النفط قد يقفز فوق 150 دولاراً إذا طال اضطراب مضيق هرمز
حذّر بنك جي بي مورغان من أن أسعار النفط العالمية قد ترتفع إلى ما فوق 150 دولاراً للبرميل، إذا استمرت اضطرابات الإمدادات عبر مضيق هرمز حتى منتصف مايو، في وقت تدخل فيه سوق الطاقة واحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ سنوات، وسط تصاعد المخاطر الجيوسياسية واتساع نطاق الاضطرابات في الإمدادات العالمية.
وأشار البنك إلى أن الأسعار قد تتراوح بين 120 و130 دولاراً للبرميل على المدى القريب، مع بقاء علاوة المخاطر مرتفعة نتيجة استمرار التوترات المرتبطة بإيران، وتزايد المخاوف بشأن سلامة التدفقات النفطية عبر أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وفي المقابل، رجّح البنك في سيناريوه الأساسي أن يتم احتواء الأزمة عبر مسار تفاوضي، بما يسمح ببقاء الأسعار عند مستويات تفوق 100 دولار خلال الربع الثاني من العام، قبل أن تبدأ في التراجع تدريجياً لاحقاً مع تحسن الإمدادات واستقرار مستويات المخزون.
لكن البنك لفت في الوقت ذاته إلى أن استمرار الأسعار المرتفعة لفترة أطول قد لا يبقى مجرد تطور نفطي فحسب، بل قد يتحول إلى صدمة اقتصادية أوسع، عبر الضغط على الطلب العالمي، ورفع كلفة النقل والإنتاج، وتعزيز احتمالات تباطؤ النمو العالمي أو حتى الدخول في ركود اقتصادي إذا طال أمد الأزمة.
الحرب على إيران تعيد رسم خريطة الطاقة
جاءت هذه التقديرات في ظل التداعيات الواسعة للحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، التي بدأت في 28 فبراير الماضي، والتي أسهمت في إزالة ملايين البراميل يومياً من السوق العالمية، سواء عبر تعطل مباشر في الإمدادات أو من خلال ارتفاع المخاطر التشغيلية والتأمينية على الشحنات العابرة في المنطقة.
وقد أدى هذا التطور إلى قفزة حادة في أسعار الطاقة، لتسجل أعلى مستوياتها منذ سنوات، في وقت بدأت فيه آثار الأزمة تظهر بوضوح على الدول التي تعتمد بشكل كبير على تدفقات النفط والغاز عبر مضيق هرمز، مع تصاعد المخاوف من نقص الوقود وارتفاع تكاليف الاستيراد.
ويُعد مضيق هرمز أحد أكثر نقاط الاختناق حساسية في النظام الطاقي العالمي، إذ يمر عبره نحو 20 % من إمدادات النفط العالمية، ما يجعل أي اضطراب فيه ذا أثر مباشر وسريع على الأسعار، ليس فقط في سوق النفط الفوري، بل أيضاً في العقود الآجلة وأسواق الشحن والتأمين والطاقة المكررة.
التصعيد السياسي يزيد هشاشة السوق
وفي هذا السياق، زادت التصريحات السياسية من حدة التوترات، بعدما تعهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في خطاب ألقاه مساء الأربعاء، بضرب إيران «بقوة شديدة» خلال الأسبوعين إلى الثلاثة أسابيع المقبلة، من دون أن يقدّم خطة واضحة لإعادة فتح مضيق هرمز أو تأمين حركة الملاحة فيه.
وكان ترامب قد لمح في الأيام السابقة إلى أن دولاً أخرى قد تتولى زمام المبادرة لتأمين الممر البحري وفتح الطريق أمام الناقلات، ما عكس استمرار غياب الوضوح الاستراتيجي بشأن كيفية إدارة الأزمة في حال استمرت العمليات العسكرية واتسعت رقعتها.
هذا الغموض السياسي والعسكري انعكس مباشرة على تسعير المخاطر في أسواق الطاقة، حيث لم تعد الأسواق تتعامل فقط مع احتمال تعطل مؤقت في الإمدادات، بل مع احتمال اختلال أطول مدى في أحد أهم الشرايين النفطية في العالم.
الأسعار الفورية والآجلة ترتفع معاً
وأظهرت تحركات السوق أن أسعار النفط للتسليم الفوري شهدت ارتفاعاً حاداً مع تسارع الطلب على الإمدادات المتاحة فوراً، في حين ارتفعت أيضاً العقود الآجلة للتسليم بعد ستة أشهر وسنة، وإن كان ذلك بوتيرة أقل حدة.
ويشير هذا النمط من التسعير إلى أن الأسواق لا تتوقع فقط أزمة آنية، بل تضع في الحسبان استمرار الضغوط لفترة زمنية أطول، حتى وإن كانت تتوقع انحسارها تدريجياً لاحقاً.
وفي الوقت نفسه، فإن ارتفاع الأسعار الآجلة إلى مستويات مجزية يعيد تحفيز المنتجين، ولا سيما في الولايات المتحدة وبعض الأسواق الأخرى، على إعادة تشغيل منصات الحفر أو توسيع النشاط الاستثماري في الإنتاج، خصوصاً إذا استمرت الأسعار فوق المستويات التي تجعل المشاريع الجديدة مجدية اقتصادياً.
إشارات قوية من سوق الحفر
وبحسب بيانات السوق، فإن النفط للتسليم في أكتوبر – وهو أحد المؤشرات التي تعتمد عليها الشركات في تقييم جدوى زيادة الإنتاج – يُتداول عند نحو 73.64 دولاراً للبرميل، بزيادة تقارب 13 % مقارنة بمستواه قبل اندلاع الحرب في أواخر فبراير.
ورغم أن هذا السعر لا يعكس الذروة الحالية في السوق الفورية، فإنه يشير إلى أن منحنى الأسعار لا يزال يمنح المنتجين حافزاً مالياً لإعادة النظر في خطط الحفر والإنتاج، خصوصاً في حال بدا أن الأزمة ستستمر لما بعد الربع الثاني.
غير أن هذا المسار ليس فورياً، إذ إن زيادة الحفر والإنتاج تحتاج إلى وقت واستثمارات وقدرات تشغيلية، وهو ما يعني أن استجابة المعروض لن تكون بالسرعة الكافية لتعويض أي انقطاع كبير وفوري في تدفقات الشرق الأوسط.
تعطل روسيا يزيد تعقيد المشهد
ولم تتوقف الضغوط عند الخليج فقط، إذ أسهمت هجمات بطائرات مسيرة على روسيا في تعطل بعض الإنتاج الروسي، ما فاقم حالة الشح النسبي في السوق، وأضعف قدرة الإمدادات البديلة على امتصاص الصدمة الناجمة عن تعثر التدفقات عبر هرمز.
ويعني ذلك أن السوق لا تواجه أزمة إقليمية معزولة، بل مزيجاً من الاضطرابات المتزامنة في أكثر من منطقة إنتاج رئيسية، وهو ما يرفع من هشاشة التوازن بين العرض والطلب، ويجعل أي صدمة إضافية أكثر تأثيراً على الأسعار.
سوق شديدة الحساسية.. واقتصاد عالمي تحت الضغط
في المحصلة، تعكس التطورات الحالية أن سوق النفط العالمية باتت تتحرك في بيئة شديدة الحساسية، حيث لا يقتصر أثر التوترات على الأسعار فقط، بل يمتد إلى التضخم، وكلفة النقل، والنشاط الصناعي، والطلب الاستهلاكي، وهو ما يفسر تحذير جي بي مورغان من أن استمرار الأزمة قد يحوّل صدمة الطاقة إلى موجة تباطؤ اقتصادي عالمي.
فإذا استمرت الأسعار عند مستويات مرتفعة، أو اقتربت من 150 دولاراً للبرميل، فإن العالم قد يواجه مرحلة جديدة من الضغوط التضخمية، تضع البنوك المركزية أمام معضلة صعبة بين احتواء الأسعار ودعم النمو، في وقت تبدو فيه الأسواق أكثر عرضة من أي وقت مضى لسيناريوهات التباطؤ الحاد أو الركود.
وبينما يظل المسار التفاوضي هو الرهان الأساسي لتجنب الأسوأ، فإن بقاء مضيق هرمز خارج الخدمة الطبيعية، ولو لأسابيع إضافية، قد يكون كافياً لدفع سوق الطاقة وربما الاقتصاد العالمي بأسره إلى مرحلة أكثر اضطراباً وتكلفة في الأشهر المقبلة.