المستثمرون يكررون أخطاء الأزمات رغم دروس التاريخ
في كل مرة تهبط فيها الأسواق، تتكرر المشاهد ذاتها: عناوين قاتمة، موجات بيع جماعي، ومستثمرون يتخلصون من محافظهم تحت ضغط الخوف. وبعد سنوات، تتعافى الأسواق غالباً، لكن كثيرًا ممن باعوا في لحظات الذعر يكونون قد خرجوا منها بالفعل. وفي المقابل، عندما ترتفع الأسواق بسرعة، يتكرر مشهد معاكس تمامًا؛ إذ يندفع مستثمرون كثر إلى الشراء بدافع التفاؤل والخوف من تفويت الفرصة، قبل أن يفاجأوا لاحقاً بتصحيح يعصف بجزء من مكاسبهم.
ورغم تغيّر الأدوات الاستثمارية وتطور الأسواق، فإن السلوك البشري لا يتغير كثيراً. ولهذا تبدو كل أزمة مختلفة في ظاهرها، لكنها متشابهة جداً في جوهرها. فمن فقاعة الدوت كوم إلى الأزمة المالية العالمية، ثم انهيار الأسواق في جائحة كورونا، يتكرر النمط ذاته: مبالغة في التفاؤل عند الصعود، ومبالغة في الذعر عند الهبوط.
وتظهر هـذه المفارقـة بوضـوح في أداء المستثمرين مقارنة بأداء السوق نفسه. فعلى المدى الطويل، سجل مؤشر إس آند بي 500 متوسط عائد سنوي يقارب 10 % منذ عام 1928 عند احتساب إعادة استثمار التوزيعات، لكن المستثمر العادي غالباً لا يحقق هذه العوائد. وتشير دراسات شركة دالبار إلى أن السبب الرئيسي لا يعود إلى ضعف الأدوات الاستثمارية، بل إلى الأخطاء السلوكية. ففي عام 2024 مثلاً، حقق المستثمر العادي في الأسهم عائداً بلغ 16.54 %، مقابل نحو 25 % للمؤشر، بفارق واضح يعكس أثر القرارات الخاطئة في التوقيت والسلوك.
العاطفة تقود القرار
الخوف والطمع يظلان من أقوى المحركات في الأسواق. ففي فترات الصعود، يتولد شعور عام بأن الأسعار ستواصل الارتفاع بلا توقف، وتبدأ الأموال بالتدفق إلى الأصول ليس لأنها أصبحت جذابة بالضرورة، بل لأن المستثمرين يخشون تفويت المكاسب. وهذا ما وصفه الاقتصاديان كارمن راينهارت وكينيث روجوف بمتلازمة «هذه المرة مختلفة»؛ أي الاعتقاد بأن القواعد القديمة لم تعد تنطبق.
هذا التفكير كان واضحاً خلال فقاعة التكنولوجيا في أواخر التسعينيات، حين قفز مؤشر ناسداك بأكثر من 400 % خلال خمس سنوات، رغم أن كثيرًا من الشركات آنذاك لم تكن تحقق أرباحاً أو حتى إيرادات مستقرة. لكن عندما اصطدمت التوقعات بالواقع، انهارت الفقاعة، وفقد المؤشر نحو 78 % من قيمته بين عامي 2000 و2002.
وتكرر المشهد نفسه في مارس 2020، مع بداية جائحة كورونا، عندما هبط إس آند بي 500 بنحو 34 % خلال أسابيع قليلة. لكن الأسواق سرعان ما استعادت توازنها بدعم من التحفيز المالي والسياسات النقدية، وعوض المؤشر خسائره بحلول أغسطس من العام نفسه. غير أن من باعوا في ذروة الذعر ثبتوا خسائرهم وفاتهم التعافي.
وهم توقيت السوق
من أكثر الأخطاء شيوعاً اعتقاد المستثمرين أنهم قادرون على توقيت السوق بدقة: البيع قبل الهبوط والشراء قبل الصعود. نظرياً يبدو الأمر مثاليًا، لكن عمليًا يكاد يكون مستحيلاً. وتشير دراسات التمويل السلوكي إلى أن المستثمرين غالباً ما يفعلون العكس تماماً؛ يشترون بعد موجات الصعود، ويبيعون بعد الانخفاضات الحادة.
وهذا ما يفسر ما يعرف بـفجوة عوائد المستثمرين، أي الفرق بين أداء السوق والعائد الفعلي الذي يحققه الأفراد. فخلال العقد الأخير مثلًا، بلغ متوسط العائد السنوي للمستثمرين نحو 9.8 %، مقارنة بنحو 13 % لمؤشر إس آند بي 500. كما أظهرت أبحاث مورنينغستار أن التنقل المستمر بين الصناديق الاستثمارية استجابةً للأداء قصير الأجل يؤدي إلى تآكل العوائد، حتى عندما تكون المحافظ متنوعة ومدارة جيدًا.
الذاكرة القصيرة… والمشكلة المتكررة
لماذا إذن يكرر المستثمرون الأخطاء نفسها رغم كل هذا التاريخ؟ أحد الأسباب الرئيسية هو التحيز للحداثة، أي إعطاء الأحداث الأخيرة وزناً أكبر من اللازم. ففي كل أزمة، تسيطر الأخبار السلبية على المشهد، ويشعر المستثمرون أن الوضع الحالي مختلف جذرياً، وأن التعافي هذه المرة قد لا يحدث.
لكن التاريخ يقول العكس. ففي الأزمة المالية العالمية عام 2008، هبط إس آند بي 500 بنحو 57 % من ذروته إلى قاعه في مارس 2009، وسط مخاوف حقيقية من انهيار النظام المالي العالمي. ومع ذلك، شهدت الأسواق خلال السنوات التالية واحدة من أطول موجات الصعود في التاريخ الحديث.
الخلاصة
الدرس الأهم ليس أن الأسواق لا تهبط، بل أن المستثمرين غالبًا ما يهزمون أنفسهم بأنفسهم. فالمشكلة ليست في نقص المعلومات، بل في ضعف الانضباط عند اتخاذ القرار. وفي النهاية، لا يتعلق النجاح الاستثماري غالبًا بقدرتك على توقع حركة السوق، بل بقدرتك على التحكم في سلوكك عندما تتحرك الأسواق بعنف.
فأكبر خطر قد لا يكون الأزمة المقبلة نفسها، بل القرارات التي سيتخذها المستثمرون عندما تقع.