‬
ويُعد‭ ‬وجود‭ ‬نظام‭ ‬قانوني‭ ‬يحمي‭ ‬الملكية‭ ‬الخاصة،‭ ‬ويضمن‭ ‬تنفيذ‭ ‬العقود،‭ ‬ويفصل‭ ‬في‭ ‬الخلافات‭ ‬بكفاءة‭ ‬ونزاهة،‭ ‬شرطًا‭ ‬أساسيًا‭ ‬لتحقيق‭ ‬التقدم‭ ‬الاقتصادي‭. ‬فغياب‭ ‬هذا‭ ‬الإطار‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تراجع‭ ‬الاستثمارات،‭ ‬وتعثر‭ ‬حركة‭ ‬التجارة،‭ ‬وتباطؤ‭ ‬انتشار‭ ‬الأفكار‭ ‬والمشروعات‭ ‬المبتكرة،‭ ‬ما‭ ‬ينعكس‭ ‬سلبًا‭ ‬على‭ ‬النمو‭.‬
ولا‭ ‬تنشأ‭ ‬الاستثمارات‭ ‬أو‭ ‬التطورات‭ ‬التكنولوجية‭ ‬تلقائيًا،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬ثمرة‭ ‬قرارات‭ ‬يتخذها‭ ‬أفراد‭ ‬ومستثمرون‭ ‬يقبلون‭ ‬المخاطرة‭ ‬بحثًا‭ ‬عن‭ ‬الربح‭. ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬التنبؤ‭ ‬مسبقًا‭ ‬بالأفكار‭ ‬التي‭ ‬ستنجح‭ ‬أو‭ ‬بالتقنيات‭ ‬التي‭ ‬ستخفض‭ ‬التكاليف،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الابتكار‭ ‬كثيرًا‭ ‬ما‭ ‬يأتي‭ ‬من‭ ‬مصادر‭ ‬غير‭ ‬متوقعة‭. ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬يتطلب‭ ‬التقدم‭ ‬الاقتصادي‭ ‬نظامًا‭ ‬يسمح‭ ‬بتجربة‭ ‬الأفكار‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬واسع،‭ ‬ويمنح‭ ‬السوق‭ ‬الدور‭ ‬الفاصل‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬ما‭ ‬يستحق‭ ‬الاستمرار‭.‬
ولتحقيق‭ ‬ذلك،‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬أسواق‭ ‬مفتوحة‭ ‬تتيح‭ ‬الفرصة‭ ‬أمام‭ ‬الجميع‭ ‬لعرض‭ ‬منتجاتهم‭ ‬وخدماتهم‭ ‬الجديدة‭. ‬فنجاح‭ ‬أي‭ ‬مشروع‭ ‬لا‭ ‬يتطلب‭ ‬سوى‭ ‬تمويل‭ ‬محدود‭ ‬في‭ ‬مراحله‭ ‬الأولى،‭ ‬لكن‭ ‬استمراره‭ ‬مرهون‭ ‬بقدرته‭ ‬على‭ ‬إثبات‭ ‬جدواه‭ ‬في‭ ‬السوق‭.‬
وتؤدي‭ ‬المنافسة‭ ‬دورًا‭ ‬جوهريًا‭ ‬في‭ ‬ضبط‭ ‬الأداء‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬إذ‭ ‬تخضع‭ ‬الأفكار‭ ‬والمشروعات‭ ‬لاختبار‭ ‬المستهلكين،‭ ‬الذين‭ ‬يقررون‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬السلع‭ ‬أو‭ ‬الخدمات‭ ‬المقدمة‭ ‬تستحق‭ ‬الشراء‭ ‬بسعر‭ ‬يغطي‭ ‬تكلفتها‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬يصبح‭ ‬المستهلك‭ ‬الحكم‭ ‬النهائي،‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬تبقى‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬إلا‭ ‬المنتجات‭ ‬التي‭ ‬تقدم‭ ‬قيمة‭ ‬حقيقية‭.‬
وتتولى‭ ‬آليات‭ ‬السوق،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬الأسعار،‭ ‬توجيه‭ ‬سلوك‭ ‬الأفراد‭ ‬نحو‭ ‬أنشطة‭ ‬أكثر‭ ‬نفعًا‭ ‬للمجتمع‭. ‬فالسعي‭ ‬لتحقيق‭ ‬المصلحة‭ ‬الذاتية‭ ‬يدفع‭ ‬الأفراد‭ ‬إلى‭ ‬تحسين‭ ‬استخدام‭ ‬مواردهم،‭ ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬السعي،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬نظام‭ ‬السوق،‭ ‬يؤدي‭ ‬في‭ ‬المحصلة‭ ‬إلى‭ ‬تلبية‭ ‬حاجات‭ ‬الآخرين‭ ‬وتعزيز‭ ‬الكفاءة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬العامة،‭ ‬بما‭ ‬يدعم‭ ‬النمو‭ ‬ويرفع‭ ‬مستويات‭ ‬الرفاه‭.‬

رجوع لأعلى