النفط فوق 100 دولار.. ومضيق هرمز يشعل مخاوف أزمة طاقة عالمية
شهدت أسعار النفط العالمية ارتداداً قوياً خلال تعاملات الثلاثاء، بعد موجة هبوط حادة تكبدتها في الجلسة السابقة، وذلك في ظل تصاعد المخاوف من اتساع رقعة الحرب في الشرق الأوسط، وما قد يترتب عليها من اضطرابات واسعة في إمدادات الطاقة العالمية، خاصة مع استمرار تعطل حركة الشحن عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات النفطية في العالم.
وجاء هذا الارتفاع في الأسعار مدفوعاً بحالة من الترقب والحذر التي تسود الأسواق، حيث بات المستثمرون أقل اعتماداً على التصريحات السياسية المتضاربة، وأكثر تركيزاً على المؤشرات الفعلية المرتبطة بتدفقات النفط، وفي مقدمتها حركة الناقلات ومستوى الإنتاج الفعلي في دول الخليج.
ارتداد بعد هبوط حاد
كان النفط قد تعرض لضغوط بيعية قوية يوم الإثنين، حيث هبطت الأسعار بنحو 11%، في أعقاب تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترمب ألمح فيها إلى تأجيل تنفيذ ضربات محتملة على منشآت الطاقة الإيرانية لمدة خمسة أيام، في إطار ما وصفه بمحاولة إفساح المجال أمام مفاوضات محتملة مع طهران.
إلا أن هذا التراجع لم يدم طويلاً، إذ عادت الأسعار إلى الارتفاع سريعاً مع تشكيك الأسواق في مصداقية تلك التصريحات، خاصة بعد نفي إيران وجود أي مفاوضات، واستمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية، ما أعاد المخاوف إلى الواجهة بشأن احتمالات التصعيد.
وخلال تعاملات الثلاثاء، تجاوز سعر خام برنت حاجز 100 دولار للبرميل، مقترباً من مستويات 103 دولارات، في حين سجل خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي ارتفاعاً بنحو 2 %، في إشارة واضحة إلى عودة التوتر إلى تسعير الأسواق.
مكاسب شهرية مدفوعة
بالمخاطر الجيوسياسية
وعلى أساس شهري، سجلت أسعار النفط ارتفاعـاً لافتاً بنحو 40 % خلال شهر مارس، في واحدة من أسرع موجات الصعود خلال السنوات الأخيرة، مدفوعة بشكل رئيسي بالمخاوف من تحول الصراع الإقليمي إلى أزمة طاقة عالمية واسعة النطاق.
ويعكس هذا الارتفاع حجم القلق لدى المستثمرين من تعطل الإمدادات، خاصة في منطقة الخليج التي تمثل شرياناً حيوياً لإمدادات النفط العالمية، حيث تمر عبرها نسبة كبيرة من صادرات الخام والغاز الطبيعي المسال.
كما أسهمت التوترات المتصاعدة في تعزيز المخاوف التضخمية عالمياً، إذ يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة عادة إلى زيادة تكاليف الإنتاج والنقل، وهو ما ينعكس بدوره على أسعار السلع والخدمات.
مضيق هرمز في قلب الأزمة
يُعد مضيق هرمز النقطة الأكثر حساسية في الأزمة الحالية، حيث أدى التصعيد العسكري إلى شبه توقف في حركة العبور عبره، ما أجبر العديد من المنتجين في المنطقة على تقليص إنتاجهم بشكل ملحوظ.
وتشير التقديرات إلى أن نحو خُمس إمدادات النفط العالمية يمر عبر هذا المضيق، إلى جانب كميات مماثلة من الغاز الطبيعي المسال، ما يجعل أي اضطراب فيه ذا تأثير مباشر وفوري على الأسواق العالمية.
وقد أدى الإغلاق الفعلي أو شبه الكامل للمضيق إلى تعطيل ملايين البراميل يومياً، وهو ما دفع الأسعار إلى الارتفاع بشكل حاد، ليس فقط للنفط الخام، بل أيضاً لمشتقاته مثل الديزل ووقود الطائرات، التي سجلت زيادات أكبر نتيجة شح الإمدادات.
الأسواق تراقب الواقع لا التصريحات
في ظل تضارب التصريحات السياسية، باتت الأسواق أقل تأثراً بالخطاب الإعلامي، وأكثر اعتماداً على المؤشرات الواقعية، مثل حركة الناقلات ومستوى الشحنات الفعلية.
ووفقاً لتقارير متخصصة، فإن المتعاملين في أسواق الطاقة يراقبون عن كثب بيانات تتبع السفن، والتي تعكس حجم التدفقات الحقيقية، بدلاً من الاعتماد على التصريحات الرسمية التي قد تكون ذات أهداف سياسية أو تكتيكية.
هذا التحول في سلوك السوق يعكس درجة عالية من الحذر، ويؤكد أن المستثمرين باتوا يدركون أن أي تهدئة لفظية لا تعني بالضرورة تراجعاً فعلياً في المخاطر.
محاولات أمريكية لاحتواء الأسعار
في مواجهة هذا التصعيد، سعت الإدارة الأمريكية إلى تهدئة الأسواق عبر سلسلة من التصريحات والإجراءات، من بينها التلميح إلى إمكانية السحب من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي، إضافة إلى توجيه شحنات نفطية إلى بعض الأسواق الكبرى مثل الصين.
كما حاولت واشنطن الإيحاء بأن الأسعار الحالية لم تصل بعد إلى مستويات تؤثر سلباً على الطلب العالمي، في محاولة لاحتواء موجة الارتفاع ومنع حدوث صدمة اقتصادية واسعة.
إلا أن هذه الجهود لم تكن كافية لطمأنة الأسواق بشكل كامل، خاصة في ظل استمرار المخاطر الجيوسياسية، وعدم وجود مؤشرات واضحة على قرب انتهاء الصراع.
بنوك الاستثمار ترفع توقعاتها
في سياق متصل، قامت العديد من بنوك الاستثمار العالمية بمراجعة توقعاتها لأسعار النفط، حيث رفعت تقديراتها بشكل تدريجي خلال الأسابيع الأخيرة.
فقد أشارت مجموعة «غولدمان ساكس» إلى أنها تتوقع الآن أن يبلغ متوسط سعر النفط نحو 85 دولاراً للبرميل خلال العام الجاري، مقارنة بتوقعاتها السابقة عند 77 دولاراً، وذلك قبل احتساب أي تصعيد إضافي في الأزمة.
وتعكس هذه التوقعات إدراك المؤسسات المالية لحجم المخاطر التي تواجه الإمدادات، فضلاً عن احتمال استمرار التوتر لفترة أطول مما كان متوقعاً.
تحذيرات من أزمة اقتصادية أوسع
لم تقتصر المخاوف على أسواق النفط فحسب، بل امتدت إلى الاقتصاد العالمي ككل، حيث حذر قادة قطاع الطاقة من تداعيات عميقة قد تطال مختلف القطاعات.
وخلال مؤتمر «سيراويك» للطاقة في هيوستن، أكد عدد من كبار التنفيذيين أن الأزمة الحالية قد تؤدي إلى اضطرابات واسعة في سلاسل التوريد العالمية، وليس فقط في قطاع الطاقة.
وأشار الرئيس التنفيذي لشركة «توتال إنرجي» إلى أن المخاطر تشمل أيضاً تعطّل شحنات مواد حيوية مثل الهيليوم، الذي يُستخدم في صناعات حساسة مثل أشباه الموصلات والمستلزمات الطبية.
من جانبه، حذر الرئيس التنفيذي لشركة «أدنوك» من أن ارتفاع تكاليف الطاقة قد يهدد النمو الاقتصادي العالمي، ويزيد من الضغوط على مستويات المعيشة، خاصة في الدول المستوردة للطاقة.
الأسواق لم تسعر كامل المخاطر بعد
ورغم الارتفاع الكبير في الأسعار، يرى بعض المسؤولين التنفيذيين أن الأسواق لم تستوعب بعد الحجم الكامل للمخاطر، خاصة فيما يتعلق بإغلاق مضيق هرمز.
فقد أشار الرئيس التنفيذي لشركة «شيفرون» إلى أن التأثيرات طويلة الأمد لتعطل الإمدادات قد تكون أكبر مما تعكسه الأسعار الحالية، متوقعاً أن يستغرق التعافي وقتاً طويلاً حتى في حال توقف الأعمال القتالية.
ويعزز هذا الرأي استمرار حالة عدم اليقين، حيث لا تزال السيناريوهات مفتوحة، بدءاً من تهدئة محتملة، وصولاً إلى تصعيد أوسع قد يشمل أطرافاً إضافية في المنطقة.
سيناريوهات المستقبل
في حال استمرار الصراع، من المرجح أن تبقى أسعار النفط عند مستويات مرتفعة، مع احتمال تسجيل مزيد من الارتفاعات في حال تفاقم الأزمة أو اتساع نطاقها.
أما في حال التوصل إلى وقف لإطلاق النار أو تهدئة حقيقية، فقد تشهد الأسواق تراجعاً نسبياً في الأسعار، إلا أن عودة الإمدادات إلى مستوياتها الطبيعية قد تستغرق وقتاً، بسبب الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية، والتحديات اللوجستية.
توازن الهش
تعكس التحركات الأخيرة في أسعار النفط حالة من التوازن الهش بين المخاطر الجيوسياسية ومحاولات التهدئة السياسية، حيث تقف الأسواق حالياً عند مفترق طرق حساس.
فبينما تحاول التصريحات الرسمية احتواء القلق، تبقى المؤشرات الواقعية، وعلى رأسها تدفقات النفط عبر مضيق هرمز، العامل الحاسم في تحديد اتجاه الأسعار.
وفي ظل استمرار التوتر، يبدو أن أسواق الطاقة ستظل عرضة لتقلبات حادة في المدى القريب، مع احتمالات امتداد تأثير الأزمة إلى الاقتصاد العالمي، ما يجعل المرحلة الحالية واحدة من أكثر الفترات حساسية في تاريخ أسواق النفط الحديثة.