تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المستثمرون‭ ‬يكررون‭ ‬أخطاء‭ ‬الأزمات‭ ‬رغم‭ ‬دروس‭ ‬التاريخ

TRA31

في‭ ‬كل‭ ‬مرة‭ ‬تهبط‭ ‬فيها‭ ‬الأسواق،‭ ‬تتكرر‭ ‬المشاهد‭ ‬ذاتها‭: ‬عناوين‭ ‬قاتمة،‭ ‬موجات‭ ‬بيع‭ ‬جماعي،‭ ‬ومستثمرون‭ ‬يتخلصون‭ ‬من‭ ‬محافظهم‭ ‬تحت‭ ‬ضغط‭ ‬الخوف‭. ‬وبعد‭ ‬سنوات،‭ ‬تتعافى‭ ‬الأسواق‭ ‬غالباً،‭ ‬لكن‭ ‬كثيرًا‭ ‬ممن‭ ‬باعوا‭ ‬في‭ ‬لحظات‭ ‬الذعر‭ ‬يكونون‭ ‬قد‭ ‬خرجوا‭ ‬منها‭ ‬بالفعل‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬عندما‭ ‬ترتفع‭ ‬الأسواق‭ ‬بسرعة،‭ ‬يتكرر‭ ‬مشهد‭ ‬معاكس‭ ‬تمامًا؛‭ ‬إذ‭ ‬يندفع‭ ‬مستثمرون‭ ‬كثر‭ ‬إلى‭ ‬الشراء‭ ‬بدافع‭ ‬التفاؤل‭ ‬والخوف‭ ‬من‭ ‬تفويت‭ ‬الفرصة،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يفاجأوا‭ ‬لاحقاً‭ ‬بتصحيح‭ ‬يعصف‭ ‬بجزء‭ ‬من‭ ‬مكاسبهم‭.‬
ورغم‭ ‬تغيّر‭ ‬الأدوات‭ ‬الاستثمارية‭ ‬وتطور‭ ‬الأسواق،‭ ‬فإن‭ ‬السلوك‭ ‬البشري‭ ‬لا‭ ‬يتغير‭ ‬كثيراً‭. ‬ولهذا‭ ‬تبدو‭ ‬كل‭ ‬أزمة‭ ‬مختلفة‭ ‬في‭ ‬ظاهرها،‭ ‬لكنها‭ ‬متشابهة‭ ‬جداً‭ ‬في‭ ‬جوهرها‭. ‬فمن‭ ‬فقاعة‭ ‬الدوت‭ ‬كوم‭ ‬إلى‭ ‬الأزمة‭ ‬المالية‭ ‬العالمية،‭ ‬ثم‭ ‬انهيار‭ ‬الأسواق‭ ‬في‭ ‬جائحة‭ ‬كورونا،‭ ‬يتكرر‭ ‬النمط‭ ‬ذاته‭: ‬مبالغة‭ ‬في‭ ‬التفاؤل‭ ‬عند‭ ‬الصعود،‭ ‬ومبالغة‭ ‬في‭ ‬الذعر‭ ‬عند‭ ‬الهبوط‭.‬
وتظهر‭ ‬هـذه‭ ‬المفارقـة‭ ‬بوضـوح‭ ‬في‭ ‬أداء‭ ‬المستثمرين‭ ‬مقارنة‭ ‬بأداء‭ ‬السوق‭ ‬نفسه‭. ‬فعلى‭ ‬المدى‭ ‬الطويل،‭ ‬سجل‭ ‬مؤشر‭ ‬إس‭ ‬آند‭ ‬بي‭ ‬500‭ ‬متوسط‭ ‬عائد‭ ‬سنوي‭ ‬يقارب‭ ‬10‭ % ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬1928‭ ‬عند‭ ‬احتساب‭ ‬إعادة‭ ‬استثمار‭ ‬التوزيعات،‭ ‬لكن‭ ‬المستثمر‭ ‬العادي‭ ‬غالباً‭ ‬لا‭ ‬يحقق‭ ‬هذه‭ ‬العوائد‭. ‬وتشير‭ ‬دراسات‭ ‬شركة‭ ‬دالبار‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬السبب‭ ‬الرئيسي‭ ‬لا‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬ضعف‭ ‬الأدوات‭ ‬الاستثمارية،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬الأخطاء‭ ‬السلوكية‭. ‬ففي‭ ‬عام‭ ‬2024‭ ‬مثلاً،‭ ‬حقق‭ ‬المستثمر‭ ‬العادي‭ ‬في‭ ‬الأسهم‭ ‬عائداً‭ ‬بلغ‭ ‬16‭.‬54‭ %‬،‭ ‬مقابل‭ ‬نحو‭ ‬25‭ % ‬للمؤشر،‭ ‬بفارق‭ ‬واضح‭ ‬يعكس‭ ‬أثر‭ ‬القرارات‭ ‬الخاطئة‭ ‬في‭ ‬التوقيت‭ ‬والسلوك‭.‬

العاطفة‭ ‬تقود‭ ‬القرار

الخوف‭ ‬والطمع‭ ‬يظلان‭ ‬من‭ ‬أقوى‭ ‬المحركات‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭. ‬ففي‭ ‬فترات‭ ‬الصعود،‭ ‬يتولد‭ ‬شعور‭ ‬عام‭ ‬بأن‭ ‬الأسعار‭ ‬ستواصل‭ ‬الارتفاع‭ ‬بلا‭ ‬توقف،‭ ‬وتبدأ‭ ‬الأموال‭ ‬بالتدفق‭ ‬إلى‭ ‬الأصول‭ ‬ليس‭ ‬لأنها‭ ‬أصبحت‭ ‬جذابة‭ ‬بالضرورة،‭ ‬بل‭ ‬لأن‭ ‬المستثمرين‭ ‬يخشون‭ ‬تفويت‭ ‬المكاسب‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬وصفه‭ ‬الاقتصاديان‭ ‬كارمن‭ ‬راينهارت‭ ‬وكينيث‭ ‬روجوف‭ ‬بمتلازمة‭ ‬‮«‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬مختلفة»؛‭ ‬أي‭ ‬الاعتقاد‭ ‬بأن‭ ‬القواعد‭ ‬القديمة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تنطبق‭.‬
هذا‭ ‬التفكير‭ ‬كان‭ ‬واضحاً‭ ‬خلال‭ ‬فقاعة‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬التسعينيات،‭ ‬حين‭ ‬قفز‭ ‬مؤشر‭ ‬ناسداك‭ ‬بأكثر‭ ‬من‭ ‬400‭ % ‬خلال‭ ‬خمس‭ ‬سنوات،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬كثيرًا‭ ‬من‭ ‬الشركات‭ ‬آنذاك‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تحقق‭ ‬أرباحاً‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬إيرادات‭ ‬مستقرة‭. ‬لكن‭ ‬عندما‭ ‬اصطدمت‭ ‬التوقعات‭ ‬بالواقع،‭ ‬انهارت‭ ‬الفقاعة،‭ ‬وفقد‭ ‬المؤشر‭ ‬نحو‭ ‬78‭ % ‬من‭ ‬قيمته‭ ‬بين‭ ‬عامي‭ ‬2000‭ ‬و2002‭.‬
وتكرر‭ ‬المشهد‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬مارس‭ ‬2020،‭ ‬مع‭ ‬بداية‭ ‬جائحة‭ ‬كورونا،‭ ‬عندما‭ ‬هبط‭ ‬إس‭ ‬آند‭ ‬بي‭ ‬500‭ ‬بنحو‭ ‬34‭ % ‬خلال‭ ‬أسابيع‭ ‬قليلة‭. ‬لكن‭ ‬الأسواق‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬استعادت‭ ‬توازنها‭ ‬بدعم‭ ‬من‭ ‬التحفيز‭ ‬المالي‭ ‬والسياسات‭ ‬النقدية،‭ ‬وعوض‭ ‬المؤشر‭ ‬خسائره‭ ‬بحلول‭ ‬أغسطس‭ ‬من‭ ‬العام‭ ‬نفسه‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬باعوا‭ ‬في‭ ‬ذروة‭ ‬الذعر‭ ‬ثبتوا‭ ‬خسائرهم‭ ‬وفاتهم‭ ‬التعافي‭.‬

وهم‭ ‬توقيت‭ ‬السوق

من‭ ‬أكثر‭ ‬الأخطاء‭ ‬شيوعاً‭ ‬اعتقاد‭ ‬المستثمرين‭ ‬أنهم‭ ‬قادرون‭ ‬على‭ ‬توقيت‭ ‬السوق‭ ‬بدقة‭: ‬البيع‭ ‬قبل‭ ‬الهبوط‭ ‬والشراء‭ ‬قبل‭ ‬الصعود‭. ‬نظرياً‭ ‬يبدو‭ ‬الأمر‭ ‬مثاليًا،‭ ‬لكن‭ ‬عمليًا‭ ‬يكاد‭ ‬يكون‭ ‬مستحيلاً‭. ‬وتشير‭ ‬دراسات‭ ‬التمويل‭ ‬السلوكي‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬المستثمرين‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬يفعلون‭ ‬العكس‭ ‬تماماً؛‭ ‬يشترون‭ ‬بعد‭ ‬موجات‭ ‬الصعود،‭ ‬ويبيعون‭ ‬بعد‭ ‬الانخفاضات‭ ‬الحادة‭.‬
وهذا‭ ‬ما‭ ‬يفسر‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬بـفجوة‭ ‬عوائد‭ ‬المستثمرين،‭ ‬أي‭ ‬الفرق‭ ‬بين‭ ‬أداء‭ ‬السوق‭ ‬والعائد‭ ‬الفعلي‭ ‬الذي‭ ‬يحققه‭ ‬الأفراد‭. ‬فخلال‭ ‬العقد‭ ‬الأخير‭ ‬مثلًا،‭ ‬بلغ‭ ‬متوسط‭ ‬العائد‭ ‬السنوي‭ ‬للمستثمرين‭ ‬نحو‭ ‬9‭.‬8‭ %‬،‭ ‬مقارنة‭ ‬بنحو‭ ‬13‭ % ‬لمؤشر‭ ‬إس‭ ‬آند‭ ‬بي‭ ‬500‭. ‬كما‭ ‬أظهرت‭ ‬أبحاث‭ ‬مورنينغستار‭ ‬أن‭ ‬التنقل‭ ‬المستمر‭ ‬بين‭ ‬الصناديق‭ ‬الاستثمارية‭ ‬استجابةً‭ ‬للأداء‭ ‬قصير‭ ‬الأجل‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تآكل‭ ‬العوائد،‭ ‬حتى‭ ‬عندما‭ ‬تكون‭ ‬المحافظ‭ ‬متنوعة‭ ‬ومدارة‭ ‬جيدًا‭.‬

الذاكرة‭ ‬القصيرة‭… ‬والمشكلة‭ ‬المتكررة

لماذا‭ ‬إذن‭ ‬يكرر‭ ‬المستثمرون‭ ‬الأخطاء‭ ‬نفسها‭ ‬رغم‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬التاريخ؟‭ ‬أحد‭ ‬الأسباب‭ ‬الرئيسية‭ ‬هو‭ ‬التحيز‭ ‬للحداثة،‭ ‬أي‭ ‬إعطاء‭ ‬الأحداث‭ ‬الأخيرة‭ ‬وزناً‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬اللازم‭. ‬ففي‭ ‬كل‭ ‬أزمة،‭ ‬تسيطر‭ ‬الأخبار‭ ‬السلبية‭ ‬على‭ ‬المشهد،‭ ‬ويشعر‭ ‬المستثمرون‭ ‬أن‭ ‬الوضع‭ ‬الحالي‭ ‬مختلف‭ ‬جذرياً،‭ ‬وأن‭ ‬التعافي‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يحدث‭.‬
لكن‭ ‬التاريخ‭ ‬يقول‭ ‬العكس‭. ‬ففي‭ ‬الأزمة‭ ‬المالية‭ ‬العالمية‭ ‬عام‭ ‬2008،‭ ‬هبط‭ ‬إس‭ ‬آند‭ ‬بي‭ ‬500‭ ‬بنحو‭ ‬57‭ % ‬من‭ ‬ذروته‭ ‬إلى‭ ‬قاعه‭ ‬في‭ ‬مارس‭ ‬2009،‭ ‬وسط‭ ‬مخاوف‭ ‬حقيقية‭ ‬من‭ ‬انهيار‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬العالمي‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬شهدت‭ ‬الأسواق‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬التالية‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أطول‭ ‬موجات‭ ‬الصعود‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬الحديث‭.‬

الخلاصة

الدرس‭ ‬الأهم‭ ‬ليس‭ ‬أن‭ ‬الأسواق‭ ‬لا‭ ‬تهبط،‭ ‬بل‭ ‬أن‭ ‬المستثمرين‭ ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬يهزمون‭ ‬أنفسهم‭ ‬بأنفسهم‭. ‬فالمشكلة‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬نقص‭ ‬المعلومات،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬ضعف‭ ‬الانضباط‭ ‬عند‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار‭. ‬وفي‭ ‬النهاية،‭ ‬لا‭ ‬يتعلق‭ ‬النجاح‭ ‬الاستثماري‭ ‬غالبًا‭ ‬بقدرتك‭ ‬على‭ ‬توقع‭ ‬حركة‭ ‬السوق،‭ ‬بل‭ ‬بقدرتك‭ ‬على‭ ‬التحكم‭ ‬في‭ ‬سلوكك‭ ‬عندما‭ ‬تتحرك‭ ‬الأسواق‭ ‬بعنف‭.‬
فأكبر‭ ‬خطر‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬الأزمة‭ ‬المقبلة‭ ‬نفسها،‭ ‬بل‭ ‬القرارات‭ ‬التي‭ ‬سيتخذها‭ ‬المستثمرون‭ ‬عندما‭ ‬تقع‭.‬

رجوع لأعلى