القيمة والإنتاجية والتنظيم… ثلاثية النمو الاقتصادي
يختلف الناس في قدراتهم الإنتاجية، وتفضيلاتهم، والفرص المتاحة أمامهم، كما يتباينون في مهاراتهم المتخصصة، واستعدادهم لتحمّل المخاطر وتبعاتها، وحتى في نصيبهم من الحظ. هذه الفوارق تنعكس مباشرة على مستويات الدخل، لأنها تؤثر في قيمة السلع والخدمات التي يستطيع الأفراد تقديمها للآخرين أو يرغبون في تقديمها.
الأشخاص الذين يحققون مداخيل مرتفعة لا يصلون إلى ذلك مصادفة، بل لأنهم يقدمون للآخرين سلعًا أو خدمات يقدّرها المستهلكون ويحتاجون إليها. فلو لم تكن هذه المنتجات أو الخدمات مرغوبة، لما كان الناس على استعداد لدفع مبالغ كبيرة مقابلها. ومن هنا تبرز قاعدة اقتصادية بسيطة: كلما زادت قدرتك على تقديم فائدة حقيقية للآخرين، زادت فرصك في تحقيق دخل أعلى. وعلى العكس، فإن العجز عن مساعدة الآخرين أو عدم الرغبة في ذلك غالبًا ما يترجم إلى دخل محدود.
هذه العلاقة المباشرة بين تقديم القيمة وكسب الدخل تشكل حافزًا قويًا لاكتساب المهارات وتطوير الكفاءات. فالطلاب يقضون سنوات طويلة في الدراسة ويتحملون أعباء مالية وضغوطًا نفسية ليصبحوا أطباء أو مهندسين أو محاسبين أو علماء. وآخرون يختارون مسارات مختلفة، فيتدربون ويكتسبون الخبرة ليعملوا فنيين في الكهرباء أو الصيانة أو برمجة الحاسوب، بينما يتجه فريق ثالث إلى الاستثمار وتأسيس مشروعات جديدة.
الدوافع وراء هذه الخيارات متعددة؛ فبعض الناس تحركهم رغبة صادقة في تحسين العالم من حولهم. لكن اللافت أن حتى أولئك الذين لا ينطلقون من هذا الدافع، ويبحثون أساسًا عن تحقيق مكاسب مالية، يجدون أنفسهم مضطرين لاكتساب مهارات واتخاذ قرارات ذات قيمة للآخرين. فالدخول المرتفعة لا تتحقق إلا من خلال تقديم سلع وخدمات تلبي احتياجات المجتمع، ولهذا فإن الساعين إلى بناء ثروات كبيرة يولون اهتمامًا خاصًا برغبات الناس وتوقعاتهم.
تفسَّر الفجوة الهائلة في مستوى الإنتاج والدخل بين الحاضر والماضي بعدة عوامل رئيسية. أول هذه العوامل أن المعرفة العلمية والقدرات التكنولوجية اليوم تفوق بكثير كل ما كان يمكن أن يتخيله الأميركيون في منتصف القرن الثامن عشر. العامل الثاني يتمثل في امتلاك الاقتصاد الحديث آلات متطورة ومصانع معقدة، إلى جانب أساليب إنتاج أكثر كفاءة وشبكات اتصالات واسعة. أما العامل الثالث، فيكمن في طبيعة النشاط الاقتصادي ذاته؛ ففي عام 1750 كانت الأسر والأفراد ينتجون معظم ما يستهلكونه بأنفسهم، بينما يعتمد الناس اليوم في الغالب على شراء السلع والخدمات من الآخرين.
ورغم أن كثيرين ممن يقدمون هذا التفسير لا يمتلكون معرفة متعمقة بعلم الاقتصاد، فإنهم يلمسون جوهره بشكل صحيح، حين يشيرون إلى الدور الحاسم للتكنولوجيا ورأس المال والتجارة. وهذه الرؤية تدعم الفكرة القائلة إن الاقتصاد في جوهره هو «علم استخدام العقل السليم» لفهم كيفية تحسين حياة الناس.
وقد سبق إبراز المكاسب التي تحققها التجارة وأهمية خفض تكاليف المعاملات بوصفهما محركين أساسيين للتقدم الاقتصادي. ويضيف التحليل الاقتصادي إلى ذلك ثلاثة مصادر أخرى لا تقل أهمية، هي الاستثمار في البشر والآلات، والتقدم التكنولوجي، وتحسين أساليب التنظيم الاقتصادي.
أول هذه المصادر يتمثل في الاستثمار في أدوات الإنتاج، مثل الآلات والمعدات، وكذلك الاستثمار في مهارات العاملين، وهو ما يُعرف بالاستثمار في «رأس المال البشري». فكلما توفرت للعمال آلات أكثر تطورًا، ارتفعت إنتاجيتهم. ويظهر ذلك بوضوح في أمثلة بسيطة؛ فتاجر الأخشاب يستطيع إنتاج كميات أكبر باستخدام المنشار الكهربائي مقارنة بالمنشار اليدوي، كما أن عامل النقل ينقل في شاحنة كبيرة ما يفوق بكثير ما يمكن نقله باستخدام عربة بدائية أو دابة. ويعكس ذلك الترابط الوثيق بين الاستثمار في الآلات والاستثمار في مهارات البشر.
المصدر الثاني للتقدم الاقتصادي هو التطور التكنولوجي، أي توظيف القدرات العقلية لاختراع منتجات جديدة وابتكار طرق إنتاج أقل كلفة وأكثر كفاءة. وخلال القرنين ونصف القرن الماضية، حلّت المحركات البخارية، ثم الكهرباء، ثم الطاقة النووية، محل الجهد الإنساني والحيواني كمصادر رئيسية للطاقة. كما استبدلت السيارات والحافلات والقطارات والطائرات وسائل النقل التقليدية مثل الخيل والمشي.
ولا يزال التقدم التكنولوجي يعيد تشكيل أنماط حياتنا بشكل متواصل. فانتشار الأقراص المدمجة، والحواسيب الدقيقة، والمعالجات، وأفران الميكروويف، وكاميرات الفيديو، والهواتف المحمولة، وأقراص DVD، إلى جانب التطورات الطبية مثل جراحات القلب واستبدال المفاصل، فضلاً عن التقنيات البسيطة نسبيًا كأنظمة تكييف السيارات وفتّاحات الأبواب الإلكترونية، أحدث خلال العقود الأربعة الماضية تحولًا عميقًا في أساليب العمل والترفيه والحياة اليومية، وأسهم في رفع مستويات المعيشة وتحسين الرفاه العام.
التنظيم الاقتصادي وآليات
السوق كرافعة للنمو
تتجه جميع العوامل التي جرى تناولها سابقًا نحو هدف واحد يتمثل في تعزيز النمو الاقتصادي. ويبرز في هذا السياق عامل مكمل لا يقل أهمية عن الاستثمار والتكنولوجيا، وهو تحسين التنظيم الاقتصادي، الذي يشكل الإطار الذي تعمل ضمنه مختلف الأنشطة الإنتاجية والتجارية.
ويقصد بالتنظيم الاقتصادي مجموعة القواعد والقوانين والمؤسسات التي تضبط النشاط الإنساني، وتحدد مدى سهولة ممارسة التجارة، وتأسيس الأعمال، وحل النزاعات. وغالبًا ما يُغفل أثر هذه العناصر رغم دورها الحاسم في تحديد مستوى الاستثمار، واتساع نطاق التجارة، ودرجة التعاون الاقتصادي داخل المجتمع. فكلما كان التنظيم واضحًا وعادلاً، زادت ثقة الأفراد، وارتفعت وتيرة المبادرة والاستثمار.
ويُعد وجود نظام قانوني يحمي الملكية الخاصة، ويضمن تنفيذ العقود، ويفصل في الخلافات بكفاءة ونزاهة، شرطًا أساسيًا لتحقيق التقدم الاقتصادي. فغياب هذا الإطار يؤدي إلى تراجع الاستثمارات، وتعثر حركة التجارة، وتباطؤ انتشار الأفكار والمشروعات المبتكرة، ما ينعكس سلبًا على النمو.
ولا تنشأ الاستثمارات أو التطورات التكنولوجية تلقائيًا، بل هي ثمرة قرارات يتخذها أفراد ومستثمرون يقبلون المخاطرة بحثًا عن الربح. ولا يمكن التنبؤ مسبقًا بالأفكار التي ستنجح أو بالتقنيات التي ستخفض التكاليف، كما أن الابتكار كثيرًا ما يأتي من مصادر غير متوقعة. ومن هنا، يتطلب التقدم الاقتصادي نظامًا يسمح بتجربة الأفكار على نطاق واسع، ويمنح السوق الدور الفاصل في تحديد ما يستحق الاستمرار.
ولتحقيق ذلك، لا بد من أسواق مفتوحة تتيح الفرصة أمام الجميع لعرض منتجاتهم وخدماتهم الجديدة. فنجاح أي مشروع لا يتطلب سوى تمويل محدود في مراحله الأولى، لكن استمراره مرهون بقدرته على إثبات جدواه في السوق.
وتؤدي المنافسة دورًا جوهريًا في ضبط الأداء الاقتصادي، إذ تخضع الأفكار والمشروعات لاختبار المستهلكين، الذين يقررون ما إذا كانت السلع أو الخدمات المقدمة تستحق الشراء بسعر يغطي تكلفتها. وفي هذا الإطار، يصبح المستهلك الحكم النهائي، حيث لا تبقى في السوق إلا المنتجات التي تقدم قيمة حقيقية.
وتتولى آليات السوق، وفي مقدمتها الأسعار، توجيه سلوك الأفراد نحو أنشطة أكثر نفعًا للمجتمع. فالسعي لتحقيق المصلحة الذاتية يدفع الأفراد إلى تحسين استخدام مواردهم، لكن هذا السعي، من خلال نظام السوق، يؤدي في المحصلة إلى تلبية حاجات الآخرين وتعزيز الكفاءة الاقتصادية العامة، بما يدعم النمو ويرفع مستويات الرفاه.