المنتجات المكررة تربك أسواق الطاقة.. وتحدّ من رهانات خفض النفط
شهدت أسواق الطاقة العالمية خلال الأسابيع الأخيرة مفارقة لافتة؛ ففي الوقت الذي يواصل فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب توجيه رسائل علنية تدعو إلى خفض أسعار النفط عبر منشوراته على منصة «تروث سوشيال»، تتحرك السوق الفعلية تحت تأثير ضغوط أكثر تعقيداً وأقل قابلية للضبط السياسي المباشر، أبرزها الارتفاع الحاد في أسعار المنتجات النفطية المكررة، وعلى رأسها الديزل ووقود الطائرات.
هذه المفارقة تعكس تحولاً مهماً في بوصلة المخاطر داخل أسواق الطاقة، إذ لم يعد خام النفط وحده هو المحدد الرئيسي لاتجاه الأسعار أو الضغوط التضخمية، بل أصبحت المشتقات المكررة تحتل موقعاً أكثر حساسية في تحديد كلفة الطاقة الفعلية التي تصل إلى المستهلكين والاقتصادات. وبينما ينصبّ الاهتمام الإعلامي والسياسي عادة على تحركات خام برنت أو خام غرب تكساس، فإن ما يحدث في سوق المنتجات المكررة قد يكون أكثر دلالة على عمق الخلل في منظومة الإمدادات العالمية.
ضغط سياسي محدود
يحاول ترامب، كعادته، توظيف الخطاب المباشر للتأثير على المزاج العام للأسواق، مستنداً إلى فكرة أن الرسائل السياسية القوية يمكن أن تخلق زخماً نفسياً يدفع الأسعار إلى التراجع. غير أن الواقع الحالي في أسواق الطاقة يبدو أكثر تعقيداً من أن يتجاوب بسهولة مع هذا النوع من الإشارات.
فالسوق لا تتعامل فقط مع التصريحات، بل مع توازنات فعلية في العرض والطلب، ومستويات المخزون، وقدرة البنية التحتية العالمية على التكرير والنقل والتوزيع. وفي هذا السياق، تبدو محاولات الضغط على أسعار الخام أقل تأثيراً عندما تكون المشكلة الأساسية متمركزة في حلقات لاحقة من سلسلة الطاقة، أي في المنتجات النهائية التي تحتاجها الاقتصادات يومياً لتشغيل النقل والصناعة والطيران والخدمات اللوجستية.
قفزة المشتقات
اللافت في المرحلة الراهنة أن أسعار الديزل ووقود الطائرات ارتفعت بوتيرة أسرع بكثير من أسعار النفط الخام. فوفقاً لبيانات «أرجوس ميديا»، تضاعفت تقريباً أسعار هذين المنتجين منذ بداية العام، لتقترب في الولايات المتحدة من مستوى 160 دولاراً للبرميل للديزل و174 دولاراً للبرميل لوقود الطائرات.
هذا الارتفاع لا يُعد مجرد تحرك سعري عابر، بل يمثل مؤشراً على اختلال واضح بين توفر الخام من جهة، وقدرة الأسواق على تحويله إلى منتجات قابلة للاستهلاك من جهة أخرى. ولو تحرك خام برنت بنفس الوتيرة التي تحرك بها وقود الطائرات في أوروبا، لكان سعره قد تجاوز 160 دولاراً للبرميل، وهو ما يكشف حجم الفجوة بين سوق الخام وسوق المنتجات النهائية.
وبمعنى آخر، فإن الضغوط الحقيقية لم تعد فقط في استخراج النفط أو نقله، بل في معالجته وتكريره وتوزيعه بالشكل الذي يضمن استقرار الإمدادات اليومية للقطاعات الاقتصادية المختلفة.
الأثر المباشر على المستهلك
تكمن خطورة ارتفاع أسعار المنتجات المكررة في أنها الأقرب إلى المستهلك النهائي، وبالتالي فإن أثرها الاقتصادي والاجتماعي يكون أسرع وأوسع من أثر تحركات النفط الخام وحدها. فالمستهلك لا يشتري برميلاً من خام برنت، بل يدفع تكلفة البنزين أو الديزل أو وقود النقل والشحن والتدفئة، وهي كلها منتجات مشتقة.
وفي الولايات المتحدة، انعكس هذا الخلل بوضوح على أسعار الوقود، حيث ارتفع سعر الديزل بنسبة 50% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي ليصل إلى 5.38 دولارات للجالون، بحسب بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية. وهذا التطور لا يضغط فقط على الأفراد، بل ينعكس أيضاً على تكاليف الشحن والنقل البري وسلاسل الإمداد والقطاع الصناعي، بما يزيد من الضغوط التضخمية على الاقتصاد ككل.
كما أن ارتفاع وقود الطائرات يهدد برفع تكاليف السفر والنقل الجوي والخدمات اللوجستية المرتبطة بالتجارة العالمية، وهو ما يوسع نطاق تأثير الأزمة إلى ما هو أبعد من أسواق الطاقة التقليدية.
لماذا المشتقات أكثر هشاشة؟
قد يبدو للوهلة الأولى أن الخطر الأكبر يجب أن يكون في سوق النفط الخام، خصوصاً إذا ما أخذنا في الاعتبار حساسية الإمدادات القادمة من الخليج العربي واحتمالات اضطراب حركة الشحن عبر مضيق هرمز. لكن الأرقام تشير إلى صورة أكثر تعقيداً.
فبحسب وكالة الطاقة الدولية، تم تصدير ما يقارب 15 مليون برميل يومياً من النفط الخام عبر مضيق هرمز خلال العام الماضي، مقابل نحو 5 ملايين برميل يومياً فقط من المنتجات المكررة. ومن حيث الحجم البحت، يبدو الخام أكثر عرضة للخطر في حال تعطل الملاحة. إلا أن السوق الفعلية تُظهر أن المنتجات المكررة أكثر هشاشة من حيث المخزون والمرونة التشغيلية.
السبب في ذلك أن مخزونات النفط الخام حول العالم لا تزال مريحة نسبياً، سواء في الخزانات البرية أو على متن السفن أو في الاحتياطيات التجارية والاستراتيجية، بينما تبقى مخزونات المنتجات النهائية أقل بكثير وأكثر عرضة للاستنزاف السريع. وهذا يعني أن أي اضطراب في التكرير أو النقل أو الإمدادات النهائية يظهر أثره على الأسعار بسرعة أكبر من أثر اضطراب الخام نفسه.
هوامش ربح استثنائية
هذا الاختلال بين أسعار الخام والمنتجات المكررة خلق بيئة استثنائية لشركات التكرير، إذ اتسعت الفجوة بين تكلفة شراء النفط الخام وسعر بيع المنتجات النهائية، وهو ما يعرف في السوق بـ«هوامش التكرير» أو Refining Margins.
ومع اتساع هذه الهوامش، أصبحت الشركات القادرة على شراء الخام ومعالجته وبيع مشتقاته في وضع مالي أقوى من بعض شركات إنتاج النفط الخام نفسها. ولذلك، لم يكن مستغرباً أن تحقق شركات مثل ريبسول ونيست أداءً سوقياً أفضل نسبياً من بعض شركات الاستكشاف والإنتاج، لأن السوق باتت تكافئ في هذه المرحلة القدرة على التكرير أكثر من مجرد امتلاك البراميل تحت الأرض.
هذه الديناميكية تكشف تحولاً مهماً في توزيع الأرباح داخل قطاع الطاقة. ففي الأوضاع الطبيعية أو عند ارتفاع الخام بشكل مباشر، تكون الأفضلية غالباً لشركات الإنتاج، لكن عندما تصبح المشتقات أكثر ندرة من الخام، تنتقل القوة التسعيرية مؤقتاً إلى المصافي.
سيناريوهات قد تقلب المعادلة
مع ذلك، فإن هذا التوازن ليس ثابتاً، بل يبقى شديد الحساسية لتطورات الجغرافيا السياسية واستمرارية الاضطراب في الشرق الأوسط. فإذا استمرت التوترات لفترة أطول وتعرضت إمدادات الخام نفسها إلى استنزاف أكبر، فقد تنقلب المعادلة مجدداً.
في هذا السيناريو، قد تبدأ مخزونات النفط الخام بالانخفاض بوتيرة أسرع، ما يؤدي إلى ارتفاع مباشر في سعر البرميل نفسه، وفي المقابل قد يظهر فائض نسبي في بعض طاقات التكرير إذا لم تعد المصافي قادرة على الحصول على كميات كافية من الخام بأسعار مناسبة. وعندها، سيتراجع جزء من الهوامش الحالية التي تتمتع بها المصافي، لتنتقل الأفضلية مجدداً إلى شركات إنتاج النفط الخام.
وبعبارة أخرى، فإن السوق الحالية لا تعكس فقط أزمة أسعار، بل تعكس أيضاً صراعاً متغيراً على من يملك «حلقة القوة» داخل سلسلة الطاقة: هل هو المنتج الذي يستخرج النفط، أم المصفاة التي تحوله، أم الجهة التي تنجح في إيصال المنتج النهائي إلى السوق في الوقت المناسب؟
السوق ليست خطاً مستقيماً
لكن من المهم الإشارة إلى أن هذه القراءة، رغم أهميتها، تبقى تبسيطاً نسبياً لطبيعة سوق الطاقة العالمية، لأن النفط الخام والمنتجات المكررة ليسا سلعتين قابلتين للاستبدال الكامل، كما أن اختلاف أنواع الخام، ومرونة المصافي، ومواصفات المنتجات، والقدرة اللوجستية، كلها عوامل تجعل المشهد أكثر تعقيداً.
فليست كل المصافي قادرة على معالجة كل أنواع الخام بالكفاءة نفسها، كما أن اختلاف المواصفات البيئية والتنظيمية بين الأسواق يحد من سهولة تحويل الإمدادات من منطقة إلى أخرى. يضاف إلى ذلك أن اضطرابات الشحن البحري وارتفاع تكاليف التأمين والنقل تجعل حتى الإمدادات المتاحة نظرياً أقل مرونة عملياً.
ومن هنا، فإن أي قراءة لحركة الأسعار يجب ألا تقتصر على توازنات العرض والطلب التقليدية، بل يجب أن تشمل أيضاً الجغرافيا السياسية، واللوجستيات، والطاقة الفائضة، وقرارات التصدير، وقدرة المصافي على العمل بكفاءة كاملة.
الصين عامل حاسم
أحد العوامل التي تزيد الصورة تعقيداً هو دور الصين، التي تمتلك جزءاً كبيراً من الطاقة التكريرية الفائضة على مستوى العالم، وكان يُفترض نظرياً أن تلعب دوراً في تخفيف الاختناقات العالمية في المنتجات المكررة. إلا أن بكين قامت بالفعل بتقليص بعض صادراتها من المنتجات النفطية، ما قلّص من قدرة السوق العالمية على امتصاص الصدمة.
وهذا التطور بالغ الأهمية، لأن الصين تمثل في كثير من الأحيان «صمام أمان» غير مباشر لأسواق المشتقات، وعندما تنخفض صادراتها، ترتفع حساسية الأسواق الآسيوية والأوروبية وحتى الأمريكية لأي نقص إضافي في الإمدادات.
وبالتالي، فإن أزمة المنتجات المكررة الحالية ليست مجرد انعكاس مباشر لمخاطر مضيق هرمز، بل هي أيضاً نتاج تفاعل أكثر تعقيداً بين السياسة التجارية، والطاقة الفائضة، وقرارات التصدير، وتوزيع القدرات الصناعية عالمياً.