تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحاسبة‭ ‬المالية‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الابتكار‭ ‬المالي‭… ‬قراءة‭ ‬تحليلية‭ ‬باستخدام‭ ‬نموذج‭ ‬SWOT

IF31

ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق،‭ ‬تسعى‭ ‬هذه‭ ‬الدراسة‭ ‬إلى‭ ‬تقييم‭ ‬مدى‭ ‬قدرة‭ ‬نظام‭ ‬المحاسبة‭ ‬المالية‭ ‬على‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬ابتكارات‭ ‬الهندسة‭ ‬المالية،‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬نموذج‭ ‬التحليل‭ ‬الرباعي‭ (‬SWOT‭) ‬لتحديد‭ ‬نقاط‭ ‬القوة‭ ‬والضعف‭ ‬والفرص‭ ‬والتهديدات‭ ‬في‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الجانبين‭. ‬وتتمثل‭ ‬الفلسفة‭ ‬الأساسية‭ ‬للبحث‭ ‬في‭ ‬دراسة‭ ‬مدى‭ ‬جاهزية‭ ‬المحاسبة‭ ‬المالية‭ ‬لاستيعاب‭ ‬هذه‭ ‬الابتكارات،‭ ‬بوصف‭ ‬ذلك‭ ‬مدخلًا‭ ‬لتطوير‭ ‬دورها‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬تفرضها‭ ‬الأدوات‭ ‬المالية‭ ‬الحديثة‭.‬
واعتمدت‭ ‬الدراسة‭ ‬على‭ ‬المنهج‭ ‬الاستقرائي‭ ‬في‭ ‬تحليل‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الظواهر‭ ‬المرتبطة‭ ‬بتطور‭ ‬الهندسة‭ ‬المالية،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬العلاقة‭ ‬بينها‭ ‬وبين‭ ‬المحاسبة‭ ‬الإبداعية،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬الفجوة‭ ‬القائمة‭ ‬بين‭ ‬سرعة‭ ‬تطور‭ ‬الابتكارات‭ ‬المالية‭ ‬وبطء‭ ‬استجابة‭ ‬الأنظمة‭ ‬المحاسبية‭ ‬لها‭. ‬كما‭ ‬تناولت‭ ‬الدراسة‭ ‬الآثار‭ ‬المترتبة‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الفجوة‭ ‬وانعكاساتها‭ ‬المختلفة،‭ ‬وصولًا‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬نموذج‭ ‬تحليل‭ ‬رباعي‭ (‬SWOT‭) ‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬تقييم‭ ‬قدرة‭ ‬نظام‭ ‬المحاسبة‭ ‬المالية‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬تفرضها‭ ‬أدوات‭ ‬الهندسة‭ ‬المالية‭.‬
وقد‭ ‬ظهرت‭ ‬الهندسة‭ ‬المالية‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬ثمانينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬كأحد‭ ‬الأساليب‭ ‬الحديثة‭ ‬لمساعدة‭ ‬الشركات‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬المخاطر‭ ‬والتحوط‭ ‬منها‭. ‬ففي‭ ‬البداية‭ ‬كان‭ ‬سوق‭ ‬المشتقات‭ ‬المالية‭ ‬محدود‭ ‬الحجم‭ ‬ويُستخدم‭ ‬أساسًا‭ ‬لهذا‭ ‬الغرض،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬توسع‭ ‬وتطورت‭ ‬استخداماته‭ ‬ليصبح‭ ‬أداة‭ ‬رئيسية‭ ‬في‭ ‬ابتكار‭ ‬استراتيجيات‭ ‬استثمارية‭ ‬جديدة‭. ‬وتشير‭ ‬بعض‭ ‬الدراسات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬البنوك‭ ‬البريطانية‭ ‬كانت‭ ‬من‭ ‬أوائل‭ ‬الجهات‭ ‬التي‭ ‬أسست‭ ‬وحدات‭ ‬متخصصة‭ ‬لتطوير‭ ‬حلول‭ ‬مالية‭ ‬تساعد‭ ‬الشركات‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬المخاطر‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تصميم‭ ‬منتجات‭ ‬مالية‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬أسواق‭ ‬المال‭.‬
ومع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت،‭ ‬تحول‭ ‬مفهوم‭ ‬الهندسة‭ ‬المالية‭ ‬إلى‭ ‬إطار‭ ‬فكري‭ ‬متكامل‭ ‬لمعالجة‭ ‬القضايا‭ ‬التمويلية‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬مجالات‭ ‬التمويل،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬ساهم‭ ‬في‭ ‬نموها‭ ‬بشكل‭ ‬متسارع‭. ‬فقد‭ ‬ارتفع‭ ‬حجم‭ ‬الأسواق‭ ‬المرتبطة‭ ‬بهذه‭ ‬الأدوات‭ ‬من‭ ‬نحو‭ ‬100‭ ‬تريليون‭ ‬دولار‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1998‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬على‭ ‬600‭ ‬تريليون‭ ‬دولار‭ ‬بحلول‭ ‬عام‭ ‬2008‭.‬
كما‭ ‬أسهمت‭ ‬ابتكارات‭ ‬الهندسة‭ ‬المالية‭ ‬في‭ ‬تنشيط‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬ومعالجة‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬التحديات‭ ‬التمويلية‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬الشركات،‭ ‬وذلك‭ ‬عبر‭ ‬تقديم‭ ‬حلول‭ ‬غير‭ ‬تقليدية‭. ‬ومن‭ ‬أبرز‭ ‬هذه‭ ‬الحلول‭ ‬استخدام‭ ‬آلية‭ ‬التوريق‭ ‬لمعالجة‭ ‬مشكلات‭ ‬التمويل‭ ‬المرتبطة‭ ‬بقروض‭ ‬الرهن‭ ‬العقاري،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬التأجير‭ ‬التمويلي‭ ‬كوسيلة‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬تمويل‭ ‬خارج‭ ‬الميزانية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬ساعد‭ ‬الشركات‭ ‬على‭ ‬تجنب‭ ‬تحميل‭ ‬ميزانياتها‭ ‬بمستويات‭ ‬مرتفعة‭ ‬من‭ ‬الديون،‭ ‬وبالتالي‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬هيكل‭ ‬الرافعة‭ ‬المالية‭ ‬لديها‭. ‬كذلك‭ ‬لعبت‭ ‬أدوات‭ ‬مالية‭ ‬أخرى‭ ‬مثل‭ ‬المشتقات‭ ‬والخيارات‭ ‬دورًا‭ ‬مهمًا‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬المخاطر‭ ‬المالية‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تواجه‭ ‬الشركات‭.‬
وقد‭ ‬امتد‭ ‬تأثير‭ ‬الهندسة‭ ‬المالية‭ ‬ليشمل‭ ‬جوانب‭ ‬متعددة‭ ‬من‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬على‭ ‬المستويين‭ ‬الجزئي‭ ‬والكلي،‭ ‬حيث‭ ‬ساهمت‭ ‬في‭ ‬تعظيم‭ ‬قيمة‭ ‬الشركات،‭ ‬وتحسين‭ ‬إدارة‭ ‬المحافظ‭ ‬الاستثمارية،‭ ‬والتخفيف‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬المخاطر‭ ‬التنظيمية‭ ‬والسياسية،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬تنظيم‭ ‬صفقات‭ ‬البيع‭ ‬والشراء‭ ‬بما‭ ‬يحقق‭ ‬توازنًا‭ ‬أكبر‭ ‬بين‭ ‬أطرافها،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬مزايا‭ ‬اقتصادية‭ ‬ومالية‭ ‬أخرى‭.‬
يلعب‭ ‬المهندس‭ ‬المالي‭ ‬دورًا‭ ‬محوريًا‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬الأدوات‭ ‬والمنتجات‭ ‬المالية‭ ‬داخل‭ ‬الأسواق‭ ‬الحديثة،‭ ‬إذ‭ ‬تتوزع‭ ‬مهامه‭ ‬الأساسية‭ ‬على‭ ‬ثلاثة‭ ‬محاور‭ ‬رئيسية‭. ‬يتمثل‭ ‬المحور‭ ‬الأول‭ ‬في‭ ‬ابتكار‭ ‬أدوات‭ ‬مالية‭ ‬جديدة‭ ‬تلبي‭ ‬احتياجات‭ ‬العملاء‭ ‬المختلفة،‭ ‬بينما‭ ‬يرتبط‭ ‬المحور‭ ‬الثاني‭ ‬بتسويق‭ ‬هذه‭ ‬الأدوات‭ ‬وإدخالها‭ ‬إلى‭ ‬الأسواق‭ ‬المالية‭. ‬أما‭ ‬المحور‭ ‬الثالث‭ ‬فيتعلق‭ ‬بالاستفادة‭ ‬من‭ ‬الثغرات‭ ‬الموجودة‭ ‬في‭ ‬القوانين‭ ‬والمعايير‭ ‬التنظيمية،‭ ‬وتوظيفها‭ ‬بطريقة‭ ‬تخدم‭ ‬مصالح‭ ‬العملاء‭ ‬أو‭ ‬المؤسسات‭ ‬التي‭ ‬يتعامل‭ ‬معها‭.‬
ورغم‭ ‬الإسهامات‭ ‬الواسعة‭ ‬للهندسة‭ ‬المالية‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬الأسواق‭ ‬المالية‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬الماضية،‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬التطورات‭ ‬لم‭ ‬تخلُ‭ ‬من‭ ‬آثار‭ ‬سلبية‭. ‬فقد‭ ‬شهدت‭ ‬الأسواق‭ ‬انهيار‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الكيانات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الكبرى،‭ ‬وكان‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬تلك‭ ‬الأحداث‭ ‬إعلان‭ ‬إفلاس‭ ‬شركة‭ ‬‮«‬إنرون‮»‬‭ ‬عام‭ ‬2001،‭ ‬وهو‭ ‬الحدث‭ ‬الذي‭ ‬شكّل‭ ‬نقطة‭ ‬تحول‭ ‬في‭ ‬النظرة‭ ‬العالمية‭ ‬إلى‭ ‬الهندسة‭ ‬المالية‭. ‬فقد‭ ‬أسهمت‭ ‬هذه‭ ‬الأزمة‭ ‬في‭ ‬كشف‭ ‬المخاطر‭ ‬الكامنة‭ ‬وراء‭ ‬الاستخدام‭ ‬المفرط‭ ‬للأدوات‭ ‬المالية‭ ‬المبتكرة،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬ساد‭ ‬اعتقاد‭ ‬لدى‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬المتعاملين‭ ‬بإمكانية‭ ‬تحقيق‭ ‬عوائد‭ ‬مرتفعة‭ ‬في‭ ‬فترات‭ ‬قصيرة‭ ‬وبتكلفة‭ ‬منخفضة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬تراجع‭ ‬الالتزام‭ ‬بمبادئ‭ ‬الحيطة‭ ‬والحذر‭ ‬في‭ ‬القرارات‭ ‬المالية‭.‬
وقد‭ ‬كانت‭ ‬شركة‭ ‬‮«‬إنرون‮»‬‭ ‬تُعد‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أكبر‭ ‬الشركات‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬كما‭ ‬حصلت‭ ‬لعدة‭ ‬سنوات‭ ‬متتالية‭ ‬على‭ ‬لقب‭ ‬أكثر‭ ‬الشركات‭ ‬ابتكارًا‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬النجاح‭ ‬الظاهري‭ ‬لم‭ ‬يمنع‭ ‬انهيارها‭ ‬بشكل‭ ‬سريع‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬قصيرة،‭ ‬إذ‭ ‬كشفت‭ ‬التحقيقات‭ ‬أن‭ ‬أحد‭ ‬الأسباب‭ ‬الرئيسية‭ ‬وراء‭ ‬الإفلاس‭ ‬كان‭ ‬الاستخدام‭ ‬المكثف‭ ‬لأدوات‭ ‬الهندسة‭ ‬المالية‭ ‬بهدف‭ ‬إخفاء‭ ‬الوضع‭ ‬المالي‭ ‬الحقيقي‭ ‬للشركة‭ ‬لعدة‭ ‬سنوات‭.‬
ويرى‭ ‬بعض‭ ‬الباحثين‭ ‬أن‭ ‬أزمة‭ ‬‮«‬إنرون‮»‬‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬عاملين‭ ‬رئيسيين‭. ‬يتمثل‭ ‬العامل‭ ‬الأول‭ ‬في‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬أسلوب‭ ‬القيمة‭ ‬العادلة‭ ‬في‭ ‬تقييم‭ ‬الأدوات‭ ‬المالية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬إلى‭ ‬تسجيل‭ ‬أرباح‭ ‬غير‭ ‬محققة‭ ‬أو‭ ‬مبالغ‭ ‬فيها‭. ‬أما‭ ‬العامل‭ ‬الثاني‭ ‬فيرتبط‭ ‬باستخدام‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬بالوحدات‭ ‬ذات‭ ‬الغرض‭ ‬الخاص‭ (‬SPE‭)‬،‭ ‬وهي‭ ‬كيانات‭ ‬يتم‭ ‬إنشاؤها‭ ‬لتنفيذ‭ ‬أغراض‭ ‬محددة‭. ‬وقد‭ ‬كشفت‭ ‬التقارير‭ ‬المالية‭ ‬أن‭ ‬الشركة‭ ‬أعلنت‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1999‭ ‬عن‭ ‬أصول‭ ‬تبلغ‭ ‬نحو‭ ‬33‭.‬381‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬داخل‭ ‬ميزانيتها،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬بلغت‭ ‬الأصول‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالوحدات‭ ‬خارج‭ ‬الميزانية‭ ‬نحو‭ ‬26‭.‬993‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الجهات‭ ‬المقرضة‭ ‬لتلك‭ ‬الوحدات‭ ‬كانت‭ ‬تشترط‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬تقديم‭ ‬ضمانات‭ ‬للقروض،‭ ‬وكان‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬أسهم‭ ‬الشركة‭ ‬نفسها،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬تفاقم‭ ‬الخسائر‭ ‬وتسارع‭ ‬وتيرة‭ ‬الانهيار‭ ‬عندما‭ ‬تراجع‭ ‬سعر‭ ‬سهم‭ ‬الشركة‭ ‬في‭ ‬السوق‭.‬
ولم‭ ‬تتوقف‭ ‬الانتقادات‭ ‬الموجهة‭ ‬للهندسة‭ ‬المالية‭ ‬عند‭ ‬هذا‭ ‬الحد،‭ ‬بل‭ ‬عادت‭ ‬إلى‭ ‬الواجهة‭ ‬مجددًا‭ ‬عقب‭ ‬الأزمة‭ ‬المالية‭ ‬العالمية‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2008‭. ‬فقد‭ ‬اعتبر‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المحللين‭ ‬أن‭ ‬الإفراط‭ ‬في‭ ‬استخدام‭ ‬الأدوات‭ ‬المالية‭ ‬المعقدة‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬العوامل‭ ‬التي‭ ‬ساهمت‭ ‬في‭ ‬تفاقم‭ ‬تلك‭ ‬الأزمة،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬ضعف‭ ‬الإدراك‭ ‬الكامل‭ ‬للمخاطر‭ ‬المرتبطة‭ ‬بهذه‭ ‬الابتكارات‭.‬
وفي‭ ‬البداية،‭ ‬وُجّهت‭ ‬الانتقادات‭ ‬أساسًا‭ ‬إلى‭ ‬المهندسين‭ ‬الماليين‭ ‬والمتخصصين‭ ‬في‭ ‬التمويل‭ ‬باعتبارهم‭ ‬المسؤولين‭ ‬عن‭ ‬تطوير‭ ‬هذه‭ ‬الأدوات‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬دائرة‭ ‬الاتهام‭ ‬اتسعت‭ ‬لاحقًا‭ ‬لتشمل‭ ‬النظام‭ ‬المحاسبي‭ ‬نفسه،‭ ‬حيث‭ ‬أُثيرت‭ ‬تساؤلات‭ ‬حول‭ ‬مدى‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬الابتكارات‭ ‬المالية‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬القياس‭ ‬المحاسبي‭ ‬والإفصاح‭ ‬عن‭ ‬نتائجها‭ ‬بشكل‭ ‬دقيق‭.‬
وقد‭ ‬تمثلت‭ ‬أبرز‭ ‬أوجه‭ ‬القصور‭ ‬التي‭ ‬أشار‭ ‬إليها‭ ‬بعض‭ ‬الباحثين‭ ‬في‭ ‬ضعف‭ ‬نظم‭ ‬الحوكمة،‭ ‬والتوسع‭ ‬في‭ ‬العمليات‭ ‬خارج‭ ‬الميزانية،‭ ‬وعدم‭ ‬كفاية‭ ‬المعايير‭ ‬المحاسبية‭ ‬لتنظيم‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الأدوات‭ ‬المالية‭ ‬الحديثة،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬الإفراط‭ ‬في‭ ‬استخدام‭ ‬مبدأ‭ ‬القيمة‭ ‬العادلة،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬إخفاق‭ ‬بعض‭ ‬المراجعين‭ ‬في‭ ‬إصدار‭ ‬تحذيرات‭ ‬مبكرة‭ ‬بشأن‭ ‬المخاطر‭ ‬المرتبطة‭ ‬بهذه‭ ‬الممارسات‭.‬
وأدت‭ ‬هذه‭ ‬الانتقادات‭ ‬إلى‭ ‬تحميل‭ ‬النظام‭ ‬المحاسبي‭ ‬والمنظمات‭ ‬المهنية‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬المسؤولية‭ ‬عن‭ ‬تفاقم‭ ‬آثار‭ ‬الأزمة‭ ‬المالية،‭ ‬حيث‭ ‬يرى‭ ‬بعض‭ ‬الباحثين‭ ‬أن‭ ‬التنظيمات‭ ‬المحاسبية‭ ‬ومكاتب‭ ‬المراجعة‭ ‬ساهمت،‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬مباشر،‭ ‬في‭ ‬نشوء‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬بالنظام‭ ‬المصرفي‭ ‬الموازي،‭ ‬والذي‭ ‬سمح‭ ‬بتراكم‭ ‬كميات‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬الالتزامات‭ ‬خارج‭ ‬الميزانية‭ ‬والاعتراف‭ ‬بأرباح‭ ‬المضاربات‭ ‬المالية‭.‬
وفي‭ ‬ضوء‭ ‬هذه‭ ‬التطورات،‭ ‬ازداد‭ ‬الاهتمام‭ ‬بدراسة‭ ‬العلاقة‭ ‬المتبادلة‭ ‬بين‭ ‬المحاسبة‭ ‬المالية‭ ‬والهندسة‭ ‬المالية،‭ ‬وهي‭ ‬علاقة‭ ‬اتسمت‭ ‬عبر‭ ‬السنوات‭ ‬بطابع‭ ‬تنافسي‭ ‬مستمر‭. ‬وقد‭ ‬شبّه‭ ‬بعض‭ ‬الباحثين‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة‭ ‬بلعبة‭ ‬‮«‬القط‭ ‬والفأر‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬يسعى‭ ‬المهندسون‭ ‬الماليون‭ ‬باستمرار‭ ‬إلى‭ ‬ابتكار‭ ‬أدوات‭ ‬جديدة،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬يحتاج‭ ‬واضعو‭ ‬المعايير‭ ‬المحاسبية‭ ‬إلى‭ ‬وقت‭ ‬أطول‭ ‬لصياغة‭ ‬القواعد‭ ‬المنظمة‭ ‬للتعامل‭ ‬معها‭. ‬ويُعد‭ ‬مجال‭ ‬المحاسبة‭ ‬عن‭ ‬عقود‭ ‬الإيجار‭ ‬أحد‭ ‬الأمثلة‭ ‬البارزة‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬التحدي،‭ ‬إذ‭ ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬تتأخر‭ ‬المعايير‭ ‬المحاسبية‭ ‬في‭ ‬مواكبة‭ ‬الابتكارات‭ ‬المالية،‭ ‬بينما‭ ‬يتمكن‭ ‬المهندسون‭ ‬الماليون‭ ‬من‭ ‬تطوير‭ ‬أساليب‭ ‬جديدة‭ ‬قد‭ ‬تلتف‭ ‬حول‭ ‬تلك‭ ‬القواعد‭ ‬قبل‭ ‬تحديثها‭.‬
يرى‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الباحثين‭ ‬أن‭ ‬جوهر‭ ‬الإشكالية‭ ‬في‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬المحاسبة‭ ‬المالية‭ ‬والهندسة‭ ‬المالية‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬اختلاف‭ ‬المنطلقات‭ ‬التي‭ ‬يقوم‭ ‬عليها‭ ‬كل‭ ‬منهما‭. ‬فالنظام‭ ‬المحاسبي‭ ‬يُنظر‭ ‬إليه‭ ‬غالبًا‭ ‬من‭ ‬زاوية‭ ‬قانونية‭ ‬وتنظيمية‭ ‬تفرض‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬القواعد‭ ‬والضوابط‭ ‬التي‭ ‬تحدد‭ ‬إطار‭ ‬الممارسة‭ ‬المحاسبية،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تقوم‭ ‬الهندسة‭ ‬المالية‭ ‬على‭ ‬منطق‭ ‬السوق‭ ‬ومرونته،‭ ‬وتركز‭ ‬على‭ ‬ابتكار‭ ‬أدوات‭ ‬مالية‭ ‬تلبي‭ ‬احتياجات‭ ‬العملاء‭ ‬وتستجيب‭ ‬لمتطلبات‭ ‬الأسواق‭ ‬المتغيرة‭. ‬هذا‭ ‬الاختلاف‭ ‬في‭ ‬المنطلقات‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬اتساع‭ ‬الفجوة‭ ‬بين‭ ‬سرعة‭ ‬تطور‭ ‬الابتكارات‭ ‬المالية‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬وقدرة‭ ‬النظام‭ ‬المحاسبي‭ ‬على‭ ‬استيعاب‭ ‬آثارها‭ ‬والتعامل‭ ‬معها‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭.‬
وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬الدور‭ ‬المحوري‭ ‬الذي‭ ‬تؤديه‭ ‬المحاسبة‭ ‬في‭ ‬توفير‭ ‬المعلومات‭ ‬المالية‭ ‬التي‭ ‬يعتمد‭ ‬عليها‭ ‬متخذو‭ ‬القرار،‭ ‬وما‭ ‬تمثله‭ ‬من‭ ‬عنصر‭ ‬أساسي‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬التنمية‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬فإنها‭ ‬تواجه‭ ‬اليوم‭ ‬مجموعة‭ ‬متزايدة‭ ‬من‭ ‬التحديات‭. ‬ويُعد‭ ‬التطور‭ ‬المتسارع‭ ‬في‭ ‬أدوات‭ ‬الهندسة‭ ‬المالية‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬هذه‭ ‬التحديات،‭ ‬إذ‭ ‬أسهمت‭ ‬تلك‭ ‬الابتكارات‭ ‬في‭ ‬إبراز‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬نقاط‭ ‬الضعف‭ ‬والانتقادات‭ ‬الموجهة‭ ‬للنظام‭ ‬المحاسبي،‭ ‬خصوصًا‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بقدرته‭ ‬على‭ ‬مواكبة‭ ‬التحولات‭ ‬المتسارعة‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬المالية‭.‬
وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬تبرز‭ ‬عدة‭ ‬تساؤلات‭ ‬بحثية‭ ‬أساسية،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬طبيعة‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬المحاسبة‭ ‬المالية‭ ‬والهندسة‭ ‬المالية،‭ ‬ومدى‭ ‬قدرة‭ ‬النظام‭ ‬المحاسبي‭ ‬على‭ ‬الاستجابة‭ ‬للديناميكية‭ ‬التي‭ ‬تتسم‭ ‬بها‭ ‬الابتكارات‭ ‬المالية‭. ‬كما‭ ‬تطرح‭ ‬هذه‭ ‬الإشكالية‭ ‬تساؤلات‭ ‬أخرى‭ ‬تتعلق‭ ‬بتحديد‭ ‬عناصر‭ ‬القوة‭ ‬والضعف‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬النظام‭ ‬المحاسبي‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الأدوات‭ ‬المالية‭ ‬المستحدثة،‭ ‬وكذلك‭ ‬الفرص‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬استيعاب‭ ‬تلك‭ ‬الأدوات‭ ‬والتعامل‭ ‬معها‭ ‬بفعالية‭.‬
ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق‭ ‬يهدف‭ ‬البحث‭ ‬إلى‭ ‬تقييم‭ ‬قدرة‭ ‬النظام‭ ‬المحاسبي‭ ‬على‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬ابتكارات‭ ‬الهندسة‭ ‬المالية،‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬بناء‭ ‬نموذج‭ ‬تحليل‭ ‬رباعي‭ (‬SWOT‭) ‬يوضح‭ ‬أبعاد‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة‭. ‬ويتحقق‭ ‬هذا‭ ‬الهدف‭ ‬عبر‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الأهداف‭ ‬الفرعية،‭ ‬من‭ ‬أبرزها‭ ‬تحديد‭ ‬أوجه‭ ‬القصور‭ ‬في‭ ‬المحاسبة‭ ‬المالية‭ ‬الناتجة‭ ‬عن‭ ‬سرعة‭ ‬تطور‭ ‬الأدوات‭ ‬المالية‭ ‬المبتكرة،‭ ‬وما‭ ‬يترتب‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬تأثيرات‭ ‬محتملة‭ ‬في‭ ‬جودة‭ ‬المعلومات‭ ‬المحاسبية‭.‬
كما‭ ‬يسعى‭ ‬البحث‭ ‬إلى‭ ‬إبراز‭ ‬جوانب‭ ‬القوة‭ ‬التي‭ ‬يمتلكها‭ ‬النظام‭ ‬المحاسبي‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬هذه‭ ‬التطورات،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬التعرف‭ ‬على‭ ‬أبرز‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تعيق‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬ابتكارات‭ ‬الهندسة‭ ‬المالية‭. ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬يتناول‭ ‬البحث‭ ‬الفرص‭ ‬المتاحة‭ ‬أمام‭ ‬المحاسبة‭ ‬المالية‭ ‬لتطوير‭ ‬أدواتها‭ ‬وأساليبها‭ ‬بما‭ ‬يساعدها‭ ‬على‭ ‬مواكبة‭ ‬هذه‭ ‬الابتكارات‭ ‬وتحقيق‭ ‬مستوى‭ ‬أعلى‭ ‬من‭ ‬جودة‭ ‬المعلومات‭ ‬المحاسبية‭.‬

رجوع لأعلى