المعدن النفيس يعوض جزءاً من خسائره
شهدت أسعار الذهب تحسناً نسبياً خلال تعاملات الثلاثاء، بعدما أنهت سلسلة من التراجعات القياسية التي ضغطت على المعدن النفيس منذ اندلاع الحرب بين إيران وأطراف إقليمية، في تطور أعاد تشكيل خريطة المخاطر في الأسواق العالمية. ورغم هذا الارتفاع الطفيف، فإن الذهب لا يزال يواجه ضغوطاً مركبة ناجمة عن ارتفاع أسعار الطاقة، وتصاعد المخاوف التضخمية، وتغير سلوك المستثمرين في أوقات الأزمات.
وكان الذهب قد تكبد خسائر حادة خلال الأسابيع الماضية، إذ فقد أكثر من 15 إلى 17 في المئة من قيمته منذ بداية التصعيد العسكري، في واحدة من أطول موجات الهبوط المتتالي، مسجلاً نحو عشرة أيام من التراجع المستمر، وهو أمر نادر تاريخياً بالنسبة لأصل يُنظر إليه تقليدياً كملاذ آمن في أوقات عدم اليقين.
تقلبات حادة تعكس اضطراب الأسواق
تعكس تحركات الذهب الأخيرة حالة الاضطراب التي تعيشها الأسواق المالية العالمية، إذ باتت الأسعار شديدة الحساسية لتدفق الأخبار المرتبطة بالحرب. فقد انخفض الذهب بنسبة وصلت إلى 8.8 % في جلسة واحدة يوم الإثنين، قبل أن يعوض جزءاً كبيراً من خسائره لاحقاً، في نمط يعكس تقلبات مرتفعة وتذبذباً سريعاً في معنويات المستثمرين.
ويرى محللون أن هذا السلوك لا يعكس ضعفاً جوهرياً في الذهب بقدر ما يعكس ديناميكيات السيولة في الأسواق. ففي أوقات الأزمات الكبرى، يميل المستثمرون إلى تسييل الأصول الأكثر سيولة وربحية، ومن بينها الذهب، لتغطية خسائر أو متطلبات الهامش في أصول أخرى مثل الأسهم والسندات، وهو ما يؤدي إلى ضغوط بيع مؤقتة على المعدن النفيس.
الحرب تضغط عبر قناة التضخم
أحد أبرز العوامل التي أثرت في أداء الذهب يتمثل في الارتفاع الحاد لأسعار الطاقة نتيجة الحرب، خصوصاً مع تصاعد المخاطر المرتبطة بإمدادات النفط والغاز من منطقة الخليج، واحتمالات تعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز، الذي يعد شرياناً حيوياً للتجارة العالمية.
وبحسب تقديرات مؤسسات مالية دولية، فإن أي اضطراب في الإمدادات عبر المضيق يمكن أن يرفع أسعار النفط بشكل حاد، وهو ما ينعكس مباشرة على معدلات التضخم عالمياً. ومع ارتفاع التضخم، تتزايد توقعات تشديد السياسة النقدية من قبل البنوك المركزية، وعلى رأسها مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، من خلال رفع أسعار الفائدة أو الإبقاء عليها عند مستويات مرتفعة لفترة أطول.
وهنا تكمن المفارقة؛ إذ إن الذهب، رغم كونه أداة تحوط ضد التضخم، يتعرض لضغوط في بيئة أسعار الفائدة المرتفعة، نظراً لأنه أصل غير مدر للعائد، ما يجعله أقل جاذبية مقارنة بالأصول ذات العائد مثل السندات.
تشابه مع أزمات سابقة
تشير بيانات وتحليلات صادرة عن مؤسسات مثل «بلومبرغ» و«ستاندرد تشارترد» إلى أن ما يحدث حالياً ليس سابقة تاريخية، بل يتكرر في أزمات كبرى سابقة. فبعد الغزو الروسي لأوكرانيا في عام 2022، شهد الذهب ارتفاعاً أولياً باعتباره ملاذاً آمناً، قبل أن يدخل في موجة تراجع استمرت عدة أشهر مع انتقال صدمة أسعار الطاقة إلى الاقتصاد العالمي.
وتوضح سوكي كوبر، الرئيسة العالمية لأبحاث السلع في «ستاندرد تشارترد»، أن تصحيح أسعار الذهب الحالي «أضعف من المعتاد»، مشيرة إلى أن الذهب غالباً ما يتعرض لضغوط تمتد بين أربعة وستة أسابيع بعد فترات التوتر الحاد، نتيجة عمليات التسييل وإعادة التمركز في المحافظ الاستثمارية.
من جانبه، يؤكد بيتر كينسيلا، الرئيس العالمي لاستراتيجية العملات في «يونيون بانكير بريفيه»، أن هذا النمط تكرر أيضاً خلال الأزمة المالية العالمية في 2008، حين اضطر المستثمرون إلى بيع الأصول القوية لتغطية خسائر في مراكز أخرى، لافتاً إلى أن «التقلبات قصيرة الأجل ترتبط بشكل أساسي بتمركز المستثمرين، وليس بتغير العوامل الأساسية طويلة الأجل».
عوامل هيكلية ما تزال داعمة
ورغم التراجعات الأخيرة، لا تزال هناك عوامل هيكلية تدعم أسعار الذهب على المدى المتوسط والطويل. فمنذ سنوات، تشهد مشتريات البنوك المركزية من الذهب ارتفاعاً ملحوظاً، في إطار سعيها لتنويع الاحتياطيات وتقليل الاعتماد على الدولار الأميركي، وهي توجهات وثقتها تقارير صادرة عن مجلس الذهب العالمي.
كما أن التوترات الجيوسياسية المتزايدة، سواء في الشرق الأوسط أو في مناطق أخرى، تعزز الطلب على الأصول الآمنة، حتى وإن كان هذا التأثير يتعرض لتشوهات قصيرة الأجل بسبب ضغوط السيولة.
إضافة إلى ذلك، فإن ضعف بعض العملات الرئيسية وارتفاع مستويات الدين العالمي يجعلان الذهب أداة تحوط مهمة في المحافظ الاستثمارية، خصوصاً في بيئة اقتصادية تتسم بعدم اليقين.
تأثير فاتورة الطاقة
على الطلب العالمي
في المقابل، يشير محللون إلى أن ارتفاع أسعار النفط والغاز قد يحد من قدرة بعض الدول، خصوصاً المستوردة للطاقة، على زيادة مشترياتها من الذهب. فارتفاع فاتورة الطاقة يعني استنزافاً أكبر للاحتياطيات من العملات الأجنبية، ما يقلل من الفوائض التي يمكن توجيهها إلى شراء الذهب.
وهذا العامل قد يكون له تأثير ملحوظ على الطلب العالمي، خصوصاً في الاقتصادات الناشئة التي تلعب دوراً مهماً في سوق الذهب، سواء على مستوى البنوك المركزية أو الطلب الاستهلاكي.
ترقب سياسي وجيوسياسي حذر
على الصعيد السياسي، لا تزال التطورات غير محسومة، رغم تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن إجراء محادثات لإنهاء الحرب. في المقابل، تشير تقارير إعلامية، بينها «وول ستريت جورنال»، إلى احتمال انضمام دول خليجية إلى الصراع، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد ويطيل أمد حالة عدم اليقين.
كما أن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للطاقة في المنطقة لن يكون من السهل إصلاحها سريعاً، ما يعني استمرار الضغوط على الإمدادات والأسعار لفترة قد تمتد لعدة أشهر.
تحركات الأسعار الحالية
في أحدث التداولات، ارتفع سعر الذهب الفوري بنحو 0.4 % ليصل إلى 4425.18 دولاراً للأونصة، بينما صعدت الفضة بنسبة 1.3 % إلى 70.06 دولاراً، في حين استقر كل من البلاتين والبلاديوم دون تغييرات كبيرة. كما سجل مؤشر الدولار الأميركي ارتفاعاً طفيفاً بنحو 0.2 %، ما أضاف ضغوطاً إضافية على الذهب.
عوامل متعارضة
يمكن القول إن أداء الذهب الحالي يعكس تداخلاً معقداً بين عوامل متعارضة؛ فمن جهة، تدعم التوترات الجيوسياسية الطلب على المعدن النفيس كملاذ آمن، ومن جهة أخرى، تؤدي تداعيات هذه التوترات، خصوصاً عبر قناة التضخم وأسعار الفائدة، إلى تقليص جاذبيته على المدى القصير.
وفي ظل استمرار الحرب والغموض المحيط بمآلاتها، من المرجح أن تبقى أسعار الذهب عرضة لتقلبات حادة، مع بقاء الاتجاه العام رهناً بتطورات السياسة النقدية العالمية، ومسار أسعار الطاقة، ومدى اتساع رقعة الصراع في المنطقة.