تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعلوماتية‭ ‬وصناعة‭ ‬التفوق‭ ‬الاقتصادي‭ ‬في‭ ‬العصر‭ ‬الرقمي

LO30

يرى‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الاقتصاديين‭ ‬الذين‭ ‬تناولوا‭ ‬مسألة‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬طويل‭ ‬الأجل‭ ‬أن‭ ‬تحقيق‭ ‬هذا‭ ‬النمو‭ ‬يرتبط‭ ‬ارتباطاً‭ ‬وثيقاً‭ ‬بمدى‭ ‬قدرة‭ ‬الدول‭ ‬على‭ ‬تطوير‭ ‬قدراتها‭ ‬التقنية‭ ‬والتنظيمية‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬برزت‭ ‬المعلوماتية‭ ‬الحديثة‭ ‬كأحد‭ ‬أهم‭ ‬المحركات‭ ‬الدافعة‭ ‬للتنمية‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬نظراً‭ ‬لدورها‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬مستويات‭ ‬الإنتاجية،‭ ‬وتحسين‭ ‬كفاءة‭ ‬استخدام‭ ‬الموارد،‭ ‬وفتح‭ ‬آفاق‭ ‬واسعة‭ ‬أمام‭ ‬الابتكار‭.‬
وتأتي‭ ‬الثورة‭ ‬الرقمية‭ ‬التي‭ ‬يشهدها‭ ‬العالم‭ ‬اليوم‭ ‬امتداداً‭ ‬لسلسلة‭ ‬من‭ ‬التحولات‭ ‬التكنولوجية‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬غيرت‭ ‬مسار‭ ‬الاقتصاد‭ ‬عبر‭ ‬التاريخ‭. ‬فكما‭ ‬أسهم‭ ‬التطور‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬النسيج‭ ‬خلال‭ ‬أواخر‭ ‬القرن‭ ‬الثامن‭ ‬عشر‭ ‬في‭ ‬إحداث‭ ‬تحولات‭ ‬صناعية‭ ‬واسعة،‭ ‬وكما‭ ‬أحدثت‭ ‬التقنيات‭ ‬الزراعية‭ ‬الحديثة‭ ‬في‭ ‬النصف‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬نقلة‭ ‬نوعية‭ ‬في‭ ‬الإنتاج‭ ‬الزراعي،‭ ‬تؤدي‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬الرقمية‭ ‬اليوم‭ ‬دوراً‭ ‬مماثلاً‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬بنية‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭.‬

التحولات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالمعلوماتية

من‭ ‬منظور‭ ‬التحليل‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬تمثل‭ ‬المرحلة‭ ‬الراهنة‭ ‬بداية‭ ‬اندماج‭ ‬أعمق‭ ‬لعوامل‭ ‬المعرفة‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬ضمن‭ ‬نماذج‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭. ‬وقد‭ ‬ساهم‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الاقتصاديين‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬هذه‭ ‬الرؤية؛‭ ‬بدءاً‭ ‬من‭ ‬جوزيف‭ ‬شومبيتر‭ ‬الذي‭ ‬ركز‭ ‬على‭ ‬دور‭ ‬الابتكار‭ ‬في‭ ‬دفع‭ ‬عجلة‭ ‬النمو،‭ ‬مروراً‭ ‬بإسهامات‭ ‬جون‭ ‬راي‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر،‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬النظريات‭ ‬الحديثة‭ ‬التي‭ ‬طرحها‭ ‬بول‭ ‬رومر‭ ‬وروبرت‭ ‬لوكاس،‭ ‬والتي‭ ‬أبرزت‭ ‬أهمية‭ ‬المعرفة‭ ‬ورأس‭ ‬المال‭ ‬البشري‭ ‬كعناصر‭ ‬أساسية‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬المستدام‭.‬
وفي‭ ‬النماذج‭ ‬الاقتصادية‭ ‬المبسطة‭ ‬للنمو‭ ‬الكلي،‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬يتم‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬المعرفة‭ ‬بوصفها‭ ‬مورداً‭ ‬قابلاً‭ ‬للتراكم،‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬يشبه‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬المادي‭. ‬وتظهر‭ ‬هذه‭ ‬الفكرة‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬النماذج‭ ‬التي‭ ‬تربط‭ ‬بين‭ ‬المعرفة‭ ‬ورأس‭ ‬المال‭ ‬الإنتاجي،‭ ‬حيث‭ ‬تؤدي‭ ‬المعرفة‭ ‬دوراً‭ ‬مهماً‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬إنتاجية‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬وتسريع‭ ‬وتيرة‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭.‬
وبناء‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬التفاعل‭ ‬بين‭ ‬المعرفة‭ ‬ورأس‭ ‬المال‭ ‬البشري‭ ‬والتكنولوجي‭ ‬يشكل‭ ‬أحد‭ ‬المرتكزات‭ ‬الأساسية‭ ‬لاستدامة‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬في‭ ‬العصر‭ ‬الحديث‭. ‬ولهذا‭ ‬أصبح‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬التعليم‭ ‬والبحث‭ ‬العلمي‭ ‬والابتكار‭ ‬خياراً‭ ‬استراتيجياً‭ ‬لا‭ ‬غنى‭ ‬عنه‭ ‬لأي‭ ‬اقتصاد‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬تعزيز‭ ‬قدرته‭ ‬التنافسية‭ ‬ضمن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭.‬

المعلوماتية‭ ‬كعامل‭ ‬اقتصادي‭ ‬مؤثر

مع‭ ‬بروز‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬بالموجة‭ ‬الثالثة‭ ‬من‭ ‬تطور‭ ‬الحضارة‭ ‬الإنسانية،‭ ‬والتي‭ ‬تقوم‭ ‬أساساً‭ ‬على‭ ‬المعرفة،‭ ‬ازدادت‭ ‬أهمية‭ ‬المعلومات‭ ‬بوصفها‭ ‬مادة‭ ‬أولية‭ ‬لإنتاج‭ ‬المعرفة‭. ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬المعلومات‭ ‬مسألة‭ ‬ثانوية‭ ‬أو‭ ‬نوعاً‭ ‬من‭ ‬الرفاهية،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬عاملاً‭ ‬أساسياً‭ ‬في‭ ‬رسم‭ ‬السياسات‭ ‬وتحديد‭ ‬ملامح‭ ‬التطور‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬متعددة،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬المجال‭ ‬الاقتصادي‭.‬
وخلال‭ ‬خمسينيات‭ ‬وستينيات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬ظهر‭ ‬الجيل‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬الحواسيب‭ ‬الإلكترونية،‭ ‬والمعروف‭ ‬بالحواسيب‭ ‬المركزية‭ ‬أو‭ ‬‮«‬Mainframe‮»‬،‭ ‬والتي‭ ‬كانت‭ ‬ضخمة‭ ‬الحجم‭ ‬وتشغل‭ ‬مساحات‭ ‬تعادل‭ ‬غرفة‭ ‬كاملة‭. ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬محدودية‭ ‬إمكاناتها‭ ‬مقارنة‭ ‬بالتقنيات‭ ‬الحالية،‭ ‬فإنها‭ ‬امتلكت‭ ‬قدرة‭ ‬كبيرة‭ ‬على‭ ‬جمع‭ ‬وتصنيف‭ ‬كميات‭ ‬هائلة‭ ‬من‭ ‬البيانات‭ ‬ومعالجتها‭ ‬بسرعة‭ ‬لافتة،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬شكل‭ ‬بداية‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬استخدام‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬لخدمة‭ ‬الأنشطة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والإدارية‭.‬

تطور‭ ‬استخدام‭ ‬الحاسوب‭ ‬في‭ ‬الأنشطة‭ ‬الاقتصادية

لم‭ ‬يتوقف‭ ‬التطور‭ ‬التقني‭ ‬عند‭ ‬ظهور‭ ‬الجيل‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬الحواسيب،‭ ‬بل‭ ‬شهدت‭ ‬العقود‭ ‬اللاحقة‭ ‬ظهور‭ ‬أجيال‭ ‬متقدمة‭ ‬منها،‭ ‬حيث‭ ‬أصبحت‭ ‬الأجهزة‭ ‬أصغر‭ ‬حجماً‭ ‬وأكثر‭ ‬قدرة‭ ‬وكفاءة‭ ‬في‭ ‬معالجة‭ ‬البيانات‭. ‬ومع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت‭ ‬اتسع‭ ‬نطاق‭ ‬استخدام‭ ‬الحاسوب،‭ ‬ليصبح‭ ‬أداة‭ ‬أساسية‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الأعمال‭ ‬والأنشطة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسات‭ ‬الكبرى‭.‬
وقد‭ ‬بدأت‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الشركات‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الأنظمة‭ ‬الحاسوبية‭ ‬كشريك‭ ‬رئيسي‭ ‬في‭ ‬عملياتها‭ ‬التشغيلية‭. ‬ومن‭ ‬الأمثلة‭ ‬المبكرة‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬استخدام‭ ‬شركة‭ ‬الخطوط‭ ‬الجوية‭ ‬الأميركية‭ ‬لنظام‭ ‬الحجز‭ ‬الإلكتروني‭ ‬المعروف‭ ‬باسم‭ ‬‮«‬سابر‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬تسهيل‭ ‬عمليات‭ ‬حجز‭ ‬التذاكر‭ ‬وتنظيمها‭ ‬بصورة‭ ‬أكثر‭ ‬كفاءة‭ ‬مقارنة‭ ‬بالأساليب‭ ‬التقليدية‭ ‬السابقة‭.‬
ولم‭ ‬يقتصر‭ ‬استخدام‭ ‬الأنظمة‭ ‬الآلية‭ ‬على‭ ‬قطاع‭ ‬الطيران‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬امتد‭ ‬إلى‭ ‬مجالات‭ ‬أخرى‭ ‬مثل‭ ‬الصناعة‭ ‬والزراعة‭. ‬ففي‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬استخدمت‭ ‬بعض‭ ‬شركات‭ ‬تصنيع‭ ‬الجرارات‭ ‬الزراعية‭ ‬أنظمة‭ ‬متقدمة‭ ‬تربط‭ ‬بين‭ ‬الجرار‭ ‬والأقمار‭ ‬الصناعية،‭ ‬ما‭ ‬يتيح‭ ‬للمزارعين‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬بيانات‭ ‬دقيقة‭ ‬حول‭ ‬خصائص‭ ‬التربة‭ ‬والظروف‭ ‬المناخية‭. ‬وتنتقل‭ ‬هذه‭ ‬المعلومات‭ ‬تلقائياً‭ ‬إلى‭ ‬الحاسوب‭ ‬الخاص‭ ‬بالمزارع،‭ ‬حيث‭ ‬يتم‭ ‬تحليلها‭ ‬وإعداد‭ ‬خرائط‭ ‬توضح‭ ‬التغيرات‭ ‬في‭ ‬التربة‭ ‬أو‭ ‬الطقس،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يمكّن‭ ‬المزارع‭ ‬من‭ ‬إدارة‭ ‬كل‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬الأرض‭ ‬وفق‭ ‬احتياجاته‭ ‬الخاصة،‭ ‬بما‭ ‬يؤدي‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬إلى‭ ‬رفع‭ ‬الإنتاجية‭ ‬وتحقيق‭ ‬عوائد‭ ‬اقتصادية‭ ‬أكبر‭.‬

معلوماتية‭ ‬المستهلك

في‭ ‬عصر‭ ‬المعلومات‭ ‬الذي‭ ‬نعيشه‭ ‬اليوم،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬المستهلك‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬امتلاك‭ ‬معرفة‭ ‬تقنية‭ ‬متقدمة‭ ‬للاستفادة‭ ‬من‭ ‬السلع‭ ‬والخدمات،‭ ‬إذ‭ ‬أصبحت‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المنتجات‭ ‬نفسها‭ ‬مزودة‭ ‬بأنظمة‭ ‬معلوماتية‭ ‬تقدم‭ ‬للمستخدم‭ ‬البيانات‭ ‬اللازمة‭ ‬أثناء‭ ‬الاستخدام‭. ‬ويطلق‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬المنتجات‭ ‬مصطلح‭ ‬‮«‬السلع‭ ‬الذكية‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬منتجات‭ ‬تساعد‭ ‬المستهلك‭ ‬وتمنحه‭ ‬قدراً‭ ‬من‭ ‬المعرفة‭ ‬أثناء‭ ‬التعامل‭ ‬معها‭.‬
وقد‭ ‬انتشرت‭ ‬هذه‭ ‬السلع‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬متعددة،‭ ‬ومن‭ ‬أمثلتها‭ ‬إطارات‭ ‬السيارات‭ ‬التي‭ ‬توفر‭ ‬للسائق‭ ‬معلومات‭ ‬فورية‭ ‬حول‭ ‬مستوى‭ ‬ضغط‭ ‬الهواء‭ ‬أو‭ ‬حالة‭ ‬الإطار‭. ‬وتمثل‭ ‬هذه‭ ‬النماذج‭ ‬جانباً‭ ‬من‭ ‬التحول‭ ‬نحو‭ ‬دمج‭ ‬المعلوماتية‭ ‬داخل‭ ‬المنتجات‭ ‬الاستهلاكية‭.‬
وتوفر‭ ‬هذه‭ ‬المنتجات‭ ‬للمستهلك‭ ‬نوعاً‭ ‬من‭ ‬التعلم‭ ‬المستمر‭ ‬أثناء‭ ‬الاستخدام،‭ ‬حيث‭ ‬تمنحه‭ ‬خبرة‭ ‬إضافية‭ ‬تساعده‭ ‬على‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرارات‭ ‬أفضل‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬يحقق‭ ‬المنتجون‭ ‬مكاسب‭ ‬اقتصادية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬زيادة‭ ‬جاذبية‭ ‬منتجاتهم‭ ‬وانتشارها‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬أصبح‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬المستهلك‭ ‬باعتباره‭ ‬طرفاً‭ ‬نشطاً‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬التعلم‭ ‬الذاتي،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬المنتج‭ ‬والمستهلك‭ ‬ويزيد‭ ‬من‭ ‬فرص‭ ‬نجاح‭ ‬المنتجات‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭.‬
وبذلك‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬استخدام‭ ‬المعلوماتية‭ ‬بما‭ ‬يخدم‭ ‬كلاً‭ ‬من‭ ‬المنتج‭ ‬والمستهلك‭ ‬يعزز‭ ‬فرص‭ ‬النجاح‭ ‬الاقتصادي‭ ‬للمنتجات‭. ‬ولهذا‭ ‬السبب‭ ‬تحظى‭ ‬السلع‭ ‬الذكية‭ ‬التي‭ ‬توفر‭ ‬البيانات‭ ‬والمعلومات‭ ‬للمستخدمين‭ ‬بفرص‭ ‬انتشار‭ ‬أكبر‭ ‬مقارنة‭ ‬بالسلع‭ ‬التقليدية‭ ‬التي‭ ‬تفتقر‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬البعد‭ ‬المعلوماتي‭.‬

تطور‭ ‬مفهوم‭ ‬المقارنة

شهدت‭ ‬النظرية‭ ‬الكلاسيكية‭ ‬للميزة‭ ‬المقارنة‭ ‬تطوراً‭ ‬ملحوظاً‭ ‬عبر‭ ‬الزمن،‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬تركيزها‭ ‬على‭ ‬دور‭ ‬الموقع‭ ‬الجغرافي‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬طبيعة‭ ‬النشاط‭ ‬الصناعي‭ ‬خلال‭ ‬القرنين‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬والعشرين‭. ‬فقد‭ ‬أوضحت‭ ‬هذه‭ ‬النظرية‭ ‬أن‭ ‬اختيار‭ ‬موقع‭ ‬الإنتاج‭ ‬يعتمد‭ ‬بدرجة‭ ‬كبيرة‭ ‬على‭ ‬عاملين‭ ‬رئيسيين،‭ ‬هما‭ ‬توافر‭ ‬الموارد‭ ‬الطبيعية‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬وتوافر‭ ‬الأيدي‭ ‬العاملة‭ ‬المناسبة‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭.‬
فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬يساعد‭ ‬وجود‭ ‬تربة‭ ‬خصبة‭ ‬ومناخ‭ ‬مناسب‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬العمالة‭ ‬الزراعية‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬النشاط‭ ‬الزراعي،‭ ‬بينما‭ ‬يعتمد‭ ‬إنتاج‭ ‬النفط‭ ‬على‭ ‬توافر‭ ‬الحقول‭ ‬النفطية‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬العمالة‭ ‬والتقنيات‭ ‬اللازمة‭ ‬لاستخراجه‭.‬
وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬كانت‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تمتلك‭ ‬وفرة‭ ‬في‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬تميل‭ ‬إلى‭ ‬إنتاج‭ ‬السلع‭ ‬التي‭ ‬تتطلب‭ ‬استثمارات‭ ‬رأسمالية‭ ‬كبيرة،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تتجه‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تمتلك‭ ‬وفرة‭ ‬في‭ ‬اليد‭ ‬العاملة‭ ‬إلى‭ ‬إنتاج‭ ‬السلع‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬بدرجة‭ ‬أكبر‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬البشري‭.‬

توظيف‭ ‬الموارد

خلال‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬ومعظم‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬قدمت‭ ‬نظرية‭ ‬الميزة‭ ‬المقارنة‭ ‬تفسيراً‭ ‬واضحاً‭ ‬لكيفية‭ ‬توظيف‭ ‬الموارد‭ ‬لتحقيق‭ ‬أفضل‭ ‬عائد‭ ‬اقتصادي‭. ‬فقد‭ ‬استطاعت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬تطوير‭ ‬زراعة‭ ‬القطن‭ ‬في‭ ‬ولايات‭ ‬الجنوب‭ ‬مستفيدة‭ ‬من‭ ‬ملاءمة‭ ‬المناخ‭ ‬والتربة‭ ‬لهذا‭ ‬النشاط‭ ‬الزراعي،‭ ‬بينما‭ ‬ازدهرت‭ ‬صناعة‭ ‬الغزل‭ ‬والنسيج‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬نيو‭ ‬إنجلند‭ ‬بفضل‭ ‬توافر‭ ‬مساقط‭ ‬المياه‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تستخدم‭ ‬في‭ ‬تشغيل‭ ‬آلات‭ ‬النسيج،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬توفر‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬اللازم‭ ‬لتمويل‭ ‬هذه‭ ‬الصناعات‭.‬
أما‭ ‬مدينة‭ ‬نيويورك،‭ ‬فقد‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬مركز‭ ‬اقتصادي‭ ‬رئيسي‭ ‬بفضل‭ ‬موقعها‭ ‬على‭ ‬الساحل‭ ‬الشرقي‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬امتلكته‭ ‬من‭ ‬قوى‭ ‬عاملة‭ ‬مؤهلة‭ ‬ورؤوس‭ ‬أموال‭ ‬ساعدت‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬شبكات‭ ‬الاتصال‭ ‬والنقل‭ ‬نحو‭ ‬مناطق‭ ‬الغرب‭ ‬الأوسط‭. ‬وفي‭ ‬المقابل‭ ‬برزت‭ ‬مدينة‭ ‬بتسبرغ‭ ‬كمركز‭ ‬لصناعة‭ ‬الحديد‭ ‬والصلب‭ ‬نتيجة‭ ‬قربها‭ ‬من‭ ‬مناجم‭ ‬الفحم‭ ‬وخام‭ ‬الحديد،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬موقعها‭ ‬على‭ ‬شبكة‭ ‬من‭ ‬الأنهار‭ ‬والبحيرات‭ ‬التي‭ ‬سهلت‭ ‬عمليات‭ ‬النقل‭. ‬وفي‭ ‬عصر‭ ‬السكك‭ ‬الحديدية‭ ‬أصبحت‭ ‬شيكاغو‭ ‬محوراً‭ ‬رئيسياً‭ ‬لحركة‭ ‬النقل‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬بينما‭ ‬لعبت‭ ‬ولاية‭ ‬تكساس‭ ‬دوراً‭ ‬مهماً‭ ‬في‭ ‬إنتاج‭ ‬النفط‭ ‬الذي‭ ‬وفر‭ ‬الطاقة‭ ‬اللازمة‭ ‬لتطور‭ ‬صناعات‭ ‬عديدة،‭ ‬مثل‭ ‬صناعة‭ ‬الألمنيوم‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬البلاد‭.‬
غير‭ ‬أن‭ ‬التحولات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬أظهرت‭ ‬تغيراً‭ ‬ملحوظاً‭ ‬في‭ ‬طبيعة‭ ‬مصادر‭ ‬القوة‭ ‬الاقتصادية‭. ‬ففي‭ ‬عام‭ ‬1990‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬اثنتا‭ ‬عشرة‭ ‬شركة‭ ‬أميركية‭ ‬كبرى‭ ‬تعتمد‭ ‬بدرجة‭ ‬كبيرة‭ ‬على‭ ‬الموارد‭ ‬الطبيعية‭ ‬في‭ ‬نشاطها‭ ‬الإنتاجي،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬معظم‭ ‬هذه‭ ‬الشركات‭ ‬لم‭ ‬يتمكن‭ ‬من‭ ‬الاستمرار‭ ‬ككيانات‭ ‬مستقلة‭ ‬مع‭ ‬دخول‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين،‭ ‬ولم‭ ‬يبقَ‭ ‬منها‭ ‬سوى‭ ‬شركة‭ ‬واحدة‭ ‬هي‭ ‬‮«‬جنرال‭ ‬إلكتريك‮»‬‭. ‬ويعكس‭ ‬ذلك‭ ‬طبيعة‭ ‬النظام‭ ‬الرأسمالي‭ ‬الذي‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬تسميته‭ ‬بعملية‭ ‬‮«‬الإحلال‭ ‬الديناميكي‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬تظهر‭ ‬شركات‭ ‬جديدة‭ ‬أكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬التكيف‭ ‬مع‭ ‬المتغيرات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والتكنولوجية،‭ ‬لتحل‭ ‬محل‭ ‬شركات‭ ‬تقليدية‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬مواكبة‭ ‬التطورات‭.‬

تراجع‭ ‬دور‭ ‬الموارد‭ ‬الطبيعية‭ ‬وصعود‭ ‬اقتصاد‭ ‬المعرفة

لم‭ ‬تقتصر‭ ‬هذه‭ ‬التحولات‭ ‬على‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬ظهرت‭ ‬أيضاً‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الأخرى‭. ‬ففي‭ ‬المملكة‭ ‬المتحدة،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬كان‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مليون‭ ‬عامل‭ ‬يعملون‭ ‬في‭ ‬مناجم‭ ‬الفحم‭ ‬قبل‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يمثل‭ ‬نحو‭ ‬6‭%‬‭ ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬القوى‭ ‬العاملة‭ ‬آنذاك‭. ‬أما‭ ‬اليوم‭ ‬فقد‭ ‬تراجع‭ ‬عدد‭ ‬العاملين‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬القطاع‭ ‬إلى‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬ثلاثين‭ ‬ألف‭ ‬عامل،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬التحول‭ ‬التدريجي‭ ‬في‭ ‬بنية‭ ‬الاقتصاد‭ ‬نحو‭ ‬قطاعات‭ ‬أكثر‭ ‬اعتماداً‭ ‬على‭ ‬المعرفة‭ ‬والتكنولوجيا‭.‬
وفي‭ ‬مطلع‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬كان‭ ‬التصنيع‭ ‬يشهد‭ ‬توسعاً‭ ‬مستمراً،‭ ‬وكانت‭ ‬نسبة‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬الشركات‭ ‬الصناعية‭ ‬الكبرى‭ ‬تعتمد‭ ‬في‭ ‬أصولها‭ ‬على‭ ‬الموارد‭ ‬الطبيعية‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬الدول،‭ ‬مثل‭ ‬الأرجنتين‭ ‬وشيلي،‭ ‬كانت‭ ‬تعتمد‭ ‬بدرجة‭ ‬كبيرة‭ ‬على‭ ‬ثرواتها‭ ‬الطبيعية‭ ‬وكانت‭ ‬تُعد‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الغنية‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬كان‭ ‬يُعتقد‭ ‬أن‭ ‬اليابان،‭ ‬التي‭ ‬تفتقر‭ ‬إلى‭ ‬الموارد‭ ‬الطبيعية،‭ ‬ستظل‭ ‬دولة‭ ‬محدودة‭ ‬الإمكانات‭ ‬الاقتصادية‭.‬
إلا‭ ‬أن‭ ‬التجربة‭ ‬اليابانية‭ ‬أثبتت‭ ‬عكس‭ ‬ذلك‭. ‬فقد‭ ‬استطاعت‭ ‬اليابان‭ ‬تحقيق‭ ‬مستويات‭ ‬مرتفعة‭ ‬من‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬المتقدمة‭ ‬وتطوير‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬البشري،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الاستخدام‭ ‬الواسع‭ ‬للمعلوماتية‭ ‬في‭ ‬العمليات‭ ‬الصناعية‭. ‬وقد‭ ‬أدى‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬رفع‭ ‬إنتاجية‭ ‬العمل‭ ‬بشكل‭ ‬ملحوظ،‭ ‬ما‭ ‬مكن‭ ‬الشركات‭ ‬اليابانية‭ ‬من‭ ‬دفع‭ ‬أجور‭ ‬أعلى‭ ‬للعمال‭ ‬وتحقيق‭ ‬مستويات‭ ‬إنتاجية‭ ‬تفوق‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الأخرى‭.‬
ومع‭ ‬استمرار‭ ‬هذا‭ ‬النمو،‭ ‬تمكنت‭ ‬الشركات‭ ‬اليابانية‭ ‬من‭ ‬الانتقال‭ ‬تدريجياً‭ ‬إلى‭ ‬صناعات‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬رأس‭ ‬مال‭ ‬كثيف‭ ‬وتقنيات‭ ‬متقدمة،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬قدرتها‭ ‬التنافسية‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭.‬

رجوع لأعلى