تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الندرة‭ ‬المصطنعة‭… ‬كيف‭ ‬تحوّل‭ ‬الشركات‭ ‬‮«‬الإصدار‭ ‬المحدود‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬آلة‭ ‬أرباح

FR31

في‭ ‬الأسواق‭ ‬الحديثة،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬الندرة‭ ‬انعكاسًا‭ ‬طبيعياً‭ ‬لقلة‭ ‬الموارد‭ ‬أو‭ ‬محدودية‭ ‬الإنتاج،‭ ‬بل‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬تسويقية‭ ‬مدروسة‭ ‬تستخدمها‭ ‬الشركات‭ ‬لتعظيم‭ ‬الأرباح‭ ‬وتحفيز‭ ‬الطلب‭. ‬فمنتجات‭ ‬‮«‬الإصدار‭ ‬المحدود‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تُطرح‭ ‬بكميات‭ ‬قليلة‭ ‬أو‭ ‬لفترة‭ ‬زمنية‭ ‬قصيرة‭ ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬تختفي‭ ‬بسرعة‭ ‬من‭ ‬الأسواق،‭ ‬لتظهر‭ ‬لاحقًا‭ ‬في‭ ‬منصات‭ ‬إعادة‭ ‬البيع‭ ‬بأسعار‭ ‬مضاعفة،‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬استثنائيًا‭ ‬بل‭ ‬بات‭ ‬نمطًا‭ ‬متكرراً‭ ‬يُعرف‭ ‬بـ«الندرة‭ ‬المصطنعة‮»‬‭.‬
تعتمد‭ ‬هذه‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬على‭ ‬خلق‭ ‬إحساس‭ ‬بالإلحاح‭ ‬لدى‭ ‬المستهلك،‭ ‬حيث‭ ‬يُدفع‭ ‬إلى‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرار‭ ‬الشراء‭ ‬بسرعة‭ ‬خوفاً‭ ‬من‭ ‬فقدان‭ ‬الفرصة‭. ‬وبدلًا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الطلب‭ ‬ناتجاً‭ ‬عن‭ ‬الحاجة‭ ‬الفعلية،‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬استجابة‭ ‬عاطفية‭ ‬مدفوعة‭ ‬بالشعور‭ ‬بأن‭ ‬المنتج‭ ‬نادر‭ ‬أو‭ ‬مهدد‭ ‬بالنفاد‭. ‬وهنا‭ ‬تلعب‭ ‬عبارات‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬لفترة‭ ‬محدودة‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬تبقى‭ ‬عدد‭ ‬قليل‭ ‬فقط‮»‬‭ ‬دوراً‭ ‬حاسماً‭ ‬في‭ ‬تحفيز‭ ‬هذا‭ ‬السلوك‭.‬

الاقتصاد‭ ‬السلوكي

ويرتكز‭ ‬نجاح‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬على‭ ‬مبادئ‭ ‬معروفة‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬السلوكي،‭ ‬أبرزها‭ ‬‮«‬تأثير‭ ‬الندرة‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الأفراد‭ ‬يميلون‭ ‬إلى‭ ‬تقييم‭ ‬الأشياء‭ ‬بشكل‭ ‬أعلى‭ ‬عندما‭ ‬تصبح‭ ‬أقل‭ ‬توفراً‭. ‬كما‭ ‬يرتبط‭ ‬ذلك‭ ‬بمفهوم‭ ‬‮«‬تجنب‭ ‬الخسارة‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬يخشى‭ ‬المستهلك‭ ‬فقدان‭ ‬الفرصة‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬يقيّم‭ ‬المكسب‭ ‬المحتمل‭. ‬ويعزز‭ ‬هذا‭ ‬الشعور‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬بظاهرة‭ ‬‮«‬الخوف‭ ‬من‭ ‬فوات‭ ‬الفرصة‮»‬‭ (‬FOMO‭)‬،‭ ‬والتي‭ ‬تدفع‭ ‬الكثيرين‭ ‬إلى‭ ‬الشراء‭ ‬بدافع‭ ‬نفسي‭ ‬أكثر‭ ‬منه‭ ‬عقلاني‭.‬
وقد‭ ‬أظهرت‭ ‬أمثلة‭ ‬عديدة‭ ‬قوة‭ ‬هذا‭ ‬التأثير،‭ ‬إذ‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتنافس‭ ‬مئات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬الأشخاص‭ ‬على‭ ‬عدد‭ ‬محدود‭ ‬من‭ ‬المنتجات،‭ ‬كما‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬إصدارات‭ ‬الأحذية‭ ‬الرياضية،‭ ‬أو‭ ‬ترتفع‭ ‬المبيعات‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬عند‭ ‬إعادة‭ ‬طرح‭ ‬منتج‭ ‬سبق‭ ‬تسويقه‭ ‬كإصدار‭ ‬محدود‭. ‬هذه‭ ‬الحالات‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬الندرة‭ ‬لا‭ ‬تعكس‭ ‬فقط‭ ‬واقع‭ ‬العرض،‭ ‬بل‭ ‬تعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬إدراك‭ ‬المستهلك‭ ‬للقيمة‭.‬

تقليل‭ ‬الكميات

ومن‭ ‬الناحية‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬تستخدم‭ ‬الشركات‭ ‬عدة‭ ‬وسائل‭ ‬لصناعة‭ ‬هذه‭ ‬الندرة،‭ ‬مثل‭ ‬تقليل‭ ‬كميات‭ ‬الإنتاج‭ ‬عمداً،‭ ‬أو‭ ‬تقييد‭ ‬فترة‭ ‬البيع،‭ ‬أو‭ ‬التحكم‭ ‬في‭ ‬قنوات‭ ‬التوزيع‭. ‬وتُعد‭ ‬صناعة‭ ‬الأزياء‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬القطاعات‭ ‬التي‭ ‬تبنت‭ ‬هذا‭ ‬النهج،‭ ‬حيث‭ ‬تبني‭ ‬بعض‭ ‬العلامات‭ ‬التجارية‭ ‬نموذجها‭ ‬بالكامل‭ ‬على‭ ‬طرح‭ ‬منتجات‭ ‬محدودة‭ ‬تنفد‭ ‬بسرعة،‭ ‬ما‭ ‬يخلق‭ ‬طلباً‭ ‬مستمراً‭ ‬وسوقاً‭ ‬نشطة‭ ‬لإعادة‭ ‬البيع‭ ‬بأسعار‭ ‬أعلى‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬السعر‭ ‬الأصلي‭.‬
ولم‭ ‬يقتصر‭ ‬الأمر‭ ‬على‭ ‬الأزياء،‭ ‬بل‭ ‬امتد‭ ‬إلى‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬والسياحة‭ ‬والتجارة‭ ‬الإلكترونية‭. ‬ففي‭ ‬قطاع‭ ‬التكنولوجيا،‭ ‬يتم‭ ‬أحيانًا‭ ‬طرح‭ ‬المنتجات‭ ‬بإمدادات‭ ‬أولية‭ ‬محدودة‭ ‬لخلق‭ ‬قوائم‭ ‬انتظار‭ ‬طويلة‭ ‬وتعزيز‭ ‬الانطباع‭ ‬بارتفاع‭ ‬الطلب‭. ‬أما‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬السفر،‭ ‬فتستخدم‭ ‬منصات‭ ‬الحجز‭ ‬رسائل‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬بقيت‭ ‬غرفتان‭ ‬فقط‮»‬‭ ‬لدفع‭ ‬العملاء‭ ‬إلى‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرار‭ ‬سريع‭.‬
وتحقق‭ ‬هذه‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬عدة‭ ‬فوائد‭ ‬للشركات،‭ ‬أبرزها‭ ‬رفع‭ ‬هوامش‭ ‬الربح،‭ ‬وتقليل‭ ‬مخاطر‭ ‬المخزون‭ ‬غير‭ ‬المباع،‭ ‬وتحويل‭ ‬المنتجات‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬أحداث‮»‬‭ ‬ينتظرها‭ ‬المستهلكون‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬نفاد‭ ‬المنتج‭ ‬بسرعة‭ ‬يصبح‭ ‬بحد‭ ‬ذاته‭ ‬أداة‭ ‬تسويقية‭ ‬تعزز‭ ‬صورة‭ ‬العلامة‭ ‬التجارية‭.‬
ولا‭ ‬يتوقف‭ ‬تأثير‭ ‬الندرة‭ ‬المصطنعة‭ ‬عند‭ ‬لحظة‭ ‬البيع‭ ‬الأولى،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬خلق‭ ‬أسواق‭ ‬ثانوية‭ ‬ضخمة‭ ‬لإعادة‭ ‬البيع،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬مثل‭ ‬الأحذية‭ ‬والملابس‭ ‬والمقتنيات،‭ ‬حيث‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬ترتفع‭ ‬الأسعار‭ ‬إلى‭ ‬ضعفين‭ ‬أو‭ ‬ثلاثة‭ ‬أضعاف‭. ‬وقد‭ ‬ساهمت‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬في‭ ‬تضخيم‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬عبر‭ ‬حملات‭ ‬التشويق‭ ‬والعد‭ ‬التنازلي،‭ ‬ما‭ ‬يخلق‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬بـ«اقتصاد‭ ‬الضجة‮»‬‭.‬

المنتجات‭ ‬الرقمية

ومع‭ ‬دخول‭ ‬المنتجات‭ ‬الرقمية،‭ ‬مثل‭ ‬الرموز‭ ‬غير‭ ‬القابلة‭ ‬للاستبدال‭ (‬NFTs‭)‬،‭ ‬توسع‭ ‬مفهوم‭ ‬الندرة‭ ‬ليشمل‭ ‬الأصول‭ ‬الرقمية،‭ ‬التي‭ ‬بيعت‭ ‬بعضها‭ ‬بملايين‭ ‬الدولارات‭ ‬رغم‭ ‬عدم‭ ‬وجودها‭ ‬بشكل‭ ‬مادي‭.‬
ورغم‭ ‬الفوائد‭ ‬الكبيرة،‭ ‬لا‭ ‬تخلو‭ ‬هذه‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬من‭ ‬مخاطر‭. ‬فإذا‭ ‬شعر‭ ‬المستهلكون‭ ‬بأن‭ ‬الندرة‭ ‬مصطنعة‭ ‬بشكل‭ ‬مبالغ‭ ‬فيه،‭ ‬فقد‭ ‬يؤدي‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬تآكل‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬العلامة‭ ‬التجارية‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬تظل‭ ‬الحوافز‭ ‬المالية‭ ‬قوية‭ ‬بما‭ ‬يكفي‭ ‬لاستمرار‭ ‬هذا‭ ‬النهج‭.‬
في‭ ‬المحصلة،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬الندرة‭ ‬مجرد‭ ‬حالة‭ ‬اقتصادية،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬أداة‭ ‬استراتيجية‭ ‬تعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬سلوك‭ ‬المستهلكين‭ ‬وقيمة‭ ‬المنتجات‭. ‬وفي‭ ‬عالم‭ ‬تسويقي‭ ‬متسارع،‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬المنتج‭ ‬الأكثر‭ ‬ربحية‭ ‬ليس‭ ‬الأكثر‭ ‬انتشاراً،‭ ‬بل‭ ‬ذلك‭ ‬الذي‭ ‬يبدو‭ ‬بعيد‭ ‬المنال‭.‬

رجوع لأعلى