تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنتجات‭ ‬المكررة‭ ‬تربك‭ ‬أسواق‭ ‬الطاقة‭.. ‬وتحدّ‭ ‬من‭ ‬رهانات‭ ‬خفض‭ ‬النفط

المنتجات‭ ‬المكررة‭ ‬تربك‭ ‬أسواق‭ ‬الطاقة‭.. ‬وتحدّ‭ ‬من‭ ‬رهانات‭ ‬خفض‭ ‬النفط

شهدت‭ ‬أسواق‭ ‬الطاقة‭ ‬العالمية‭ ‬خلال‭ ‬الأسابيع‭ ‬الأخيرة‭ ‬مفارقة‭ ‬لافتة؛‭ ‬ففي‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬يواصل‭ ‬فيه‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬توجيه‭ ‬رسائل‭ ‬علنية‭ ‬تدعو‭ ‬إلى‭ ‬خفض‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬عبر‭ ‬منشوراته‭ ‬على‭ ‬منصة‭ ‬‮«‬تروث‭ ‬سوشيال‮»‬،‭ ‬تتحرك‭ ‬السوق‭ ‬الفعلية‭ ‬تحت‭ ‬تأثير‭ ‬ضغوط‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭ ‬وأقل‭ ‬قابلية‭ ‬للضبط‭ ‬السياسي‭ ‬المباشر،‭ ‬أبرزها‭ ‬الارتفاع‭ ‬الحاد‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬المنتجات‭ ‬النفطية‭ ‬المكررة،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬الديزل‭ ‬ووقود‭ ‬الطائرات‭.‬
هذه‭ ‬المفارقة‭ ‬تعكس‭ ‬تحولاً‭ ‬مهماً‭ ‬في‭ ‬بوصلة‭ ‬المخاطر‭ ‬داخل‭ ‬أسواق‭ ‬الطاقة،‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬خام‭ ‬النفط‭ ‬وحده‭ ‬هو‭ ‬المحدد‭ ‬الرئيسي‭ ‬لاتجاه‭ ‬الأسعار‭ ‬أو‭ ‬الضغوط‭ ‬التضخمية،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬المشتقات‭ ‬المكررة‭ ‬تحتل‭ ‬موقعاً‭ ‬أكثر‭ ‬حساسية‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬كلفة‭ ‬الطاقة‭ ‬الفعلية‭ ‬التي‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬المستهلكين‭ ‬والاقتصادات‭. ‬وبينما‭ ‬ينصبّ‭ ‬الاهتمام‭ ‬الإعلامي‭ ‬والسياسي‭ ‬عادة‭ ‬على‭ ‬تحركات‭ ‬خام‭ ‬برنت‭ ‬أو‭ ‬خام‭ ‬غرب‭ ‬تكساس،‭ ‬فإن‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬المنتجات‭ ‬المكررة‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬أكثر‭ ‬دلالة‭ ‬على‭ ‬عمق‭ ‬الخلل‭ ‬في‭ ‬منظومة‭ ‬الإمدادات‭ ‬العالمية‭.‬

ضغط‭ ‬سياسي‭ ‬محدود

يحاول‭ ‬ترامب،‭ ‬كعادته،‭ ‬توظيف‭ ‬الخطاب‭ ‬المباشر‭ ‬للتأثير‭ ‬على‭ ‬المزاج‭ ‬العام‭ ‬للأسواق،‭ ‬مستنداً‭ ‬إلى‭ ‬فكرة‭ ‬أن‭ ‬الرسائل‭ ‬السياسية‭ ‬القوية‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تخلق‭ ‬زخماً‭ ‬نفسياً‭ ‬يدفع‭ ‬الأسعار‭ ‬إلى‭ ‬التراجع‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الواقع‭ ‬الحالي‭ ‬في‭ ‬أسواق‭ ‬الطاقة‭ ‬يبدو‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يتجاوب‭ ‬بسهولة‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الإشارات‭.‬
فالسوق‭ ‬لا‭ ‬تتعامل‭ ‬فقط‭ ‬مع‭ ‬التصريحات،‭ ‬بل‭ ‬مع‭ ‬توازنات‭ ‬فعلية‭ ‬في‭ ‬العرض‭ ‬والطلب،‭ ‬ومستويات‭ ‬المخزون،‭ ‬وقدرة‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬العالمية‭ ‬على‭ ‬التكرير‭ ‬والنقل‭ ‬والتوزيع‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تبدو‭ ‬محاولات‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬أسعار‭ ‬الخام‭ ‬أقل‭ ‬تأثيراً‭ ‬عندما‭ ‬تكون‭ ‬المشكلة‭ ‬الأساسية‭ ‬متمركزة‭ ‬في‭ ‬حلقات‭ ‬لاحقة‭ ‬من‭ ‬سلسلة‭ ‬الطاقة،‭ ‬أي‭ ‬في‭ ‬المنتجات‭ ‬النهائية‭ ‬التي‭ ‬تحتاجها‭ ‬الاقتصادات‭ ‬يومياً‭ ‬لتشغيل‭ ‬النقل‭ ‬والصناعة‭ ‬والطيران‭ ‬والخدمات‭ ‬اللوجستية‭.‬

قفزة‭ ‬المشتقات

اللافت‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬الراهنة‭ ‬أن‭ ‬أسعار‭ ‬الديزل‭ ‬ووقود‭ ‬الطائرات‭ ‬ارتفعت‭ ‬بوتيرة‭ ‬أسرع‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬الخام‭. ‬فوفقاً‭ ‬لبيانات‭ ‬‮«‬أرجوس‭ ‬ميديا‮»‬،‭ ‬تضاعفت‭ ‬تقريباً‭ ‬أسعار‭ ‬هذين‭ ‬المنتجين‭ ‬منذ‭ ‬بداية‭ ‬العام،‭ ‬لتقترب‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬من‭ ‬مستوى‭ ‬160‭ ‬دولاراً‭ ‬للبرميل‭ ‬للديزل‭ ‬و174‭ ‬دولاراً‭ ‬للبرميل‭ ‬لوقود‭ ‬الطائرات‭.‬
هذا‭ ‬الارتفاع‭ ‬لا‭ ‬يُعد‭ ‬مجرد‭ ‬تحرك‭ ‬سعري‭ ‬عابر،‭ ‬بل‭ ‬يمثل‭ ‬مؤشراً‭ ‬على‭ ‬اختلال‭ ‬واضح‭ ‬بين‭ ‬توفر‭ ‬الخام‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬وقدرة‭ ‬الأسواق‭ ‬على‭ ‬تحويله‭ ‬إلى‭ ‬منتجات‭ ‬قابلة‭ ‬للاستهلاك‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭. ‬ولو‭ ‬تحرك‭ ‬خام‭ ‬برنت‭ ‬بنفس‭ ‬الوتيرة‭ ‬التي‭ ‬تحرك‭ ‬بها‭ ‬وقود‭ ‬الطائرات‭ ‬في‭ ‬أوروبا،‭ ‬لكان‭ ‬سعره‭ ‬قد‭ ‬تجاوز‭ ‬160‭ ‬دولاراً‭ ‬للبرميل،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يكشف‭ ‬حجم‭ ‬الفجوة‭ ‬بين‭ ‬سوق‭ ‬الخام‭ ‬وسوق‭ ‬المنتجات‭ ‬النهائية‭.‬
وبمعنى‭ ‬آخر،‭ ‬فإن‭ ‬الضغوط‭ ‬الحقيقية‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬استخراج‭ ‬النفط‭ ‬أو‭ ‬نقله،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬معالجته‭ ‬وتكريره‭ ‬وتوزيعه‭ ‬بالشكل‭ ‬الذي‭ ‬يضمن‭ ‬استقرار‭ ‬الإمدادات‭ ‬اليومية‭ ‬للقطاعات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬المختلفة‭.‬

الأثر‭ ‬المباشر‭ ‬على‭ ‬المستهلك

تكمن‭ ‬خطورة‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬المنتجات‭ ‬المكررة‭ ‬في‭ ‬أنها‭ ‬الأقرب‭ ‬إلى‭ ‬المستهلك‭ ‬النهائي،‭ ‬وبالتالي‭ ‬فإن‭ ‬أثرها‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬يكون‭ ‬أسرع‭ ‬وأوسع‭ ‬من‭ ‬أثر‭ ‬تحركات‭ ‬النفط‭ ‬الخام‭ ‬وحدها‭. ‬فالمستهلك‭ ‬لا‭ ‬يشتري‭ ‬برميلاً‭ ‬من‭ ‬خام‭ ‬برنت،‭ ‬بل‭ ‬يدفع‭ ‬تكلفة‭ ‬البنزين‭ ‬أو‭ ‬الديزل‭ ‬أو‭ ‬وقود‭ ‬النقل‭ ‬والشحن‭ ‬والتدفئة،‭ ‬وهي‭ ‬كلها‭ ‬منتجات‭ ‬مشتقة‭.‬
وفي‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬انعكس‭ ‬هذا‭ ‬الخلل‭ ‬بوضوح‭ ‬على‭ ‬أسعار‭ ‬الوقود،‭ ‬حيث‭ ‬ارتفع‭ ‬سعر‭ ‬الديزل‭ ‬بنسبة‭ ‬50‭% ‬مقارنة‭ ‬بالفترة‭ ‬نفسها‭ ‬من‭ ‬العام‭ ‬الماضي‭ ‬ليصل‭ ‬إلى‭ ‬5‭.‬38‭ ‬دولارات‭ ‬للجالون،‭ ‬بحسب‭ ‬بيانات‭ ‬إدارة‭ ‬معلومات‭ ‬الطاقة‭ ‬الأمريكية‭. ‬وهذا‭ ‬التطور‭ ‬لا‭ ‬يضغط‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬الأفراد،‭ ‬بل‭ ‬ينعكس‭ ‬أيضاً‭ ‬على‭ ‬تكاليف‭ ‬الشحن‭ ‬والنقل‭ ‬البري‭ ‬وسلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬والقطاع‭ ‬الصناعي،‭ ‬بما‭ ‬يزيد‭ ‬من‭ ‬الضغوط‭ ‬التضخمية‭ ‬على‭ ‬الاقتصاد‭ ‬ككل‭.‬
كما‭ ‬أن‭ ‬ارتفاع‭ ‬وقود‭ ‬الطائرات‭ ‬يهدد‭ ‬برفع‭ ‬تكاليف‭ ‬السفر‭ ‬والنقل‭ ‬الجوي‭ ‬والخدمات‭ ‬اللوجستية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالتجارة‭ ‬العالمية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يوسع‭ ‬نطاق‭ ‬تأثير‭ ‬الأزمة‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬أسواق‭ ‬الطاقة‭ ‬التقليدية‭.‬

لماذا‭ ‬المشتقات‭ ‬أكثر‭ ‬هشاشة؟

قد‭ ‬يبدو‭ ‬للوهلة‭ ‬الأولى‭ ‬أن‭ ‬الخطر‭ ‬الأكبر‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬النفط‭ ‬الخام،‭ ‬خصوصاً‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬أخذنا‭ ‬في‭ ‬الاعتبار‭ ‬حساسية‭ ‬الإمدادات‭ ‬القادمة‭ ‬من‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬واحتمالات‭ ‬اضطراب‭ ‬حركة‭ ‬الشحن‭ ‬عبر‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭. ‬لكن‭ ‬الأرقام‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬صورة‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭.‬
فبحسب‭ ‬وكالة‭ ‬الطاقة‭ ‬الدولية،‭ ‬تم‭ ‬تصدير‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬15‭ ‬مليون‭ ‬برميل‭ ‬يومياً‭ ‬من‭ ‬النفط‭ ‬الخام‭ ‬عبر‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬خلال‭ ‬العام‭ ‬الماضي،‭ ‬مقابل‭ ‬نحو‭ ‬5‭ ‬ملايين‭ ‬برميل‭ ‬يومياً‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬المنتجات‭ ‬المكررة‭. ‬ومن‭ ‬حيث‭ ‬الحجم‭ ‬البحت،‭ ‬يبدو‭ ‬الخام‭ ‬أكثر‭ ‬عرضة‭ ‬للخطر‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬تعطل‭ ‬الملاحة‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬السوق‭ ‬الفعلية‭ ‬تُظهر‭ ‬أن‭ ‬المنتجات‭ ‬المكررة‭ ‬أكثر‭ ‬هشاشة‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬المخزون‭ ‬والمرونة‭ ‬التشغيلية‭.‬
السبب‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬مخزونات‭ ‬النفط‭ ‬الخام‭ ‬حول‭ ‬العالم‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬مريحة‭ ‬نسبياً،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬الخزانات‭ ‬البرية‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬متن‭ ‬السفن‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬الاحتياطيات‭ ‬التجارية‭ ‬والاستراتيجية،‭ ‬بينما‭ ‬تبقى‭ ‬مخزونات‭ ‬المنتجات‭ ‬النهائية‭ ‬أقل‭ ‬بكثير‭ ‬وأكثر‭ ‬عرضة‭ ‬للاستنزاف‭ ‬السريع‭. ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬اضطراب‭ ‬في‭ ‬التكرير‭ ‬أو‭ ‬النقل‭ ‬أو‭ ‬الإمدادات‭ ‬النهائية‭ ‬يظهر‭ ‬أثره‭ ‬على‭ ‬الأسعار‭ ‬بسرعة‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬أثر‭ ‬اضطراب‭ ‬الخام‭ ‬نفسه‭.‬

هوامش‭ ‬ربح‭ ‬استثنائية

هذا‭ ‬الاختلال‭ ‬بين‭ ‬أسعار‭ ‬الخام‭ ‬والمنتجات‭ ‬المكررة‭ ‬خلق‭ ‬بيئة‭ ‬استثنائية‭ ‬لشركات‭ ‬التكرير،‭ ‬إذ‭ ‬اتسعت‭ ‬الفجوة‭ ‬بين‭ ‬تكلفة‭ ‬شراء‭ ‬النفط‭ ‬الخام‭ ‬وسعر‭ ‬بيع‭ ‬المنتجات‭ ‬النهائية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬بـ«هوامش‭ ‬التكرير‮»‬‭ ‬أو‭ ‬Refining Margins‭.‬
ومع‭ ‬اتساع‭ ‬هذه‭ ‬الهوامش،‭ ‬أصبحت‭ ‬الشركات‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬شراء‭ ‬الخام‭ ‬ومعالجته‭ ‬وبيع‭ ‬مشتقاته‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬مالي‭ ‬أقوى‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬شركات‭ ‬إنتاج‭ ‬النفط‭ ‬الخام‭ ‬نفسها‭. ‬ولذلك،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مستغرباً‭ ‬أن‭ ‬تحقق‭ ‬شركات‭ ‬مثل‭ ‬ريبسول‭ ‬ونيست‭ ‬أداءً‭ ‬سوقياً‭ ‬أفضل‭ ‬نسبياً‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬شركات‭ ‬الاستكشاف‭ ‬والإنتاج،‭ ‬لأن‭ ‬السوق‭ ‬باتت‭ ‬تكافئ‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التكرير‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬امتلاك‭ ‬البراميل‭ ‬تحت‭ ‬الأرض‭.‬
هذه‭ ‬الديناميكية‭ ‬تكشف‭ ‬تحولاً‭ ‬مهماً‭ ‬في‭ ‬توزيع‭ ‬الأرباح‭ ‬داخل‭ ‬قطاع‭ ‬الطاقة‭. ‬ففي‭ ‬الأوضاع‭ ‬الطبيعية‭ ‬أو‭ ‬عند‭ ‬ارتفاع‭ ‬الخام‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر،‭ ‬تكون‭ ‬الأفضلية‭ ‬غالباً‭ ‬لشركات‭ ‬الإنتاج،‭ ‬لكن‭ ‬عندما‭ ‬تصبح‭ ‬المشتقات‭ ‬أكثر‭ ‬ندرة‭ ‬من‭ ‬الخام،‭ ‬تنتقل‭ ‬القوة‭ ‬التسعيرية‭ ‬مؤقتاً‭ ‬إلى‭ ‬المصافي‭.‬
سيناريوهات‭ ‬قد‭ ‬تقلب‭ ‬المعادلة

مع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬التوازن‭ ‬ليس‭ ‬ثابتاً،‭ ‬بل‭ ‬يبقى‭ ‬شديد‭ ‬الحساسية‭ ‬لتطورات‭ ‬الجغرافيا‭ ‬السياسية‭ ‬واستمرارية‭ ‬الاضطراب‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭. ‬فإذا‭ ‬استمرت‭ ‬التوترات‭ ‬لفترة‭ ‬أطول‭ ‬وتعرضت‭ ‬إمدادات‭ ‬الخام‭ ‬نفسها‭ ‬إلى‭ ‬استنزاف‭ ‬أكبر،‭ ‬فقد‭ ‬تنقلب‭ ‬المعادلة‭ ‬مجدداً‭.‬
في‭ ‬هذا‭ ‬السيناريو،‭ ‬قد‭ ‬تبدأ‭ ‬مخزونات‭ ‬النفط‭ ‬الخام‭ ‬بالانخفاض‭ ‬بوتيرة‭ ‬أسرع،‭ ‬ما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬ارتفاع‭ ‬مباشر‭ ‬في‭ ‬سعر‭ ‬البرميل‭ ‬نفسه،‭ ‬وفي‭ ‬المقابل‭ ‬قد‭ ‬يظهر‭ ‬فائض‭ ‬نسبي‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬طاقات‭ ‬التكرير‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬المصافي‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬كميات‭ ‬كافية‭ ‬من‭ ‬الخام‭ ‬بأسعار‭ ‬مناسبة‭. ‬وعندها،‭ ‬سيتراجع‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬الهوامش‭ ‬الحالية‭ ‬التي‭ ‬تتمتع‭ ‬بها‭ ‬المصافي،‭ ‬لتنتقل‭ ‬الأفضلية‭ ‬مجدداً‭ ‬إلى‭ ‬شركات‭ ‬إنتاج‭ ‬النفط‭ ‬الخام‭.‬
وبعبارة‭ ‬أخرى،‭ ‬فإن‭ ‬السوق‭ ‬الحالية‭ ‬لا‭ ‬تعكس‭ ‬فقط‭ ‬أزمة‭ ‬أسعار،‭ ‬بل‭ ‬تعكس‭ ‬أيضاً‭ ‬صراعاً‭ ‬متغيراً‭ ‬على‭ ‬من‭ ‬يملك‭ ‬‮«‬حلقة‭ ‬القوة‮»‬‭ ‬داخل‭ ‬سلسلة‭ ‬الطاقة‭: ‬هل‭ ‬هو‭ ‬المنتج‭ ‬الذي‭ ‬يستخرج‭ ‬النفط،‭ ‬أم‭ ‬المصفاة‭ ‬التي‭ ‬تحوله،‭ ‬أم‭ ‬الجهة‭ ‬التي‭ ‬تنجح‭ ‬في‭ ‬إيصال‭ ‬المنتج‭ ‬النهائي‭ ‬إلى‭ ‬السوق‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬المناسب؟

السوق‭ ‬ليست‭ ‬خطاً‭ ‬مستقيماً

لكن‭ ‬من‭ ‬المهم‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬القراءة،‭ ‬رغم‭ ‬أهميتها،‭ ‬تبقى‭ ‬تبسيطاً‭ ‬نسبياً‭ ‬لطبيعة‭ ‬سوق‭ ‬الطاقة‭ ‬العالمية،‭ ‬لأن‭ ‬النفط‭ ‬الخام‭ ‬والمنتجات‭ ‬المكررة‭ ‬ليسا‭ ‬سلعتين‭ ‬قابلتين‭ ‬للاستبدال‭ ‬الكامل،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬اختلاف‭ ‬أنواع‭ ‬الخام،‭ ‬ومرونة‭ ‬المصافي،‭ ‬ومواصفات‭ ‬المنتجات،‭ ‬والقدرة‭ ‬اللوجستية،‭ ‬كلها‭ ‬عوامل‭ ‬تجعل‭ ‬المشهد‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭.‬
فليست‭ ‬كل‭ ‬المصافي‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬معالجة‭ ‬كل‭ ‬أنواع‭ ‬الخام‭ ‬بالكفاءة‭ ‬نفسها،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬اختلاف‭ ‬المواصفات‭ ‬البيئية‭ ‬والتنظيمية‭ ‬بين‭ ‬الأسواق‭ ‬يحد‭ ‬من‭ ‬سهولة‭ ‬تحويل‭ ‬الإمدادات‭ ‬من‭ ‬منطقة‭ ‬إلى‭ ‬أخرى‭. ‬يضاف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬اضطرابات‭ ‬الشحن‭ ‬البحري‭ ‬وارتفاع‭ ‬تكاليف‭ ‬التأمين‭ ‬والنقل‭ ‬تجعل‭ ‬حتى‭ ‬الإمدادات‭ ‬المتاحة‭ ‬نظرياً‭ ‬أقل‭ ‬مرونة‭ ‬عملياً‭.‬
ومن‭ ‬هنا،‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬قراءة‭ ‬لحركة‭ ‬الأسعار‭ ‬يجب‭ ‬ألا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬توازنات‭ ‬العرض‭ ‬والطلب‭ ‬التقليدية،‭ ‬بل‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تشمل‭ ‬أيضاً‭ ‬الجغرافيا‭ ‬السياسية،‭ ‬واللوجستيات،‭ ‬والطاقة‭ ‬الفائضة،‭ ‬وقرارات‭ ‬التصدير،‭ ‬وقدرة‭ ‬المصافي‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬بكفاءة‭ ‬كاملة‭.‬

الصين‭ ‬عامل‭ ‬حاسم

أحد‭ ‬العوامل‭ ‬التي‭ ‬تزيد‭ ‬الصورة‭ ‬تعقيداً‭ ‬هو‭ ‬دور‭ ‬الصين،‭ ‬التي‭ ‬تمتلك‭ ‬جزءاً‭ ‬كبيراً‭ ‬من‭ ‬الطاقة‭ ‬التكريرية‭ ‬الفائضة‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬العالم،‭ ‬وكان‭ ‬يُفترض‭ ‬نظرياً‭ ‬أن‭ ‬تلعب‭ ‬دوراً‭ ‬في‭ ‬تخفيف‭ ‬الاختناقات‭ ‬العالمية‭ ‬في‭ ‬المنتجات‭ ‬المكررة‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬بكين‭ ‬قامت‭ ‬بالفعل‭ ‬بتقليص‭ ‬بعض‭ ‬صادراتها‭ ‬من‭ ‬المنتجات‭ ‬النفطية،‭ ‬ما‭ ‬قلّص‭ ‬من‭ ‬قدرة‭ ‬السوق‭ ‬العالمية‭ ‬على‭ ‬امتصاص‭ ‬الصدمة‭.‬
وهذا‭ ‬التطور‭ ‬بالغ‭ ‬الأهمية،‭ ‬لأن‭ ‬الصين‭ ‬تمثل‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬‮«‬صمام‭ ‬أمان‮»‬‭ ‬غير‭ ‬مباشر‭ ‬لأسواق‭ ‬المشتقات،‭ ‬وعندما‭ ‬تنخفض‭ ‬صادراتها،‭ ‬ترتفع‭ ‬حساسية‭ ‬الأسواق‭ ‬الآسيوية‭ ‬والأوروبية‭ ‬وحتى‭ ‬الأمريكية‭ ‬لأي‭ ‬نقص‭ ‬إضافي‭ ‬في‭ ‬الإمدادات‭.‬
وبالتالي،‭ ‬فإن‭ ‬أزمة‭ ‬المنتجات‭ ‬المكررة‭ ‬الحالية‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬انعكاس‭ ‬مباشر‭ ‬لمخاطر‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬أيضاً‭ ‬نتاج‭ ‬تفاعل‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭ ‬بين‭ ‬السياسة‭ ‬التجارية،‭ ‬والطاقة‭ ‬الفائضة،‭ ‬وقرارات‭ ‬التصدير،‭ ‬وتوزيع‭ ‬القدرات‭ ‬الصناعية‭ ‬عالمياً‭.‬

رجوع لأعلى