الكيانات الاقتصادية المؤثرة ودورها في تعزيز النمو والاستقرار
على الرغم من اختلاف أحجام شركات العائلات وتنوع مجالات عملها، فإنها تشترك في مجموعة من السمات الجوهرية التي تمنحها طابعًا مميزًا بين الكيانات الاقتصادية الأخرى. فهذه الشركات لا تقوم فقط على منطق السوق والإدارة الحديثة، بل تستند كذلك إلى منظومة من القيم والسلوكيات المستمدة من الإطار الأسري، حيث تمتلك كل عائلة معاييرها الخاصة في الانتماء والتنظيم وآليات اتخاذ القرار.
تداخل نظامين في كيان واحد
تقوم شركة العائلة على التقاء نظامين مختلفين في جوهرهما: نظام العائلة القائم على الروابط الاجتماعية والقيم والتقاليد، ونظام العمل الذي تحكمه القواعد المهنية والهياكل التنظيمية ومتطلبات الأداء. ومن هذا التلاقي يتشكل كيان ذو خصوصية فريدة، تتقاطع فيه المعايير السلوكية مع الأطر الإدارية، وتمتزج الاعتبارات العاطفية بالحسابات الاقتصادية، بما يفرض نمطًا إداريًا يتطلب قدرًا عاليًا من التوازن والوضوح في توزيع الأدوار والمسؤوليات.
الاستمرارية والارتباط
بالإرث الأسري
تنظر شركات العائلات إلى نشاطها الاقتصادي بوصفه امتدادًا لتاريخ الأسرة وإرثها عبر الأجيال، لا مجرد وسيلة لتحقيق الربح. هذا الإحساس بالاستمرارية يمنح الشركة رؤية طويلة الأمد تتجاوز تقلبات السوق الآنية، ويعزز لدى المالكين والعاملين شعورًا بالمسؤولية تجاه الحفاظ على السمعة وبناء مستقبل مستدام للمؤسسة. ورغم أن هذا البعد قد يظهر بدرجات متفاوتة في أنواع أخرى من الشركات، فإنه يظل سمة مركزية في الكيانات العائلية.
ترسيخ روح العائلة في بيئة العمل
تتميز العديد من شركات العائلات، ولا سيما التقليدية منها، بقدرتها على نقل روح الأسرة إلى داخل بيئة العمل، بحيث لا يقتصر الإحساس بالانتماء على المالكين وحدهم، بل يمتد إلى الموظفين على مختلف مستوياتهم. هذا المناخ يعزز مشاعر الولاء والتفاني في الأداء، ويخلق علاقة أقرب إلى الشراكة المعنوية بين العامل والمؤسسة. وفي كثير من الحالات، ينعكس هذا الإحساس بالانتماء في ارتفاع مستويات الالتزام والاستقرار الوظيفي، ما يدعم استمرارية العمل وجودة المخرجات.
حضور فاعل في اقتصادات العالم
تشكل شركات العائلات جزءاً أساسياً من اقتصادات الدول، وتمثل ركيزة في بنيتها الاجتماعية والاقتصادية. فهي تعد الشكل السائد من المؤسسات على مستوى العالم، وقد برزت تاريخيًا كقوة اقتصادية مؤثرة في ظل المخاطر التي أحاطت بالبيئات الاقتصادية في مراحل التصنيع الأولى، وغياب المؤسسات الناضجة آنذاك. ومع تطور الاقتصادات، تواصل الشركات العائلية أداء أدوار اقتصادية مماثلة لتلك التي تضطلع بها الشركات العامة، وتسهم في تحقيق معدلات نمو مرتفعة وتوفير فرص واسعة للتوظيف، حتى في الدول الصناعية المتقدمة ذات الشركات العملاقة.
ولا يظهر بين هذه الكيانات الكبرى والشركات العائلية تعارض جوهري، بل تتجسد العلاقة غالبًا في التعاون والتكامل، حيث تعتمد الشركات الكبيرة على نظيراتها العائلية في تلبية احتياجاتها الصغيرة ومتكررة الطلب، في حين تسهم الأخيرة بدورها في دعم الناتج المحلي الإجمالي في اقتصادات متعددة.
دور محوري في الاقتصاد العالمي
يلعب تزايد أعداد شركات العائلات في القرن العشرين دوراً رئيسياً في المراحل الأولى من التصنيع على مستوى العالم، وتستمر هذه الشركات في احتلال مكانة بارزة في اقتصاديات كثير من الدول، بغض النظر عن النظام الاقتصادي المتبع فيها. فهي تمثل غالبية الشركات العاملة، وتتصدر المشهد الاقتصادي في العديد من الدول.
في إيطاليا وبعض الدول العربية، تصل نسبة الشركات العائلية المسجلة إلى 95% من إجمالي الشركات، تليها الولايات المتحدة بنسبة 92 %. وتشكل هذه الكيانات أكثر الأنماط التنظيمية شيوعًا في عالم الأعمال، حيث تسهم بنحو 70 % إلى 90 % من الناتج الإجمالي العالمي. ففي الولايات المتحدة، تضم هذه الشركات نحو 20 مليون منشأة وتساهم بنصف الناتج المحلي الإجمالي، كما توفر 90 % من العمالة و75 % من فرص التوظيف الجديدة. وفي الاتحاد الأوروبي، تمثل الشركات العائلية ما بين 70 % و95 % من إجمالي الشركات، وتسهم بنحو 70 % من الناتج القومي الإجمالي.
على صعيد الدول العربية، تشكل شركات العائلات 95 % من إجمالي الشركات، وتساهم بحوالي 70 % من النشاط الاقتصادي، حيث يقدر عددها في دول مجلس التعاون بما يقارب 20 ألف شركة، باستثمارات تصل إلى 500 مليار دولار وإجمالي ثروات عالمية يقدر بحوالي تريليوني دولار، كما توظف نحو 15 مليون عامــل. وتساهــم هـذه الشركـات بنسبــة تتراوح بين 75 % و95% من حجم النشاط التجاري الخاص، ما يجعلها مظهراً اقتصادياً مميزًا في منطقة الخليج العربي، وتحقق نموها من خلال التنافس الناجح في السوق مع المؤسسات الأخرى.
تتمتع الشركات العائلية بقدرة تنافسية جيدة في قطاعات الصناعة، الفنادق والمطاعم، النقل والتخزين، الاتصالات، العقارات والتأجير، وخدمات الأعمال، بينما تكون أقل تنافسية في قطاعات الزراعة، استخراج النفط والغاز الطبيعي، البناء والتشييد، والتجارة والخدمات المالية.
كما تشهد شركات التقنية الصغيرة حديثة الإنشاء فرص عمل أكبر من الشركات الأكبر حجمًا، ففي الدول المتقدمة، يتراوح معدل العاملين في المؤسسات الصغيرة بين 6 % و15 % من إجمالي القوى العاملة، بينما في إيطاليا تصل نسبة الشركات الصغيرة الصناعية إلى 90 % من إجمالي الشركات الصناعية، وتشغل نحو 84 % من عدد العاملين. وفي المملكة المتحدة، يبلغ عدد أصحاب المصالح الصغيرة نحو 3.4 ملايين من أصل 27 مليون عامل.
تمثل الشركات العائلية الركيزة الأساسية للاقتصاد في الدول العربية، وهي النواة التي تتنوع منها مصادر الدخل القومي، وتستمر في لعب دور محوري في التنمية الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي.
تصنيف الشركات وأهمية العائلات في الاقتصاد السعودي
يصنف الاتحاد الأوروبي الشركات وفقًا لأربعة فئات رئيسية:
● الشركات متناهية الصغر: التي لا يزيد عدد موظفيها عن عشرة أشخاص.
● الشركات الصغيرة: التي يقل عدد موظفيها عن 49 شخصًا.
● الشركات المتوسطة: التي يتراوح عدد موظفيها بين 50 و249 عاملًا.
● الشركات الكبيرة: التي يزيد عدد موظفيها عن 250 شخصاً.
في المملكة العربية السعودية، كانت الشركات المملوكة للعائلات في بداياتها مؤسسات تركز أساسًا على تجارة المواد الغذائية المستوردة من الأسواق الآسيوية وبيعها محليًا، وذلك قبل اكتشاف النفط وتدفق عائداته التي أصبحت المحرك الأساسي للاقتصاد. وكان موسم الحج يمثل فرصة رئيسية لكثير من العائلات المالكة للمؤسسات، حيث يقدمون خدمات متنوعة للحجاج القادمين من مختلف أنحاء العالم.
كانت الزراعة محدودة، وتركزت المهن بشكل أساسي على متطلبات السوق المحلية، وبعض المحلات كانت تقدم خدمات الصرافة قبل وجود المصارف، ومن أبرز هذه المؤسسات الصرافية مؤسسة عائلة الراجحي، التي تحولت اليوم إلى واحدة من أكبر شركات المصارف في المملكة.
مع بداية تدفق الإيرادات النفطية، شهد الاقتصاد نمواً سريعاً، وبدأت العائلات الناشطة في التجارة والصناعة بتوسيع أعمالها وزيادة أصولها المالية، ليتجه العديد من هؤلاء التجار لاحقاً إلى الاستثمار في قطاع العقارات الذي وفر لهم عوائد كبيرة. خلال هذه المرحلة، ركزت الدولة على تطوير البنية التحتية، وتعزيز الصحة العامة والتعليم، بما أسهم في دعم نمو الأعمال العائلية وازدهارها.