الموارد البشرية بين إدارة الكفاءات وصناعة المستقبل المؤسسي
عند الشروع في إعداد استراتيجية جديدة أو تطوير أخرى قائمة، تبرز مسألة جوهرية ينبغي حسمها منذ البداية: على أي مستوى سيتم بناء هذه الاستراتيجية؟ هل هي استراتيجية شاملة على مستوى جهة العمل ككل، أم خاصة بمجال من مجالات الأعمال، أم موجهة لوظيفة محددة داخل الهيكل التنظيمي؟
تحديد المستوى الاستراتيجي بدقة يمثل نقطة الانطلاق الصحيحة، إذ يضمن توجيه الجهود نحو الإطار المناسب، ويمنع حدوث تعارض أو ازدواجية مع استراتيجيات قائمة، كما يساعد في صياغة محتوى منسجم مع طبيعة المستوى المستهدف ومتطلباته. ومن هنا، تبرز أهمية مراعاة مجموعة من العناصر الأساسية في كل مستوى من المستويات الاستراتيجية الثلاثة، لا سيما على مستوى جهة العمل.
أولاً: الرؤية والرسالة
تشكل الرؤية الإطار الذي يحدد الطموح البعيد المدى للجهة، فهي تعبر عن الصورة المستقبلية التي تسعى المؤسسة إلى بلوغها. ويجب أن تكون هذه الرؤية واضحة، واقعية، وقابلة للتحقق، ومنسجمة مع إمكانات المؤسسة ومواردها.
أما الرسالة، فهي توضح سبب وجود الجهة وأدوارها الأساسية، وتحدد المنهجية والوسائل التي تعتمدها لتحقيق رؤيتها. وكلما كانت الرسالة محددة ودقيقة، سهل على العاملين استيعاب دورهم في تحقيق التوجهات العامة للمؤسسة.
ثانياً: الأهداف الاستراتيجية
لا يمكن لأي مؤسسة أن تمارس أنشطتها بكفاءة دون صياغة أهداف استراتيجية بعيدة المدى تنسجم مع رؤيتها ورسالتها. وتمثل هذه الأهداف المرجعية العليا التي تنبثق عنها أهداف القطاعات والإدارات المختلفة.
ولتحقيق الفاعلية، ينبغي أن تتسم الأهداف بالوضوح والتحديد، وأن تكون قابلة للقياس والإنجاز، ومرتبطة بجدول زمني واضح، وذات صلة مباشرة بالتوجه العام للمؤسسة. كما أن اتساق الأهداف المؤسسية مع أهداف الأعمال والعمليات التشغيلية يضمن تكاملاً في الجهود ويحول دون تضاربها، بحيث تعمل جميع المستويات في منظومة واحدة تسهم في تحقيق الرؤية الشاملة.
ثالثاً: الثقافة التنظيمية
تلعب الثقافة التنظيمية دوراً محورياً في ترسيخ الاستراتيجية وإنجاحها. فحين تتوحد السلوكيات الوظيفية وتنسجم مع القيم المؤسسية، ينعكس ذلك إيجاباً على سمعة الجهة ومكانتها في بيئة الأعمال، ويعزز الثقة لدى العملاء والموردين والشركاء وأصحاب المصلحة.
وتتجسد الثقافة التنظيمية في منظومة القيم الأخلاقية والسلوكية التي تتبناها المؤسسة، والتي ينبغي أن تصبح جزءاً أصيلاً من سلوك العاملين وهويتهم المهنية. فكلما كانت هذه القيم واضحة ومتجذرة، أسهمت في بناء بيئة عمل متماسكة، وأرست أساساً متيناً لعلاقات مستقرة ومستدامة مع مختلف الأطراف ذات العلاقة.
على مستوى الأعمال
تحليل السوق
في إطار استراتيجية الأعمال، تبرز الحاجة أولاً إلى بناء فهم معمّق وشامل لمختلف العوامل الإيجابية والسلبية التي قد تؤثر في مجال عمل الشركة أو المنظمة. ويتحقق ذلك من خلال جمع أكبر قدر ممكن من البيانات والمعلومات المتعلقة بالمنافسين، وما يمتلكونه من مزايا تنافسية، إضافة إلى منتجاتهم وخدماتهم وأساليب التسويق التي يعتمدونها.
ولا يقل عن ذلك أهمية، دراسة المستهلكين أو العملاء وتحليل سلوكهم تجاه المنتجات والخدمات المطروحة في الأسواق، والتعرّف على العوامل التي تؤثر في قراراتهم الشرائية. فكلما اتسعت قاعدة المعلومات المتعلقة بالمؤثرات السوقية، سواء المرتبطة بالسمعة أو بالقيمة السوقية أو بالمنتجات والخدمات، زادت قدرة الجهة على استيعاب تحديات السوق والتكيف مع متغيراته.
ويمثل هذا الرصيد المعرفي مدخلاً أساسياً لتحليل الاتجاهات السائدة في الأسواق، وفهم طبيعة المنافسة، وتحديد الفرص والمخاطر المحتملة، بما يدعم اتخاذ قرارات مدروسة واختيار الاستراتيجية الأنسب لمواجهة التحديات المكتشفة. كما يسهم في الحد من التعرض لأزمات مالية أو تسويقية، ويدعم تطوير المنتجات والخدمات في الاتجاه الذي يعزز النمو، أو يتيح للشركة التفرد في السوق، وربما استقطاب مستثمرين جدد يحملون رؤى مبتكرة، أو التوجه نحو الاستثمار في الابتكار في مجالات البيع والتسويق، أو الجمع بين هذه الخيارات جميعاً. وبهذا، تصبح استراتيجية الأعمال أداة فاعلة لفتح آفاق جديدة للنجاح المستدام.
إدارة الموارد
عند التفكير في التوسع أو النمو، أو في مواجهة المنافسين واستيعاب اتجاهات السوق ومزاياه التنافسية، يصبح من الضروري الالتفات إلى إدارة الموارد المتاحة بكفاءة. فطبيعة هذه التحديات تفرض تقييماً دقيقاً للقدرات المالية، والموارد اللوجستية، والطاقات البشرية، بهدف تحديد ما يلزم لدعم التوجهات الاستراتيجية.
وتقوم إدارة الموارد الرشيدة على البحث عن الحلول المثلى التي تحقق التوازن بين تقليل التكاليف وتعظيم العائد من الاستثمار في الموارد. ويتطلب ذلك وضع خطة واضحة وذكية لتخصيص الموارد، بحيث تكون كافية لتحقيق الأهداف المنشودة، سواء في تعميق فهم الأسواق، أو تحسين الأداء التسويقي، أو زيادة المبيعات، أو تعظيم العوائد بمختلف أشكالها.
ومن خلال هذا النهج، تتحقق مواءمة حقيقية بين استراتيجية الأعمال وإدارة الموارد، بما يضمن توظيف الإمكانات المتاحة بالشكل الأمثل، ويعزز قدرة الجهة على تحقيق أهدافها بكفاءة واستدامة.
الابتكار ركيزة استراتيجية للنمو
لم يعد الابتكار خياراً تكميلياً، بل أصبح ضرورة استراتيجية تفرضها طبيعة المنافسة وتسارع المتغيرات. فالابتكار لا يقتصر على تطوير منتج جديد أو خدمة مختلفة، بل يمتد ليشمل صياغة الأهداف، وبناء مؤشرات الأداء، وتصميم المبادرات والمشاريع، وتحديث العمليات والأساليب والأدوات، إضافة إلى استقطاب الكفاءات القادرة على إحداث قيمة مضافة حقيقية.
كما يشمل الابتكار مختلف العمليات التشغيلية والتطويرية، ويطاول نماذج العمل وآليات التسويق وخدمة العملاء. غير أن تبني الابتكار يتطلب في الوقت ذاته قراءة واقعية للقدرات المالية واللوجستية والبشرية، وتحديد المجالات التي يمكن الاستثمار فيها بفاعلية، وتلك التي قد تشكل عبئاً يفوق الإمكانات المتاحة.
ومن هنا تبرز أهمية تحقيق التوازن بين الطموح والقدرة، بحيث لا يؤدي السعي إلى التجديد إلى مخاطر غير محسوبة، ولا يفضي الحذر إلى الجمود أو التراجع. فالتوازن المدروس في تبني الابتكار يتيح نمواً مستقراً، منخفض المخاطر، عالي العائد، ويمنح المؤسسة موقعاً تنافسياً مستحقاً في السوق.
على مستوى الوظائف
الكفاءة التشغيلية
تمثل الكفاءة التشغيلية حجر الزاوية في ترجمة الاستراتيجية إلى نتائج ملموسة. فبقدر ما تكون العمليات ذات أداء مرتفع، وموجهة بوضوح نحو تحقيق الأهداف الاستراتيجية، تتمكن الجهة من تنفيذ مهامها وأنشطتها بجودة عالية، وتكلفة أقل، وفي الوقت المحدد، ووفق المعايير المتفق عليها.
ويقع على عاتق المخطط الاستراتيجي المسؤول عن بناء الاستراتيجية الوظيفية التركيز على رفع كفاءة العاملين، وتزويدهم بالمهارات والخبرات اللازمة، وتسخير الأنظمة والأدوات والإجراءات التي تعزز الإنتاجية وتحسن الأداء. كما تبرز أهمية الاستثمار في البرامج التدريبية والتعليم المستمر لسد الفجوات المحتملة التي قد تؤثر في كفاءة الأداء.
ولا تكتمل الكفاءة التشغيلية دون بيئة عمل تعاونية تعزز التنسيق بين مختلف القطاعات، وتحسن قنوات الاتصال، وترسخ ثقافة العمل بروح الفريق والابتكار، بما ينعكس إيجاباً على جودة التنفيذ وسرعة الإنجاز.
إدارة الموارد البشرية
تشكل الموارد البشرية رأس المال الحقيقي للمؤسسة، فهي المحرك الأساس لتحقيق الرؤية والرسالة والأهداف الاستراتيجية. وكلما أحسنت الجهة استثمار هذا المورد الحيوي، زادت قدرتها على تحقيق النمو، بل وتجاوز مستهدفاتها أحياناً.
وتبدأ إدارة الموارد البشرية الفاعلـــة بجـذب الكفـاءات المتخصصة، وتطوير عمليات التعيين والتوظيف، وتحسين خدمات الموظفين ورعايتهم، وبناء أنظمة حوافز عادلة تشمل الرواتب والمكافآت المادية والمعنوية. كما تشمل تطوير أنظمة إدارة المسارات الوظيفية، بما يضمن وضوح الفرص المهنية وتحفيز الأداء.
وفي المقابل، فإن أي خلل في إدارة الموارد البشرية قد ينعكس سلباً على أنشطة محورية داخل المؤسسة، ويقود إلى خسائر ومخاطر يصعب تداركها. لذلك، تحرص الاستراتيجية الوظيفية الناجحة على إعطاء هذا المحور أولوية قصوى، باعتباره أحد أهم عوامل الاستدامة والتقدم المؤسسي.