المرونة المؤسسية محرك للتنافسية الاقتصادية
تُعدّ المرونة المؤسسية، والجاهزية للتكيف، وسرعة الاستجابة، والقدرة على الابتكار، من الركائز الأساسية لما يمكن وصفه بـ«أفضل الممارسات» في تصميم الهياكل التنظيمية ضمن اقتصاد المعرفة. وتمثل هذه العناصر مجتمعة الخصائص الجوهرية للشركات القادرة على تحقيق أداء تنافسي متقدم، إذ تُمكّنها من تسريع طرح المنتجات الجديدة في الأسواق، وتعزيز كفاءة رأس المال البشري عبر تطوير المهارات وتوظيف المعرفة بشكل مستمر، إضافة إلى بناء شبكات معرفية مشتركة مع الموردين والعملاء. وتؤدي هذه الممكنات إلى ترسيخ موقع تلك الشركات في صدارة المنافسة.
اسس الإدارة
في المقابل، ارتكزت النظريات التنظيمية التقليدية وعلوم الإدارة الكلاسيكية على مفهوم الاستقرار النسبي في بيئة الأعمال، حيث صُممت الهياكل المؤسسية لتحقيق الكفاءة التشغيلية من خلال تقسيم العمل والضبط الهرمي. وكانت قوة المؤسسة تُقاس بمدى التماسك بين وحداتها التنظيمية وقدرتها على تنفيذ الاستراتيجيات الإنتاجية واسعة النطاق، التي تستهدف التوسع في الأسواق أو فتح أسواق جديدة، مع التركيز على قياس الإنتاجية سواء على مستوى السلع والخدمات أو على مستوى الموارد البشرية والعمليات الإدارية.
غير أن هذا النموذج المغلق لم يعد ملائماً في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد العالمي، حيث أصبحت التغيرات التكنولوجية وتقلبات الأسواق عوامل حاسمة تعيد تشكيل بيئة الأعمال. وفي هذا السياق، تحولت بعض عناصر القوة التقليدية إلى مصادر للمخاطر، ما دفع الباحثين إلى تكثيف الجهود لفهم آليات تكيف الشركات مع هذه المتغيرات، وكيفية توظيف خبراتها التنظيمية للاستجابة الفعّالة لها.
وقد برز مفهوم «المعرفة التنظيمية» كإطار نظري يفسر هذا التحول، حيث يشير إلى قدرة المؤسسات على بناء مخزون معرفي ديناميكي يدعم اتخاذ القرار والتكيف المستمر. ويتجسد ذلك في تطوير المهارات المؤسسية والروتينات التنظيمية القائمة على المعلومات، بما يسمح للشركات بمواجهة مختلف الظروف البيئية. ويثير هذا المفهوم تساؤلات جوهرية حول طبيعة المعرفة داخل المؤسسات: كيف تُنتج؟ وكيف تُخزن؟ وكيف تُستخدم لتعزيز القدرة التنافسية؟
وانطلاقاً من ذلك، تبرز تساؤلات أكثر عمقاً حول آليات اكتساب المعرفة داخل الشركات، ودورها في دعم الاقتصاد الوطني. وقد أصبحت هذه القضايا محوراً رئيسياً في المنافسة الاقتصادية والصناعية، لا سيما في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، حيث تُعد المرونة والقدرة على التكيف من أهم مصادر الميزة التنافسية، في ظل تزايد حدة اضطرابات الأسواق وتسارع الابتكار التكنولوجي.
وفي إطار تحليل المعرفة التنظيمية، يتقاطع هذا التوجه مع عدد من النظريات المعرفية التي تناولت التعلم المؤسسي، والتي أسهم فيها باحثون بارزون مثل باتيسون، وأرجيرس، وهيدبرج، حيث قدموا رؤى متقدمة حول كيفية تشكل المعرفة داخل المنظمات ودورها في توجيه السلوك الاقتصادي.
المعرفة التنظيمية
في إطار تحليل المعرفة التنظيمية، تعتمد استجابة المؤسسات للتغيرات في البيئة الاقتصادية على آليات التغذية الراجعة، التي تستهدف في صورتها التقليدية الحفاظ على الاستقرار التشغيلي. ويُعبّر هذا النمط عما يُعرف بـ«التعلم أحادي الحلقة»، حيث تتركز الاستجابة على تصحيح الانحرافات دون المساس بالقواعد الأساسية أو الفرضيات التي يقوم عليها النشاط المؤسسي، بما يضمن استمرار الأداء ضمن نفس الإطار التنظيمي.
في المقابل، يتجاوز «التعلم ثنائي الحلقة» هذا المستوى، ليشمل مراجعة القواعد الحاكمة للسلوك التنظيمي وإعادة تشكيلها عند الحاجة، سواء عبر تعديل أساليب العمل أو إعادة بناء النظم المؤسسية. ويعكس هذا التحول انتقال المؤسسات من مرحلة التكيف إلى مرحلة إعادة التأسيس الاستراتيجي، وهو ما يظهر بوضوح في النماذج الإنتاجية الحديثة، مثل أنظمة التصنيع القائمة على الفرق المستقلة، حيث تمتلك الوحدات التشغيلية قدراً كبيراً من الصلاحيات يمكّنها من تطوير الأداء اعتماداً على الخبرة العملية والتعلم المستمر.
وتسهم هذه الديناميكية في رفع كفاءة العنصر البشري، خاصة في بيئات الاقتصاد القائم على المعرفة، حيث يمتلك العاملون القدرة على تحسين أساليب التشغيل وتطوير الإنتاجية بشكل متواصل. وتمثل هذه التحسينات امتداداً للتعلم التشغيلي، لكنها في الوقت ذاته تمهد للانتقال نحو مستويات أعمق من التعلم القائم على إعادة النظر في القواعد التنظيمية نفسها.
الاستفادة من الخبرات
أما على مستوى التعلم الأعمق، فيتجسد في قدرة المؤسسة على نقل المعرفة وتعميمها بين مختلف وحداتها، بما يمنع تكرار الجهود ويعزز الاستفادة من الخبرات المتراكمة. وتتحقق هذه الكفاءة عندما تتمكن الشركات من تحويل المعرفة الفردية أو الجزئية إلى رصيد مؤسسي مشترك، وهو ما يعكس نضج النظام المعرفي ويعزز القدرة على الاستجابة المستقبلية.
وتقدم التجارب الصناعية في شرق آسيا نماذج بارزة في هذا المجال، حيث نجحت شركات صناعية كبرى في بناء قدرات معرفية متقدمة عبر إعادة توظيف الخبرات المكتسبة في خطوط إنتاج مختلفة. وقد اعتمدت هذه الشركات على الانفتاح على مصادر المعرفة الخارجية، من خلال استيراد التكنولوجيا وتكييفها مع بيئتها المحلية، ثم تطويرها لاحقاً لإنتاج معرفة تنظيمية خاصة بها.
كما دعمت هذه التجارب منظومات البحث والتطوير عبر التعاون مع المؤسسات الوطنية المتخصصة، إلى جانب التنسيق مع الجهات الحكومية المعنية بالتخطيط الاقتصادي، ما أسهم في خلق بيئة متكاملة تدعم الابتكار وتعزز التنافسية على المستوى الدولي.
وفي ضوء ذلك، يتضح أن المعرفة التنظيمية لا تقتصر على الأطر النظرية، بل تتشكل أساساً من خلال الممارسة والتجربة داخل المؤسسات. فالهياكل التنظيمية لم تعد مجرد أدوات لضبط العمليات، بل أصبحت وسيلة لبناء القدرة على التعلم السريع والتكيف مع المتغيرات، وهو ما يمثل الركيزة الأساسية لتحقيق التفوق في الاقتصاد الحديث.
يمكن تصور تطبيق هذه الرؤية من خلال نموذج تنظيمي قائم على منظومات مترابطة، تضم نظاماً رئيسياً تتفرع عنه نظم فرعية تتمتع بدرجة من الاستقلالية التشغيلية، مع بقائها مندمجة ضمن الإطار المؤسسي العام. ويعكس هذا النموذج قدرة المؤسسة على تحقيق توازن بين اللامركزية في اتخاذ القرار والتكامل في الأداء، بما يعزز كفاءة الاستجابة للمتغيرات.
تحسين الاداء
وفي هذا السياق، يمكن تحليل المعرفة التنظيمية عبر ثلاثة مستويات مترابطة، يتمثل المستوى الأول في المعرفة الناتجة عن الممارسة المباشرة داخل الوحدات التشغيلية، حيث تعتمد الفرق ذاتية الإدارة على الخبرة العملية لتحسين الأداء، وهو ما يشكل الأساس الأولي للتعلم المؤسسي.
أما المستوى الثاني، فيرتبط بالمعرفة الناتجة عن التفاعل بين الوحدات المختلفة داخل المؤسسة، من خلال تبادل البيانات والخبرات، بما يؤدي إلى تعديل القواعد التشغيلية وتطوير أنماط السلوك التنظيمي. ويعكس هذا المستوى انتقال المعرفة من نطاقها الفردي أو الجزئي إلى نطاق أوسع، ما يسهم في بناء قاعدة معرفية مشتركة داخل المؤسسة.
في حين يمثل المستوى الثالث أعلى درجات النضج المعرفي، حيث تنشأ المعرفة من خلال التفاعل بين المؤسسة وبيئتها الاقتصادية، مدفوعة بقدرتها على الابتكار والتخيل الاستراتيجي. وفي هذا المستوى، تصبح المؤسسة أقرب إلى كيان ديناميكي قادر على إعادة تشكيل أنماط عمله الداخلية استجابةً للتحولات الخارجية، من خلال تنسيق مركزي فعال يدعم التكامل بين مختلف الأنشطة.
وتُظهر التجارب الصناعية في عدد من الاقتصادات المتقدمة والناشئة أن هذا المستوى المتقدم من المعرفة التنظيمية كان عاملاً حاسماً في تسريع وتيرة التنمية الصناعية، حيث أسهم في بناء قدرات إنتاجية مرنة وقابلة للتطور، خاصة في دول أوروبية مثل إيطاليا وألمانيا، وكذلك في اقتصادات شرق آسيا كاليابان وكوريا الجنوبية. ويعكس ذلك الدور المحوري لما يمكن تسميته بـ«المعرفة الاقتصادية»، بوصفها امتداداً طبيعياً للمعرفة التنظيمية على مستوى الاقتصاد الكلي.
مفهوم المعرفة الاقتصادية:
تشير المعرفة الاقتصادية إلى قدرة الاقتصاد على التكيف مع المتغيرات المختلفة، سواء كانت في المنتجات أو التقنيات أو الأسواق، بدرجة تفوق غيره من الاقتصادات. وتنبع هذه القدرة من عدة عوامل مترابطة، في مقدمتها مرونة الشركات، وكفاءة شبكات التعاون بينها، إضافة إلى دور المؤسسات العامة في استيعاب الابتكارات وتطويرها ونشرها عبر مختلف القطاعات.
ويمكن تحليل المعرفة الاقتصادية وفق ثلاثة مستويات رئيسية:
● يتمثل المستوى الأول في المعرفة التي تتولد داخل الشركات نفسها، من خلال خبراتها التشغيلية وتطويرها الذاتي، بما يعزز قدرتها على التكيف وتحسين الأداء.
● أما المستوى الثاني، فيرتبط بالمعرفة التي تنشأ من خلال التعاون بين الشركات ضمن شبكات إنتاجية أو بحثية مشتركة، حيث يتم تبادل الخبرات وتكامل الموارد بما يدعم الابتكار.
● في حين يعبر المستوى الثالث عن المعرفة التي تتشكل على مستوى الاقتصاد ككل، من خلال التفاعل بين المؤسسات العامة والقطاع الخاص، وما ينتج عنه من سياسات واستراتيجيات تعزز القدرة التنافسية الشاملة.
وفي هذا الإطار، تختلف الاقتصادات في قدرتها على إنتاج وتوظيف المعرفة، حيث تتميز بعض النظم الاقتصادية بسرعة أعلى في استيعاب المعرفة التنظيمية وتطويرها، وهو ما يمنحها ميزة تنافسية مستدامة في مواجهة التغيرات المتسارعة في البيئة العالمية.