المستثمرون في حالة هروب.. والحرب تعيد رسم خريطة المال
تعـود الأسواق المالية العالمية، في لحظة تتكثف فيها الضبابية الجيوسياسية، إلى اختبار حساس لقدرتها على امتصاص الصدمات، وسط تداخل غير مسبوق بين السياسة والمال وأسعار الطاقة. ففي بيئة تتسارع فيها الأحداث وتتبدل فيها موازين القوى، يجد المستثمرون أنفسهم أمام معادلة معقدة تجمع بين المخاطر الجيوسياسية، وتقلبات أسعار النفط، وتوجهات السياسات النقدية، في وقت تزداد فيه هشاشة سلاسل الإمداد العالمية.
ومع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، باتت الأسواق تعكس بشكل مباشر تقييم المستثمرين لمستوى المخاطر، حيث تدفع هذه التطورات رؤوس الأموال إلى إعادة التموضع بوتيرة متسارعة. ويبرز القلق بشكل خاص من سيناريوهات أكثر حدة قد تؤدي إلى اضطراب واسع في تدفقات التجارة العالمية، خصوصاً إذا ما تأثرت ممرات استراتيجية مثل مضيق هرمز، الذي يُعد شرياناً حيوياً لإمدادات الطاقة العالمية.
وخلال الأسبوع الثالث من الحرب، خيّم اللون الأحمر على معظم المؤشرات العالمية، في إشارة واضحة إلى تراجع شهية المخاطرة، فيما اتجه المستثمرون إلى الأصول الآمنة مثل الذهب والسندات الحكومية، في محاولة للتحوط من تقلبات غير محسوبة. وفي حين تكبدت الأسواق الأمريكية والأوروبية خسائر جماعية، أظهرت الأسواق الآسيوية أداءً متبايناً يعكس اختلاف التأثيرات الإقليمية وتباين السياسات الاقتصادية.
خسائر جماعية في وول ستريت
سجلت المؤشرات الأمريكية خسائر جماعية للأسبوع الرابع على التوالي، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية التي ألقت بظلال كثيفة على معنويات المستثمرين. فقد تراجع مؤشر ستاندرد آند بورز 500 من مستوى 6,632.19 نقطة إلى 6,506.48 نقطة، خاسراً نحو 1.9 %، في حين انخفض مؤشر ناسداك المركب بنسبة 2.07 % ليصل إلى 21,647.61 نقطة، مقارنة بـ 22,105.35 نقطة في الأسبوع السابق.
كما تراجع مؤشر داو جونز الصناعي بنسبة 2.11 %، ليغلق عند 45,577.47 نقطة، بعد أن كان عند 46,558 نقطة في الأسبوع الماضي. وتعكس هذه التراجعات موجة بيع واسعة النطاق، مدفوعة بمخاوف من اتساع رقعة الصراع وتأثيره المحتمل على الاقتصاد العالمي.
وجاءت الضغوط بشكل خاص من ارتفاع أسعار النفط، الذي قفز بفعل مخاطر الإمدادات في الشرق الأوسط. هذا الارتفاع أعاد إلى الواجهة سيناريو «التضخم المدفوع بالعرض»، حيث ترتفع تكاليف الطاقة والنقل، ما ينعكس سلباً على هوامش أرباح الشركات ويضغط على القدرة الشرائية للمستهلكين.
وتزداد خطورة هذا السيناريو في حال استمر الارتفاع لفترة طويلة، إذ قد يؤدي إلى إعادة تسعير واسعة للأصول، ويجبر البنوك المركزية على إعادة النظر في مسارها النقدي. وفي هذا السياق، جاء قرار الاحتياطي الفيدرالي بتثبيت أسعار الفائدة خلال اجتماع مارس ليعكس درجة عالية من الحذر، في ظل تزايد الضبابية حول آفاق الاقتصاد.
وأشار الفيدرالي إلى أن التطورات الجيوسياسية تمثل أحد أبرز المخاطر التي قد تؤثر على توقعات النمو والتضخم، ما يدفعه إلى التريث قبل اتخاذ أي خطوات جديدة، خصوصاً في ظل صعوبة التنبؤ بمسار أسعار الطاقة.
وعلى مستوى الأسهم القيادية، تكبدت شركات التكنولوجيا خسائر ملحوظة، حيث تراجعت أسهم إنفيديا بأكثر من 4 %، وانخفضت ميتا بأكثر من 3 %، فيما تراجعت أسهم أمازون وأبل بنحو 1 % لكل منهما. أما تسلا، فقد كانت من بين الأكثر تضرراً، مسجلة انخفاضاً يقارب 6 %، في انعكاس لحساسية هذا القطاع تجاه التغيرات في شهية المخاطرة.
أوروبا تحت ضغط مزدوج
في القارة الأوروبية، لم يكن الوضع أفضل حالاً، حيث تكبدت الأسواق خسائر أسبوعية ملحوظة نتيجة مزيج معقد من الضغوط الجيوسياسية والتحديات الاقتصادية الداخلية. فقد أغلق مؤشر ستوكس 600 الأوروبي عند 573.28 نقطة، مقارنة بـ 595.85 نقطة في الإغلاق السابق، متراجعاً بنسبة 3.79 %.
وسجل مؤشر داكس الألماني أكبر خسارة بين نظرائه، حيث هبط بنسبة 4.55 % ليصل إلى 22,380.19 نقطة، مقابل 23,447.29 نقطة في الأسبوع الماضي. ويعكس هذا الأداء حساسية الاقتصاد الألماني، القائم على الصناعة والتصدير، لأي اضطرابات في أسعار الطاقة أو سلاسل الإمداد.
وفي فرنسا، تراجع مؤشر كاك 40 بنسبة 3.11 % ليغلق عند 7,665.62 نقطة، بينما فقد مؤشر فوتسي 100 البريطاني نحـو 3.34 % من قيمته، ليصل إلى 9,918.33 نقطة.
وتأتي هذه التراجعات في وقت تواجه فيه الاقتصادات الأوروبية تحديات متزايدة، أبرزها ارتفاع تكاليف الطاقة، التي تؤثر بشكل مباشر على القطاعات الصناعية والنقل. كما أن أي صعود إضافي في أسعار النفط قد يعيد إشعال الضغوط التضخمية، في وقت كانت فيه البنوك المركزية تأمل في بدء دورة تيسير نقدي تدريجية.
وفي هذا السياق، جاء قرار البنك المركزي الأوروبي بتثبيت أسعار الفائدة ليعكس محاولة لتحقيق توازن دقيق بين احتواء التضخم ودعم النمو، خصوصاً في ظل تزايد المخاطر الخارجية.
آسيا بين الصمود والضغوط
في آسيا، عكست الأسواق صورة أكثر تبايناً، حيث تمكنت بعض المؤشرات من تحقيق مكاسب، بينما تعرضت أخرى لضغوط. فقد ارتفع مؤشر كوسبي الكوري الجنوبي بأكثر من 5 %، ليغلق عند 5,781.20 نقطة، مدعوماً بأداء قوي في قطاع التكنولوجيا والصادرات.
في المقابل، تراجع مؤشر نيكاي الياباني بنسبة 0.83 % ليصل إلى 53,372.53 نقطة، وسط ضغوط ناجمة عن ارتفاع تكاليف الطاقة وضعف الين، الذي يزيد من تكلفة الواردات.
كما انخفض مؤشر Hang Seng في هونغ كونغ بنسبة 0.7 %، ليغلق عند 25,277.32 نقطة، متأثراً بمخاوف المستثمرين من تباطؤ النمو العالمي، إضافة إلى استمرار التحديات في القطاع العقاري الصيني.
ويعكس هذا التباين اختلاف الهياكل الاقتصادية في آسيا، حيث تستفيد بعض الدول من الطلب الخارجي، بينما تتأثر أخرى بشكل أكبر بارتفاع أسعار الطاقة.
النفط في قلب المعادلة
يبقى النفط العامل الأكثر تأثيراً في المشهد الحالي، حيث يشكل الرابط الأساسي بين الجغرافيا السياسية والاقتصاد العالمي. فمع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، ارتفعت المخاوف من تعطل الإمدادات، ما أدى إلى قفزات حادة في الأسعار.
وفي حال استمرار هذه التوترات أو تصاعدها، قد نشهد سيناريوهات أكثر حدة، تشمل ارتفاعات إضافية في الأسعار، ما سيؤثر بشكل مباشر على معدلات التضخم والنمو الاقتصادي. كما أن أي اضطراب طويل الأمد في الإمدادات قد يدفع الدول المستهلكة إلى إعادة النظر في استراتيجياتها الطاقوية.