الكريبتو تسبح عكس التيار
شهدت أسواق العملات المشفرة خلال الأسبوع الثاني من شهر مارس موجة جديدة من المكاسب، في وقت تعيش فيه الأسواق المالية العالمية حالة من الترقب والقلق بسبب التطورات الجيوسياسية المتسارعة، وعلى رأسها تصاعد الحرب في إيران وارتفاع أسعار النفط، وما قد يترتب على ذلك من ضغوط تضخمية إضافية على الاقتصاد العالمي.
وعلى الرغم من التقلبات التي طالت العديد من الأصول التقليدية، تمكنت سوق العملات المشفرة من تحقيق أداء إيجابي، حيث سجلت مكاسب أسبوعية بلغت نحو 90 مليار دولار، لترتفع القيمة السوقية الإجمالية للعملات الرقمية من 2.41 تريليون دولار الأسبوع الماضي إلى نحو 2.50 تريليون دولار بنهاية تعاملات يوم الجمعة، محققة نمواً يناهز 3.5 % خلال أسبوع واحد.
ويأتي هذا الأداء الإيجابي في وقت يتزايد فيه توجه المستثمرين نحو الأصول البديلة، في ظل حالة عدم اليقين التي تحيط بالاقتصاد العالمي، وهو ما يعزز دور العملات المشفرة كأحد الأدوات التي يلجأ إليها المستثمرون للتحوط من التضخم وتقلبات الأسواق.
بيتكوين تعود فوق
70 ألف دولار
في مقدمة العملات التي سجلت مكاسب هذا الأسبوع جاءت البيتكوين، العملة المشفرة الأكبر من حيث القيمة السوقية، والتي تمكنت من تحقيق ارتفاع ملحوظ خلال الأيام الماضية.
فقد ارتفع سعر البيتكوين بنحو 3.5 % خلال الأسبوع، ليصعد من مستوى 68012 دولاراً الأسبوع الماضي إلى نحو 70316 دولاراً هذا الأسبوع، متجاوزاً مجدداً حاجز السبعين ألف دولار الذي يعد من المستويات النفسية المهمة في سوق العملات الرقمية.
ويشير محللون إلى أن تجاوز هذا المستوى يعكس استمرار ثقة المستثمرين في العملة الرقمية الأكبر، رغم التحديات الاقتصادية والجيوسياسية التي تشهدها الأسواق العالمية.
كما يعكس هذا الأداء استمرار الاهتمام المؤسسي بالبيتكوين، خاصة مع توسع استخدام صناديق الاستثمار المرتبطة بالعملات المشفرة، والتي ساهمت خلال الفترة الماضية في جذب سيولة إضافية إلى السوق.
الإيثر تقود المكاسب
في المقابل، كانت الإيثر، العملة الرقمية المرتبطة بشبكة إيثريوم – من أبرز الرابحين خلال الأسبوع، حيث سجلت نمواً يفوق أداء معظم العملات الكبرى.
فقد ارتفع سعر الإيثر من نحو 1977 دولاراً الأسبوع الماضي إلى 2066 دولاراً بنهاية الأسبوع، محققة مكاسب تقارب 4.5 %.
ويرى محللون أن أداء الإيثر يعكس استمرار الطلب على التطبيقات اللامركزية والتقنيات المرتبطة بسلسلة الكتل (البلوك تشين)، والتي تعتمد بشكل كبير على شبكة إيثريوم.
كما أن التوقعات المرتبطة بتطويرات الشبكة وتحسين كفاءتها التشغيلية لا تزال تدعم ثقة المستثمرين في العملة.
أداء إيجابي لعملات بديلة
ولم تقتصر المكاسب على العملات الرئيسية فقط، بل امتدت أيضاً إلى عدد من العملات الرقمية الأخرى.
فقد سجلت عملة سولانا ارتفاعاً ملحوظاً، حيث صعد سعرها من نحو 85 دولاراً الأسبوع الماضي إلى قرابة 88.8 دولاراً هذا الأسبوع، محققة نمواً يقارب 4.5 %.
كما شهدت عملة دوغكوين التي تعد من أبرز العملات الرقمية ذات الطابع المجتمعي ارتفاعاً من مستوى 0.090 دولار الأسبوع الماضي إلى نحو 0.094 دولار هذا الأسبوع.
أما عملة الريبل (XRP) فقد سجلت بدورها مكاسب أسبوعية تجاوزت 3.5 %، حيث ارتفع سعرها من 1.35 دولار إلى نحو 1.40 دولار خلال نفس الفترة.
وتعكس هذه المكاسب الواسعة في العملات المختلفة تحسناً عاماً في معنويات المستثمرين داخل سوق العملات المشفرة، بعد فترة من التذبذب النسبي التي شهدتها الأسواق في الأسابيع الماضية.
الجغرافيا السياسية تدعم الأصول البديلة
ويأتي هذا الأداء الإيجابي للعملات المشفرة في وقت تتزايد فيه التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، خصوصاً مع تصاعد الحرب في إيران وما تحمله من تداعيات محتملة على أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.
فقد أدى تصاعد التوترات العسكرية إلى ارتفاع أسعار النفط العالمية، وهو ما أثار مخاوف واسعة بشأن إمكانية عودة الضغوط التضخمية، خصوصاً إذا استمرت أسعار الطاقة عند مستويات مرتفعة لفترة طويلة.
وفي مثل هذه الظروف، يميل بعض المستثمـرين إلى تنويع محـافظهم الاستثمارية عبر اللجوء إلى الأصول البديلة، مثل الذهب والعملات المشفرة، باعتبارها أدوات محتملة للتحوط من التضخم وتقلبات الأسواق التقليدية.
ويرى محللون أن هذا التوجه ساهم في تعزيز الطلب على العملات الرقمية خلال الأيام الماضية، خاصة مع استمرار الضبابية بشأن مسار الاقتصاد العالمي والسياسات النقدية في الاقتصادات الكبرى.
الكريبتو بين المخاطرة والتحوط
ورغم أن العملات المشفرة تصنف عادة ضمن الأصول عالية المخاطر، فإن بعض المستثمرين بدأوا ينظرون إليها بشكل مختلف في السنوات الأخيرة.
ففي ظل توسع استخدامها وتزايد الاهتمام المؤسسي بها، باتت العملات الرقمية تُدرج بشكل متزايد ضمن استراتيجيات تنويع المحافظ الاستثمارية.
ويشير خبراء إلى أن الكريبتو قد تلعب دوراً مزدوجاً في الأسواق؛ فهي من جهة أصول عالية المخاطر، لكنها من جهة أخرى قد تتحول في بعض الظروف إلى وسيلة للتحوط ضد ضعف العملات التقليدية أو ارتفاع التضخم.
ومع ارتفاع أسعار النفط نتيجة التوترات الجيوسياسية، يخشى المستثمرون من عودة موجة تضخمية جديدة قد تؤثر في الاقتصادات الكبرى، وهو ما يدفع بعضهم إلى زيادة تعرضهم للأصول البديلة.
مستقبل السوق
في ظل الضبابية
وعلى الرغم من المكاسب التي سجلتها العملات المشفرة هذا الأسبوع، فإن مستقبل السوق لا يزال مرتبطاً بعدد من العوامل الرئيسية، في مقدمتها تطورات الصراع في الشرق الأوسط، ومسار أسعار النفط، إضافة إلى السياسات النقدية العالمية.
فإذا استمرت التوترات الجيوسياسية وارتفعت أسعار الطاقة بشكل أكبر، قد يدفع ذلك بعض المستثمرين إلى تعزيز استثماراتهم في الأصول البديلة، بما فيها العملات الرقمية.
لكن في المقابل، فإن أي تصعيد كبير في الأزمات العالمية قد يدفع المستثمرين أيضاً إلى تقليص تعرضهم للأصول عالية المخاطر، وهو ما قد يؤدي إلى تقلبات أكبر في السوق.
وفي كل الأحوال، تشير التطورات الأخيرة إلى أن سوق العملات المشفرة باتت أكثر ارتباطاً بالاقتصاد العالمي مقارنة بالسنوات الماضية، حيث لم تعد تتحرك بمعزل عن الأحداث الجيوسياسية أو السياسات الاقتصادية الكبرى.
وبينما تستمر حالة عدم اليقين في الأسواق العالمية، يبدو أن العملات الرقمية ستظل جزءاً مهماً من المشهد المالي، سواء كأصول استثمارية عالية المخاطر أو كأداة محتملة للتحـوط فــي أوقات التقلبات الاقتصادية.