النفط على حافة قفزة كبرى.. إغلاق هرمز يفتح سيناريو 150 و200 دولار
دخلت أسواق النفط العالمية في نهاية مارس 2026 مرحلة جديدة من الاضطراب العنيف، بعدما تحولت المخاطر الجيوسياسية في الشرق الأوسط من عامل ضغط نفسي على الأسعار إلى صدمة إمدادات فعلية، مع استمرار الحرب المرتبطة بإيران، وتزايد تعطل الملاحة في مضيق هرمز، وامتداد الاستهداف إلى ناقلات ومنشآت حيوية في المنطقة.
وفي جلسة الثلاثاء 31 مارس، عاشت العقود المستقبلية للنفط يوماً متقلباً جديداً، حيث تذبذبت الأسعار بين صعود قوي مدفوع بمخاوف الإمدادات وتراجعات محدودة بفعل تقارير عن احتمال احتواء التصعيد. لكن الاتجاه العام ظل صعودياً، مع بقاء السوق في حالة تسعير للخطر الجيوسياسي أكثر من تسعيرها للأساسيات التقليدية. وتشير تغطيات حديثة إلى أن النفط واصل التأرجح في نهاية شهر مضطرب، متأثراً بهجوم جديد على ناقلة، وبأنباء عن استعداد الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنهاء الحملة حتى مع بقاء هرمز مغلقاً إلى حد كبير.
شهر من الصعود العنيف
ارتفعت أسعار النفط بقوة خلال مارس الجاري مع اتساع نطاق الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وهو ما هزّ الشرق الأوسط، ودفع السوق إلى إعادة تسعير كامل لمخاطر الإمدادات القادمة من الخليج.
ومع إغلاق مضيق هرمز أمام معظم السفن، وتوقف جزء من الإمدادات اليومية القادمة من المنطقة، تجاوز النفط الأميركي حاجز 100 دولار للبرميل لأول مرة منذ عام 2022، بينما واصل خام برنت التحرك عند مستويات مرتفعة، مدفوعاً بعلاوة مخاطر استثنائية.
اللافت أن السوق لم تعد تتعامل مع احتمالات بعيدة، بل مع تعطل حقيقي ومستمر في أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، ما جعل الأسعار أكثر حساسية لأي تطور عسكري أو لوجستي أو سياسي.
هرمز… قلب الأزمة النفطية
يبقى مضيق هرمز العنصر الأكثر حساسية في المعادلة الحالية. فالممر البحري الذي يربط الخليج العربي بالأسواق العالمية لا يمثل مجرد خط ملاحي، بل هو شريان الطاقة الأهم عالمياً، إذ تمر عبره كميات هائلة من النفط والغاز يومياً.
وحين يتعرض هذا الشريان إلى إغلاق شبه كامل، فإن المسألة لا تعود مجرد توتر إقليمي، بل تتحول إلى اختناق مباشر في السوق العالمية.
هذا ما دفع عدداً متزايداً من بيوت الأبحاث والطاقة إلى التحذير من أن السوق قد تدخل قريباً مرحلة ارتفاعات غير اعتيادية، إذا استمر التعطل لأسابيع إضافية.
150 إلى 200 دولار… سيناريو لم يعد بعيداً
في واحدة من أبرز التقديرات الصادرة هذا الأسبوع، قالت شركة استشارات الطاقة «إف جي إي نكسانت إي سي إيه» إن أسعار النفط قد تقفز إلى 150 أو حتى 200 دولار للبرميل إذا استمر الإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز خلال الأسابيع الستة إلى الثمانية المقبلة بسبب حرب إيران.
وقال رئيس مجلس الإدارة الفخري للشركة، فريدون فشراكي، في مقابلة مع تلفزيون بلومبرغ، إن حجم النفط الذي لا يمر عبر المضيق بات كفيلاً وحده بإحداث خسائر ضخمة في السوق، موضحاً: «كل أسبوع، هناك 100 مليون برميل من النفط لا تمر، وكل شهر هناك 400 مليون برميل لا تمر… وهذا يعني أنه خلال فترة معينة ستتشكل خسائر هائلة في السوق».
وتكمن أهمية هذا التقدير في أنه لا ينطلق من مجرد المخاوف أو ردود الفعل اللحظية، بل من حسابات تراكمية لفقدان الإمدادات. فكل يوم يمر من دون استعادة حركة التدفق الطبيعية عبر هرمز، يعني أن السوق تقترب أكثر من مرحلة الشح الحقيقي، وليس فقط نقص المعروض النفسي.
السوق لا تصدق التصريحات… بل البراميل
استبعد فشراكي فعالية التدخلات اللفظية أو الرسائل السياسية وحدها في تهدئة السوق، بما في ذلك التصريحات المنسوبة إلى الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن استعداده لإنهاء الحملة العسكرية حتى لو بقي مضيق هرمز مغلقاً. ووفق هذه الرؤية، فإن الواقع الفعلي لتعطل الإمدادات هو العامل الذي سيحسم اتجاه الأسعار، لا التصريحات السياسية وحدها.
وهذا يعكس تحولاً جوهرياً في مزاج السوق: فالمتعاملون لم يعودوا يكتفون بإشارات التهدئة أو اللغة الدبلوماسية، بل يريدون دليلاً مادياً على عودة التدفقات، وتحسن الملاحة، وانخفاض المخاطر الفعلية على الشحن والتأمين والإمدادات.
وبمعنى آخر، فإن السوق باتت تسأل سؤالاً واحداً فقط: هل النفط يمر بالفعل أم لا؟
توافق بحثي على
سيناريو الصعود
ولم تعد تحذيرات FGE NexantECA استثناءً. فقد تماشت معها تقديرات حديثة من مؤسسات مالية وبحثية أخرى، ما يعزز فرضية أن السوق قد تكون مقبلة على موجة ارتفاع أكبر إذا طال أمد الأزمة.
فقد أشارت «ماكواري غروب» أيضاً إلى أن النفط قد يصل إلى 200 دولار للبرميل إذا ظل مضيق هرمز مغلقاً، بينما رأى «سوسيتيه جنرال» أن السوق قد تشهد «قفزات موثوقة» نحو 150 دولاراً.
وهذا التلاقي في التقديرات لا يعني أن هذه المستويات أصبحت مؤكدة، لكنه يكشف أن المؤسسات البحثية بدأت تبني سيناريوهاتها على أساس استمرار الأزمة، لا على فرضية انتهائها السريع.
الناقلات تدخل مرمى النار
أحد أخطر التطورات التي غذّت التقلبات خلال جلسة الثلاثاء كان هجوم جديد على ناقلة في الخليج العربي، وهو ما أعاد إلى الواجهة احتمال تحول حركة الشحن النفطي نفسها إلى هدف مباشر ومستمر.
وبحسب تقارير حديثة، فإن ضربة إيرانية جديدة استهدفت ناقلة، في وقت كانت السوق أصلاً تعاني من مستويات مرتفعة من القلق بشأن سلامة الإمدادات وخطوط الملاحة. كما تحدثت تغطيات أخرى عن استهداف ناقلة نفط كويتية محمّلة بالكامل قبالة دبي، في تطور يعكس انتقال الأزمة من مرحلة التهديد إلى مرحلة الاحتكاك المباشر مع سلاسل الإمداد.
وهنا لا يقتصر التأثير على النفط الخام وحده، بل يمتد إلى:
1 – تكاليف الشحن البحري
2 – أقساط التأمين
3 – مدة التسليم
4 – مخاطر الامتثال والتشغيل
5 – قدرة المستوردين على تأمين شحناتهم في الوقت المناسب
أي أن السوق تواجه أزمة نقل وتسليم بقدر ما تواجه أزمة إنتاج.
اختناق العرض… والطلب لا يتراجع بالسرعة الكافية
في الظروف الطبيعية، قد يساهم ارتفاع الأسعار في تهدئة السوق عبر تقليص الطلب. لكن في الحالة الراهنة، تبدو هذه الآلية أبطأ من المطلوب، لأن السوق تواجه صدمة في جانب العرض أسرع من قدرة الطلب العالمي على التكيف معها.
فالاقتصادات الآسيوية، وعلى رأسها كبار المستوردين، لا تزال بحاجة إلى تدفقات مستقرة من الطاقة، كما أن كثيراً من الصناعات الثقيلة، وقطاعات النقل، وتوليد الكهرباء، لا يمكنها ببساطة تقليص الاستهلاك بين ليلة وضحاها.
وبالتالي، فإن العالم يواجه حالياً طلباً قائماً ومستقراً نسبياً في مواجهة عرض متعطل ومهدد، وهي معادلة كفيلة وحدها بالإبقاء على الأسعار مرتفعة، وربما دفعها إلى قمم جديدة إذا طال أمد الأزمة.
أسواق المال تعيد تسعير
الطاقة والتضخم
انعكاسات النفط لم تتوقف عند سوق الطاقة. فمع استمرار الأسعار فوق مستويات مريحة للاقتصاد العالمي، بدأت أسواق المال تعيد تسعير مجموعة من المخاطر، في مقدمتها:
1 – عودة الضغوط التضخمية
2 – تأجيل خفض الفائدة
3 – ارتفاع كلفة التشغيل والإنتاج
4 – تراجع هوامش الشركات المستهلكة للطاقة
5 – إضعاف ثقة المستهلك في الاقتصادات المستوردة
وهذا يعني أن النفط عاد ليلعب دور المُسرّع الكلي للمخاطر الاقتصادية، تماماً كما حدث في أزمات سابقة، عندما تحولت الطاقة من عنصر دعم للنمو إلى عنصر ضغط على النمو نفسه.