تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المرونة‭ ‬المؤسسية‭ ‬محرك‭ ‬للتنافسية‭ ‬الاقتصادية

TE31 1

تُعدّ‭ ‬المرونة‭ ‬المؤسسية،‭ ‬والجاهزية‭ ‬للتكيف،‭ ‬وسرعة‭ ‬الاستجابة،‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬الابتكار،‭ ‬من‭ ‬الركائز‭ ‬الأساسية‭ ‬لما‭ ‬يمكن‭ ‬وصفه‭ ‬بـ«أفضل‭ ‬الممارسات‮»‬‭ ‬في‭ ‬تصميم‭ ‬الهياكل‭ ‬التنظيمية‭ ‬ضمن‭ ‬اقتصاد‭ ‬المعرفة‭. ‬وتمثل‭ ‬هذه‭ ‬العناصر‭ ‬مجتمعة‭ ‬الخصائص‭ ‬الجوهرية‭ ‬للشركات‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬أداء‭ ‬تنافسي‭ ‬متقدم،‭ ‬إذ‭ ‬تُمكّنها‭ ‬من‭ ‬تسريع‭ ‬طرح‭ ‬المنتجات‭ ‬الجديدة‭ ‬في‭ ‬الأسواق،‭ ‬وتعزيز‭ ‬كفاءة‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬البشري‭ ‬عبر‭ ‬تطوير‭ ‬المهارات‭ ‬وتوظيف‭ ‬المعرفة‭ ‬بشكل‭ ‬مستمر،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬شبكات‭ ‬معرفية‭ ‬مشتركة‭ ‬مع‭ ‬الموردين‭ ‬والعملاء‭. ‬وتؤدي‭ ‬هذه‭ ‬الممكنات‭ ‬إلى‭ ‬ترسيخ‭ ‬موقع‭ ‬تلك‭ ‬الشركات‭ ‬في‭ ‬صدارة‭ ‬المنافسة‭.‬

اسس‭ ‬الإدارة

في‭ ‬المقابل،‭ ‬ارتكزت‭ ‬النظريات‭ ‬التنظيمية‭ ‬التقليدية‭ ‬وعلوم‭ ‬الإدارة‭ ‬الكلاسيكية‭ ‬على‭ ‬مفهوم‭ ‬الاستقرار‭ ‬النسبي‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬الأعمال،‭ ‬حيث‭ ‬صُممت‭ ‬الهياكل‭ ‬المؤسسية‭ ‬لتحقيق‭ ‬الكفاءة‭ ‬التشغيلية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تقسيم‭ ‬العمل‭ ‬والضبط‭ ‬الهرمي‭. ‬وكانت‭ ‬قوة‭ ‬المؤسسة‭ ‬تُقاس‭ ‬بمدى‭ ‬التماسك‭ ‬بين‭ ‬وحداتها‭ ‬التنظيمية‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬تنفيذ‭ ‬الاستراتيجيات‭ ‬الإنتاجية‭ ‬واسعة‭ ‬النطاق،‭ ‬التي‭ ‬تستهدف‭ ‬التوسع‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬أو‭ ‬فتح‭ ‬أسواق‭ ‬جديدة،‭ ‬مع‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬قياس‭ ‬الإنتاجية‭ ‬سواء‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬السلع‭ ‬والخدمات‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الموارد‭ ‬البشرية‭ ‬والعمليات‭ ‬الإدارية‭.‬
غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬المغلق‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬ملائماً‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬التحولات‭ ‬المتسارعة‭ ‬التي‭ ‬يشهدها‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي،‭ ‬حيث‭ ‬أصبحت‭ ‬التغيرات‭ ‬التكنولوجية‭ ‬وتقلبات‭ ‬الأسواق‭ ‬عوامل‭ ‬حاسمة‭ ‬تعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬بيئة‭ ‬الأعمال‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تحولت‭ ‬بعض‭ ‬عناصر‭ ‬القوة‭ ‬التقليدية‭ ‬إلى‭ ‬مصادر‭ ‬للمخاطر،‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬الباحثين‭ ‬إلى‭ ‬تكثيف‭ ‬الجهود‭ ‬لفهم‭ ‬آليات‭ ‬تكيف‭ ‬الشركات‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬المتغيرات،‭ ‬وكيفية‭ ‬توظيف‭ ‬خبراتها‭ ‬التنظيمية‭ ‬للاستجابة‭ ‬الفعّالة‭ ‬لها‭.‬
وقد‭ ‬برز‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬المعرفة‭ ‬التنظيمية‮»‬‭ ‬كإطار‭ ‬نظري‭ ‬يفسر‭ ‬هذا‭ ‬التحول،‭ ‬حيث‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬قدرة‭ ‬المؤسسات‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬مخزون‭ ‬معرفي‭ ‬ديناميكي‭ ‬يدعم‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار‭ ‬والتكيف‭ ‬المستمر‭. ‬ويتجسد‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬المهارات‭ ‬المؤسسية‭ ‬والروتينات‭ ‬التنظيمية‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬المعلومات،‭ ‬بما‭ ‬يسمح‭ ‬للشركات‭ ‬بمواجهة‭ ‬مختلف‭ ‬الظروف‭ ‬البيئية‭. ‬ويثير‭ ‬هذا‭ ‬المفهوم‭ ‬تساؤلات‭ ‬جوهرية‭ ‬حول‭ ‬طبيعة‭ ‬المعرفة‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسات‭: ‬كيف‭ ‬تُنتج؟‭ ‬وكيف‭ ‬تُخزن؟‭ ‬وكيف‭ ‬تُستخدم‭ ‬لتعزيز‭ ‬القدرة‭ ‬التنافسية؟
وانطلاقاً‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬تبرز‭ ‬تساؤلات‭ ‬أكثر‭ ‬عمقاً‭ ‬حول‭ ‬آليات‭ ‬اكتساب‭ ‬المعرفة‭ ‬داخل‭ ‬الشركات،‭ ‬ودورها‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الوطني‭. ‬وقد‭ ‬أصبحت‭ ‬هذه‭ ‬القضايا‭ ‬محوراً‭ ‬رئيسياً‭ ‬في‭ ‬المنافسة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والصناعية،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬منظمة‭ ‬التعاون‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والتنمية،‭ ‬حيث‭ ‬تُعد‭ ‬المرونة‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬التكيف‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬مصادر‭ ‬الميزة‭ ‬التنافسية،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تزايد‭ ‬حدة‭ ‬اضطرابات‭ ‬الأسواق‭ ‬وتسارع‭ ‬الابتكار‭ ‬التكنولوجي‭.‬
وفي‭ ‬إطار‭ ‬تحليل‭ ‬المعرفة‭ ‬التنظيمية،‭ ‬يتقاطع‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬مع‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬النظريات‭ ‬المعرفية‭ ‬التي‭ ‬تناولت‭ ‬التعلم‭ ‬المؤسسي،‭ ‬والتي‭ ‬أسهم‭ ‬فيها‭ ‬باحثون‭ ‬بارزون‭ ‬مثل‭ ‬باتيسون،‭ ‬وأرجيرس،‭ ‬وهيدبرج،‭ ‬حيث‭ ‬قدموا‭ ‬رؤى‭ ‬متقدمة‭ ‬حول‭ ‬كيفية‭ ‬تشكل‭ ‬المعرفة‭ ‬داخل‭ ‬المنظمات‭ ‬ودورها‭ ‬في‭ ‬توجيه‭ ‬السلوك‭ ‬الاقتصادي‭.‬

المعرفة‭ ‬التنظيمية

في‭ ‬إطار‭ ‬تحليل‭ ‬المعرفة‭ ‬التنظيمية،‭ ‬تعتمد‭ ‬استجابة‭ ‬المؤسسات‭ ‬للتغيرات‭ ‬في‭ ‬البيئة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬على‭ ‬آليات‭ ‬التغذية‭ ‬الراجعة،‭ ‬التي‭ ‬تستهدف‭ ‬في‭ ‬صورتها‭ ‬التقليدية‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬الاستقرار‭ ‬التشغيلي‭. ‬ويُعبّر‭ ‬هذا‭ ‬النمط‭ ‬عما‭ ‬يُعرف‭ ‬بـ«التعلم‭ ‬أحادي‭ ‬الحلقة‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬تتركز‭ ‬الاستجابة‭ ‬على‭ ‬تصحيح‭ ‬الانحرافات‭ ‬دون‭ ‬المساس‭ ‬بالقواعد‭ ‬الأساسية‭ ‬أو‭ ‬الفرضيات‭ ‬التي‭ ‬يقوم‭ ‬عليها‭ ‬النشاط‭ ‬المؤسسي،‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬استمرار‭ ‬الأداء‭ ‬ضمن‭ ‬نفس‭ ‬الإطار‭ ‬التنظيمي‭.‬
في‭ ‬المقابل،‭ ‬يتجاوز‭ ‬‮«‬التعلم‭ ‬ثنائي‭ ‬الحلقة‮»‬‭ ‬هذا‭ ‬المستوى،‭ ‬ليشمل‭ ‬مراجعة‭ ‬القواعد‭ ‬الحاكمة‭ ‬للسلوك‭ ‬التنظيمي‭ ‬وإعادة‭ ‬تشكيلها‭ ‬عند‭ ‬الحاجة،‭ ‬سواء‭ ‬عبر‭ ‬تعديل‭ ‬أساليب‭ ‬العمل‭ ‬أو‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬النظم‭ ‬المؤسسية‭. ‬ويعكس‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬انتقال‭ ‬المؤسسات‭ ‬من‭ ‬مرحلة‭ ‬التكيف‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬إعادة‭ ‬التأسيس‭ ‬الاستراتيجي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يظهر‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬النماذج‭ ‬الإنتاجية‭ ‬الحديثة،‭ ‬مثل‭ ‬أنظمة‭ ‬التصنيع‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬الفرق‭ ‬المستقلة،‭ ‬حيث‭ ‬تمتلك‭ ‬الوحدات‭ ‬التشغيلية‭ ‬قدراً‭ ‬كبيراً‭ ‬من‭ ‬الصلاحيات‭ ‬يمكّنها‭ ‬من‭ ‬تطوير‭ ‬الأداء‭ ‬اعتماداً‭ ‬على‭ ‬الخبرة‭ ‬العملية‭ ‬والتعلم‭ ‬المستمر‭.‬
وتسهم‭ ‬هذه‭ ‬الديناميكية‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬كفاءة‭ ‬العنصر‭ ‬البشري،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬بيئات‭ ‬الاقتصاد‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬المعرفة،‭ ‬حيث‭ ‬يمتلك‭ ‬العاملون‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تحسين‭ ‬أساليب‭ ‬التشغيل‭ ‬وتطوير‭ ‬الإنتاجية‭ ‬بشكل‭ ‬متواصل‭. ‬وتمثل‭ ‬هذه‭ ‬التحسينات‭ ‬امتداداً‭ ‬للتعلم‭ ‬التشغيلي،‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬تمهد‭ ‬للانتقال‭ ‬نحو‭ ‬مستويات‭ ‬أعمق‭ ‬من‭ ‬التعلم‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬القواعد‭ ‬التنظيمية‭ ‬نفسها‭.‬

الاستفادة‭ ‬من‭ ‬الخبرات

أما‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬التعلم‭ ‬الأعمق،‭ ‬فيتجسد‭ ‬في‭ ‬قدرة‭ ‬المؤسسة‭ ‬على‭ ‬نقل‭ ‬المعرفة‭ ‬وتعميمها‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬وحداتها،‭ ‬بما‭ ‬يمنع‭ ‬تكرار‭ ‬الجهود‭ ‬ويعزز‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬الخبرات‭ ‬المتراكمة‭. ‬وتتحقق‭ ‬هذه‭ ‬الكفاءة‭ ‬عندما‭ ‬تتمكن‭ ‬الشركات‭ ‬من‭ ‬تحويل‭ ‬المعرفة‭ ‬الفردية‭ ‬أو‭ ‬الجزئية‭ ‬إلى‭ ‬رصيد‭ ‬مؤسسي‭ ‬مشترك،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬نضج‭ ‬النظام‭ ‬المعرفي‭ ‬ويعزز‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الاستجابة‭ ‬المستقبلية‭.‬
وتقدم‭ ‬التجارب‭ ‬الصناعية‭ ‬في‭ ‬شرق‭ ‬آسيا‭ ‬نماذج‭ ‬بارزة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال،‭ ‬حيث‭ ‬نجحت‭ ‬شركات‭ ‬صناعية‭ ‬كبرى‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬قدرات‭ ‬معرفية‭ ‬متقدمة‭ ‬عبر‭ ‬إعادة‭ ‬توظيف‭ ‬الخبرات‭ ‬المكتسبة‭ ‬في‭ ‬خطوط‭ ‬إنتاج‭ ‬مختلفة‭. ‬وقد‭ ‬اعتمدت‭ ‬هذه‭ ‬الشركات‭ ‬على‭ ‬الانفتاح‭ ‬على‭ ‬مصادر‭ ‬المعرفة‭ ‬الخارجية،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬استيراد‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬وتكييفها‭ ‬مع‭ ‬بيئتها‭ ‬المحلية،‭ ‬ثم‭ ‬تطويرها‭ ‬لاحقاً‭ ‬لإنتاج‭ ‬معرفة‭ ‬تنظيمية‭ ‬خاصة‭ ‬بها‭.‬
كما‭ ‬دعمت‭ ‬هذه‭ ‬التجارب‭ ‬منظومات‭ ‬البحث‭ ‬والتطوير‭ ‬عبر‭ ‬التعاون‭ ‬مع‭ ‬المؤسسات‭ ‬الوطنية‭ ‬المتخصصة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬التنسيق‭ ‬مع‭ ‬الجهات‭ ‬الحكومية‭ ‬المعنية‭ ‬بالتخطيط‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬ما‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬خلق‭ ‬بيئة‭ ‬متكاملة‭ ‬تدعم‭ ‬الابتكار‭ ‬وتعزز‭ ‬التنافسية‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الدولي‭.‬
وفي‭ ‬ضوء‭ ‬ذلك،‭ ‬يتضح‭ ‬أن‭ ‬المعرفة‭ ‬التنظيمية‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬الأطر‭ ‬النظرية،‭ ‬بل‭ ‬تتشكل‭ ‬أساساً‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الممارسة‭ ‬والتجربة‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسات‭. ‬فالهياكل‭ ‬التنظيمية‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مجرد‭ ‬أدوات‭ ‬لضبط‭ ‬العمليات،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬وسيلة‭ ‬لبناء‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التعلم‭ ‬السريع‭ ‬والتكيف‭ ‬مع‭ ‬المتغيرات،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يمثل‭ ‬الركيزة‭ ‬الأساسية‭ ‬لتحقيق‭ ‬التفوق‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الحديث‭.‬

يمكن‭ ‬تصور‭ ‬تطبيق‭ ‬هذه‭ ‬الرؤية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬نموذج‭ ‬تنظيمي‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬منظومات‭ ‬مترابطة،‭ ‬تضم‭ ‬نظاماً‭ ‬رئيسياً‭ ‬تتفرع‭ ‬عنه‭ ‬نظم‭ ‬فرعية‭ ‬تتمتع‭ ‬بدرجة‭ ‬من‭ ‬الاستقلالية‭ ‬التشغيلية،‭ ‬مع‭ ‬بقائها‭ ‬مندمجة‭ ‬ضمن‭ ‬الإطار‭ ‬المؤسسي‭ ‬العام‭. ‬ويعكس‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬قدرة‭ ‬المؤسسة‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬توازن‭ ‬بين‭ ‬اللامركزية‭ ‬في‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار‭ ‬والتكامل‭ ‬في‭ ‬الأداء،‭ ‬بما‭ ‬يعزز‭ ‬كفاءة‭ ‬الاستجابة‭ ‬للمتغيرات‭.‬

تحسين‭ ‬الاداء

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يمكن‭ ‬تحليل‭ ‬المعرفة‭ ‬التنظيمية‭ ‬عبر‭ ‬ثلاثة‭ ‬مستويات‭ ‬مترابطة،‭ ‬يتمثل‭ ‬المستوى‭ ‬الأول‭ ‬في‭ ‬المعرفة‭ ‬الناتجة‭ ‬عن‭ ‬الممارسة‭ ‬المباشرة‭ ‬داخل‭ ‬الوحدات‭ ‬التشغيلية،‭ ‬حيث‭ ‬تعتمد‭ ‬الفرق‭ ‬ذاتية‭ ‬الإدارة‭ ‬على‭ ‬الخبرة‭ ‬العملية‭ ‬لتحسين‭ ‬الأداء،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يشكل‭ ‬الأساس‭ ‬الأولي‭ ‬للتعلم‭ ‬المؤسسي‭.‬
أما‭ ‬المستوى‭ ‬الثاني،‭ ‬فيرتبط‭ ‬بالمعرفة‭ ‬الناتجة‭ ‬عن‭ ‬التفاعل‭ ‬بين‭ ‬الوحدات‭ ‬المختلفة‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسة،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تبادل‭ ‬البيانات‭ ‬والخبرات،‭ ‬بما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تعديل‭ ‬القواعد‭ ‬التشغيلية‭ ‬وتطوير‭ ‬أنماط‭ ‬السلوك‭ ‬التنظيمي‭. ‬ويعكس‭ ‬هذا‭ ‬المستوى‭ ‬انتقال‭ ‬المعرفة‭ ‬من‭ ‬نطاقها‭ ‬الفردي‭ ‬أو‭ ‬الجزئي‭ ‬إلى‭ ‬نطاق‭ ‬أوسع،‭ ‬ما‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬قاعدة‭ ‬معرفية‭ ‬مشتركة‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسة‭.‬
في‭ ‬حين‭ ‬يمثل‭ ‬المستوى‭ ‬الثالث‭ ‬أعلى‭ ‬درجات‭ ‬النضج‭ ‬المعرفي،‭ ‬حيث‭ ‬تنشأ‭ ‬المعرفة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التفاعل‭ ‬بين‭ ‬المؤسسة‭ ‬وبيئتها‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬مدفوعة‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬الابتكار‭ ‬والتخيل‭ ‬الاستراتيجي‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬المستوى،‭ ‬تصبح‭ ‬المؤسسة‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬كيان‭ ‬ديناميكي‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬أنماط‭ ‬عمله‭ ‬الداخلية‭ ‬استجابةً‭ ‬للتحولات‭ ‬الخارجية،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تنسيق‭ ‬مركزي‭ ‬فعال‭ ‬يدعم‭ ‬التكامل‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬الأنشطة‭.‬
وتُظهر‭ ‬التجارب‭ ‬الصناعية‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الاقتصادات‭ ‬المتقدمة‭ ‬والناشئة‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬المستوى‭ ‬المتقدم‭ ‬من‭ ‬المعرفة‭ ‬التنظيمية‭ ‬كان‭ ‬عاملاً‭ ‬حاسماً‭ ‬في‭ ‬تسريع‭ ‬وتيرة‭ ‬التنمية‭ ‬الصناعية،‭ ‬حيث‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬قدرات‭ ‬إنتاجية‭ ‬مرنة‭ ‬وقابلة‭ ‬للتطور،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬أوروبية‭ ‬مثل‭ ‬إيطاليا‭ ‬وألمانيا،‭ ‬وكذلك‭ ‬في‭ ‬اقتصادات‭ ‬شرق‭ ‬آسيا‭ ‬كاليابان‭ ‬وكوريا‭ ‬الجنوبية‭. ‬ويعكس‭ ‬ذلك‭ ‬الدور‭ ‬المحوري‭ ‬لما‭ ‬يمكن‭ ‬تسميته‭ ‬بـ‮«‬المعرفة‭ ‬الاقتصادية‮»‬،‭ ‬بوصفها‭ ‬امتداداً‭ ‬طبيعياً‭ ‬للمعرفة‭ ‬التنظيمية‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الكلي‭.‬

مفهوم‭ ‬المعرفة‭ ‬الاقتصادية‭:‬

تشير‭ ‬المعرفة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬إلى‭ ‬قدرة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬على‭ ‬التكيف‭ ‬مع‭ ‬المتغيرات‭ ‬المختلفة،‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬المنتجات‭ ‬أو‭ ‬التقنيات‭ ‬أو‭ ‬الأسواق،‭ ‬بدرجة‭ ‬تفوق‭ ‬غيره‭ ‬من‭ ‬الاقتصادات‭. ‬وتنبع‭ ‬هذه‭ ‬القدرة‭ ‬من‭ ‬عدة‭ ‬عوامل‭ ‬مترابطة،‭ ‬في‭ ‬مقدمتها‭ ‬مرونة‭ ‬الشركات،‭ ‬وكفاءة‭ ‬شبكات‭ ‬التعاون‭ ‬بينها،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬دور‭ ‬المؤسسات‭ ‬العامة‭ ‬في‭ ‬استيعاب‭ ‬الابتكارات‭ ‬وتطويرها‭ ‬ونشرها‭ ‬عبر‭ ‬مختلف‭ ‬القطاعات‭.‬
ويمكن‭ ‬تحليل‭ ‬المعرفة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬وفق‭ ‬ثلاثة‭ ‬مستويات‭ ‬رئيسية‭:‬
●‭ ‬يتمثل‭ ‬المستوى‭ ‬الأول‭ ‬في‭ ‬المعرفة‭ ‬التي‭ ‬تتولد‭ ‬داخل‭ ‬الشركات‭ ‬نفسها،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬خبراتها‭ ‬التشغيلية‭ ‬وتطويرها‭ ‬الذاتي،‭ ‬بما‭ ‬يعزز‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬التكيف‭ ‬وتحسين‭ ‬الأداء‭.‬
●‭ ‬أما‭ ‬المستوى‭ ‬الثاني،‭ ‬فيرتبط‭ ‬بالمعرفة‭ ‬التي‭ ‬تنشأ‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التعاون‭ ‬بين‭ ‬الشركات‭ ‬ضمن‭ ‬شبكات‭ ‬إنتاجية‭ ‬أو‭ ‬بحثية‭ ‬مشتركة،‭ ‬حيث‭ ‬يتم‭ ‬تبادل‭ ‬الخبرات‭ ‬وتكامل‭ ‬الموارد‭ ‬بما‭ ‬يدعم‭ ‬الابتكار‭.‬
●‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬يعبر‭ ‬المستوى‭ ‬الثالث‭ ‬عن‭ ‬المعرفة‭ ‬التي‭ ‬تتشكل‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الاقتصاد‭ ‬ككل،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التفاعل‭ ‬بين‭ ‬المؤسسات‭ ‬العامة‭ ‬والقطاع‭ ‬الخاص،‭ ‬وما‭ ‬ينتج‭ ‬عنه‭ ‬من‭ ‬سياسات‭ ‬واستراتيجيات‭ ‬تعزز‭ ‬القدرة‭ ‬التنافسية‭ ‬الشاملة‭.‬
وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬تختلف‭ ‬الاقتصادات‭ ‬في‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬وتوظيف‭ ‬المعرفة،‭ ‬حيث‭ ‬تتميز‭ ‬بعض‭ ‬النظم‭ ‬الاقتصادية‭ ‬بسرعة‭ ‬أعلى‭ ‬في‭ ‬استيعاب‭ ‬المعرفة‭ ‬التنظيمية‭ ‬وتطويرها،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يمنحها‭ ‬ميزة‭ ‬تنافسية‭ ‬مستدامة‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬التغيرات‭ ‬المتسارعة‭ ‬في‭ ‬البيئة‭ ‬العالمية‭.‬

رجوع لأعلى