تخطي إلى المحتوى الرئيسي

النفط‭ ‬يتماسك‭ ‬فوق‭ ‬ضجيج‭ ‬السياسة

النفط‭ ‬يتماسك‭ ‬فوق‭ ‬ضجيج‭ ‬السياسة

لم‭ ‬ترتفع‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬بقوة،‭ ‬لكنها‭ ‬أيضاً‭ ‬لم‭ ‬تتراجع‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬توحي‭ ‬به‭ ‬التصريحات‭ ‬السياسية‭ ‬المتفائلة‭. ‬وهذا‭ ‬بحد‭ ‬ذاته‭ ‬يحمل‭ ‬رسالة‭ ‬واضحة‭: ‬السوق‭ ‬لا‭ ‬تتفاعل‭ ‬فقط‭ ‬مع‭ ‬العناوين‭ ‬السياسية،‭ ‬بل‭ ‬مع‭ ‬احتمالات‭ ‬تعطل‭ ‬الإمدادات،‭ ‬وسلامة‭ ‬الشحن،‭ ‬ومخاطر‭ ‬اتساع‭ ‬رقعة‭ ‬التوتر‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬أكثر‭ ‬مناطق‭ ‬الطاقة‭ ‬حساسية‭ ‬في‭ ‬العالم‭. ‬ولهذا‭ ‬جاء‭ ‬التحرك‭ ‬الأخير‭ ‬في‭ ‬الأسعار‭ ‬طفيفاً‭ ‬لكنه‭ ‬ذو‭ ‬دلالة،‭ ‬لأنه‭ ‬يعكس‭ ‬أن‭ ‬المتعاملين‭ ‬لا‭ ‬يزالون‭ ‬يضعون‭ ‬علاوة‭ ‬مخاطر‭ ‬جيوسياسية‭ ‬فوق‭ ‬البرميل،‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬أي‭ ‬إشارات‭ ‬لفظية‭ ‬عن‭ ‬انفراج‭ ‬أو‭ ‬إعادة‭ ‬تموضع‭ ‬سياسي‭.‬
في‭ ‬الظاهر،‭ ‬قد‭ ‬تبدو‭ ‬تصريحات‭ ‬الرئيس‭ ‬الأميركي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬بشأن‭ ‬احتمال‭ ‬مغادرة‭ ‬إيران‭ ‬أو‭ ‬تبدل‭ ‬المشهد‭ ‬الإقليمي‭ ‬عنصراً‭ ‬كافياً‭ ‬لتهدئة‭ ‬السوق‭. ‬لكن‭ ‬الواقع‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭. ‬فأسواق‭ ‬النفط‭ ‬لا‭ ‬تُسعّر‭ ‬النوايا،‭ ‬بل‭ ‬تُسعّر‭ ‬الاحتمالات‭ ‬القابلة‭ ‬للتحول‭ ‬إلى‭ ‬انقطاع‭ ‬فعلي‭ ‬في‭ ‬المعروض‭. ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مستغرباً‭ ‬أن‭ ‬يظل‭ ‬النفط‭ ‬محتفظًا‭ ‬بجزء‭ ‬معتبر‭ ‬من‭ ‬مكاسبه‭ ‬الأخيرة،‭ ‬لأن‭ ‬المستثمرين‭ ‬لا‭ ‬ينظرون‭ ‬إلى‭ ‬الملف‭ ‬الإيراني‭ ‬باعتباره‭ ‬حدثاً‭ ‬سياسياً‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬باعتباره‭ ‬اختباراً‭ ‬مباشراً‭ ‬لأمن‭ ‬الطاقة‭ ‬العالمي‭.‬

أولاً‭: ‬السوق‭ ‬لا‭ ‬تصدق‭ ‬
الانفراج‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تراه

النفط‭ ‬بطبيعته‭ ‬سلعة‭ ‬حساسة‭ ‬جداً‭ ‬للمخاطر‭ ‬غير‭ ‬المؤكدة‭. ‬ولهذا‭ ‬السبب،‭ ‬فإن‭ ‬مجرد‭ ‬صدور‭ ‬تصريحات‭ ‬مهدئة‭ ‬لا‭ ‬يكفـي‭ ‬لمسـح‭ ‬عــلاوة‭ ‬الخطر‭ ‬من‭ ‬الأسعار‭. ‬فالمتعاملون‭ ‬يريدون‭ ‬رؤية‭ ‬تراجع‭ ‬فعلي‭ ‬في‭ ‬التوتر،‭ ‬واستقرار‭ ‬في‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية،‭ ‬وعودة‭ ‬واضحة‭ ‬للثقة‭ ‬في‭ ‬تدفق‭ ‬الشحنات‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يقتنعوا‭ ‬بأن‭ ‬موجة‭ ‬المخاطر‭ ‬قد‭ ‬انتهت‭ ‬بالفعل‭.‬
وهذا‭ ‬ما‭ ‬يفسر‭ ‬لماذا‭ ‬بقيت‭ ‬الأسعار‭ ‬متماسكة،‭ ‬رغم‭ ‬صدور‭ ‬تصريحات‭ ‬بدت‭ ‬في‭ ‬ظاهرها‭ ‬أقل‭ ‬تصعيداً‭. ‬فالسوق‭ ‬تعلم‭ ‬أن‭ ‬التحولات‭ ‬العسكرية‭ ‬والسياسية‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬لا‭ ‬تنعكس‭ ‬دائماً‭ ‬بسرعة‭ ‬على‭ ‬الأرض،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬احتمالات‭ ‬الخطأ‭ ‬في‭ ‬الحسابات‭ ‬أو‭ ‬اتساع‭ ‬المواجهة‭ ‬أو‭ ‬انتقالها‭ ‬إلى‭ ‬ساحات‭ ‬أخرى‭ ‬تبقى‭ ‬قائمة‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬اللحظات‭ ‬التي‭ ‬يبدو‭ ‬فيها‭ ‬الخطاب‭ ‬السياسي‭ ‬أكثر‭ ‬هدوءاً‭. ‬ولهذا‭ ‬تفضل‭ ‬الأسواق‭ ‬التسعير‭ ‬الوقائي‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬التسعير‭ ‬المتفائل‭ ‬المبكر‭.‬

ثانياً‭: ‬الإمدادات‭ ‬أهم‭ ‬من‭ ‬التصريحات

في‭ ‬سوق‭ ‬النفط،‭ ‬لا‭ ‬يُقاس‭ ‬أثر‭ ‬الحدث‭ ‬بحجمه‭ ‬الإعلامي،‭ ‬بل‭ ‬بمدى‭ ‬تأثيره‭ ‬على‭ ‬الإنتاج،‭ ‬والنقل،‭ ‬والتخزين،‭ ‬والتكرير،‭ ‬والتصدير‭. ‬لذلك،‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬حديث‭ ‬عن‭ ‬إيران‭ ‬لا‭ ‬يُقرأ‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬زاوية‭ ‬الملف‭ ‬النووي‭ ‬أو‭ ‬العسكري،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬زاوية‭ ‬سؤال‭ ‬أكثر‭ ‬مباشرة‭: ‬هل‭ ‬سيتعطل‭ ‬النفط؟
وهنا‭ ‬تحديدًا‭ ‬تكمن‭ ‬حساسية‭ ‬الوضع‭. ‬فإيران‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬لاعب‭ ‬سياسي‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬بل‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬منظومة‭ ‬طاقة‭ ‬إقليمية‭ ‬شديدة‭ ‬الترابط‭. ‬وأي‭ ‬تصعيد‭ ‬يخصها‭ ‬ينعكس‭ ‬فوراً‭ ‬على‭ ‬حركة‭ ‬الناقلات،‭ ‬وتكاليف‭ ‬التأمين،‭ ‬وقرارات‭ ‬الشحن،‭ ‬وحتى‭ ‬على‭ ‬مزاج‭ ‬المشترين‭ ‬في‭ ‬آسيا‭ ‬وأوروبا‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬السوق‭ ‬تعرف‭ ‬أن‭ ‬التوتر‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬بالضرورة‭ ‬إلى‭ ‬إغلاق‭ ‬كامل‭ ‬للإمدادات‭ ‬حتى‭ ‬يؤثر‭ ‬في‭ ‬الأسعار؛‭ ‬أحياناً‭ ‬يكفي‭ ‬ارتفاع‭ ‬احتمال‭ ‬التعطل‭ ‬لرفع‭ ‬البرميل‭ ‬عدة‭ ‬دولارات‭.‬
وقد‭ ‬أشارت‭ ‬تقارير‭ ‬حديثة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬اضطراب‭ ‬الإمدادات‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬وتعقّد‭ ‬مرور‭ ‬الشحنات،‭ ‬وارتفاع‭ ‬كلفة‭ ‬المخاطر‭ ‬اللوجستية،‭ ‬كلها‭ ‬عناصر‭ ‬أعادت‭ ‬إدخال‭ ‬علاوة‭ ‬الخوف‭ ‬إلى‭ ‬الأسعار،‭ ‬حتى‭ ‬مع‭ ‬غياب‭ ‬انقطاع‭ ‬شامل‭ ‬أو‭ ‬دائم‭ ‬للإنتاج‭.‬

ثالثاً‭: ‬مضيق‭ ‬هرمز‭.. ‬كلمة‭ ‬
السر‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬تسعيرة

كلما‭ ‬ذُكرت‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬أسواق‭ ‬النفط،‭ ‬يعود‭ ‬اسم‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬فورًا‭ ‬إلى‭ ‬الواجهة‭. ‬والسبب‭ ‬واضح‭: ‬هذا‭ ‬الممر‭ ‬البحري‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬نقطة‭ ‬عبور،‭ ‬بل‭ ‬شريان‭ ‬حيوي‭ ‬يمر‭ ‬عبره‭ ‬جزء‭ ‬ضخم‭ ‬من‭ ‬تجارة‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬في‭ ‬العالم‭. ‬ولهذا،‭ ‬فإن‭ ‬مجرد‭ ‬تصاعد‭ ‬التوتر‭ ‬حوله‭ ‬يرفع‭ ‬مستوى‭ ‬القلق‭ ‬العالمي،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬لم‭ ‬تتعطل‭ ‬الحركة‭ ‬فيه‭ ‬بالكامل‭.‬
المشكلة‭ ‬أن‭ ‬الأسواق‭ ‬لا‭ ‬تنتظر‭ ‬الإغلاق‭ ‬الرسمي‭ ‬للمضيق‭ ‬كي‭ ‬تتحرك‭. ‬فمجرد‭ ‬تصاعد‭ ‬المخاوف‭ ‬بشأن‭ ‬أمن‭ ‬الملاحة،‭ ‬أو‭ ‬تعرض‭ ‬ناقلات‭ ‬لهجمات،‭ ‬أو‭ ‬ارتفاع‭ ‬المخاطر‭ ‬الأمنية‭ ‬في‭ ‬محيطه،‭ ‬يكفي‭ ‬لرفع‭ ‬تكاليف‭ ‬النقل‭ ‬والتأمين،‭ ‬ويجعل‭ ‬المشترين‭ ‬يعيدون‭ ‬حساباتهم،‭ ‬كما‭ ‬يدفع‭ ‬المتداولين‭ ‬إلى‭ ‬إضافة‭ ‬علاوة‭ ‬سعرية‭ ‬احترازية‭.‬
وهذا‭ ‬ما‭ ‬يفسر‭ ‬بقاء‭ ‬النفط‭ ‬مدعومًا‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬الأخيرة،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬السوق‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تنظر‭ ‬إلى‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬بوصفه‭ ‬أكبر‭ ‬نقطة‭ ‬هشاشة‭ ‬في‭ ‬أمن‭ ‬الطاقة‭ ‬العالمي‭. ‬وإذا‭ ‬كانت‭ ‬السياسة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬التهدئة‭ ‬مؤقتًا،‭ ‬فإن‭ ‬الجغرافيا‭ ‬تظل‭ ‬هي‭ ‬العامل‭ ‬الذي‭ ‬يفرض‭ ‬سعره‭ ‬على‭ ‬البرميل‭.‬

رابعاً‭: ‬أوبك‭+ ‬تراقب‭..‬
‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تريد‭ ‬مفاجآت

في‭ ‬خلفية‭ ‬المشهد،‭ ‬يبرز‭ ‬دور‭ ‬تحالف‭ ‬أوبك‭+ ‬بوصفه‭ ‬اللاعب‭ ‬القادر‭ ‬على‭ ‬تخفيف‭ ‬بعض‭ ‬الصدمات،‭ ‬ولكن‭ ‬ضمن‭ ‬حدود‭ ‬محسوبة‭. ‬فالتحالف‭ ‬يدرك‭ ‬أن‭ ‬السوق‭ ‬تمر‭ ‬بمرحلة‭ ‬شديدة‭ ‬الحساسية،‭ ‬حيث‭ ‬تتقاطع‭ ‬المخاطر‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬مع‭ ‬اعتبارات‭ ‬النمو‭ ‬العالمي‭ ‬وسياسات‭ ‬الفائدة‭ ‬ومستويات‭ ‬المخزون‭. ‬ولهذا‭ ‬فهو‭ ‬لا‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يفتح‭ ‬الصنابير‭ ‬بشكل‭ ‬مفرط،‭ ‬ولا‭ ‬أن‭ ‬يترك‭ ‬السوق‭ ‬مكشوفة‭ ‬أمام‭ ‬صدمة‭ ‬إمدادات‭ ‬مفاجئة‭.‬
وقد‭ ‬أظهرت‭ ‬التطورات‭ ‬الأخيرة‭ ‬أن‭ ‬أوبك‭+ ‬تميل‭ ‬إلى‭ ‬الزيادات‭ ‬المتدرجة‭ ‬والمحسوبة‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬الاستجابة‭ ‬الانفعالية‭. ‬فزيادة‭ ‬المعروض‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬قد‭ ‬تضغط‭ ‬على‭ ‬الأسعار‭ ‬إذا‭ ‬تراجعت‭ ‬التوترات،‭ ‬لكن‭ ‬الإبقاء‭ ‬على‭ ‬تشدد‭ ‬مفرط‭ ‬قد‭ ‬يزيد‭ ‬تقلبات‭ ‬السوق‭ ‬إذا‭ ‬اتسعت‭ ‬المخاطر‭. ‬لذلك،‭ ‬فإن‭ ‬الرسالة‭ ‬الضمنية‭ ‬من‭ ‬التحالف‭ ‬تبدو‭ ‬واضحة‭: ‬الاستقرار‭ ‬أولًا،‭ ‬لا‭ ‬الإغراق‭ ‬ولا‭ ‬التجفيف‭.‬
وهذا‭ ‬التوازن‭ ‬مهم‭ ‬جدًا،‭ ‬لأن‭ ‬الأسواق‭ ‬لا‭ ‬تنظر‭ ‬فقط‭ ‬إلى‭ ‬المعروض‭ ‬الحالي،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬القدرة‭ ‬الاحتياطية‭ ‬أيضًا‭. ‬وكلما‭ ‬شعرت‭ ‬بأن‭ ‬هناك‭ ‬قدرة‭ ‬فائضة‭ ‬قابلة‭ ‬للتدخل‭ ‬عند‭ ‬الحاجة،‭ ‬انخفضت‭ ‬حدة‭ ‬الذعر‭. ‬أما‭ ‬إذا‭ ‬شعرت‭ ‬بأن‭ ‬الهامش‭ ‬الاحتياطي‭ ‬محدود،‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬توتر‭ ‬إضافي‭ ‬يتحول‭ ‬بسرعة‭ ‬إلى‭ ‬ارتفاع‭ ‬سعري‭ ‬أسرع‭ ‬وأكثر‭ ‬حدة‭.‬

خامساً‭: ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تربح‭ ‬نفطيًا‭.. ‬لكنها‭ ‬قد‭ ‬تخسر‭ ‬نقديًا

من‭ ‬المفارقات‭ ‬اللافتة‭ ‬أن‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬قد‭ ‬يبدو‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬جوانبه‭ ‬مفيداً‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬كمنتج‭ ‬كبير‭ ‬للطاقة،‭ ‬لكنه‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬قد‭ ‬يخلق‭ ‬صداعًا‭ ‬اقتصاديًا‭ ‬داخليًا‭. ‬فكل‭ ‬ارتفاع‭ ‬مستمر‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬الخام‭ ‬ينعكس‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬على‭ ‬الوقود،‭ ‬والنقل،‭ ‬والتكاليف‭ ‬التشغيلية،‭ ‬وتوقعات‭ ‬التضخم‭. ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يبدو‭ ‬ربحًا‭ ‬لقطاع‭ ‬الطاقة‭ ‬قد‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬ضغط‭ ‬على‭ ‬السياسة‭ ‬النقدية‭ ‬وعلى‭ ‬مزاج‭ ‬المستهلك‭ ‬الأميركي‭.‬
ولهذا،‭ ‬فإن‭ ‬واشنطن‭ ‬تنظر‭ ‬إلى‭ ‬سوق‭ ‬النفط‭ ‬من‭ ‬زاويتين‭ ‬متعارضتين‭: ‬الأولى‭ ‬تتعلق‭ ‬بعوائد‭ ‬المنتجين‭ ‬وشركات‭ ‬الطاقة،‭ ‬والثانية‭ ‬ترتبط‭ ‬بالتضخم‭ ‬وكلفة‭ ‬المعيشة‭. ‬وإذا‭ ‬بقي‭ ‬النفط‭ ‬مرتفعًا‭ ‬لفترة‭ ‬طويلة،‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬قد‭ ‬يعقّد‭ ‬حسابات‭ ‬الاحتياطي‭ ‬الفيدرالي،‭ ‬ويؤجل‭ ‬أي‭ ‬مرونة‭ ‬أكبر‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة،‭ ‬خصوصاً‭ ‬إذا‭ ‬بدأت‭ ‬أسعار‭ ‬الطاقة‭ ‬في‭ ‬تغذية‭ ‬موجة‭ ‬تضخمية‭ ‬أوسع‭.‬
وقد‭ ‬انعكست‭ ‬هذه‭ ‬المخاوف‭ ‬بالفعل‭ ‬على‭ ‬الأسواق‭ ‬المالية،‭ ‬حيث‭ ‬ربط‭ ‬المستثمرون‭ ‬بين‭ ‬ارتفاع‭ ‬النفط‭ ‬وبين‭ ‬تراجع‭ ‬شهية‭ ‬المخاطرة‭ ‬في‭ ‬الأسهم،‭ ‬وسط‭ ‬قلق‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يؤدي‭ ‬تضخم‭ ‬الطاقة‭ ‬إلى‭ ‬إبطاء‭ ‬مسار‭ ‬التيسير‭ ‬النقدي‭.‬

سادساً‭: ‬الطلب‭ ‬العالمي‭ ‬لم‭ ‬ينهَر‭.. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يمنح‭ ‬الأسعار‭ ‬سندًا

العامل‭ ‬الآخر‭ ‬الذي‭ ‬يفسر‭ ‬تماسك‭ ‬النفط‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬الطلب‭ ‬العالمي‭ ‬لم‭ ‬يتعرض‭ ‬لانكسار‭ ‬حاد‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭. ‬صحيح‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬تباطؤًا‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الاقتصادات،‭ ‬وضبابية‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المؤشرات‭ ‬الصناعية،‭ ‬لكن‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬الطاقة‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬يجد‭ ‬دعمًا‭ ‬من‭ ‬السفر،‭ ‬والنقل،‭ ‬والبتروكيماويات،‭ ‬والاستهلاك‭ ‬الآسيوي،‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬الاقتصادات‭ ‬التي‭ ‬تواصل‭ ‬استيراد‭ ‬الخام‭ ‬بكثافة‭.‬
وهذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬السوق‭ ‬لا‭ ‬تواجه‭ ‬فقط‭ ‬خطراً‭ ‬على‭ ‬جانب‭ ‬العرض،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬قاعدة‭ ‬طلب‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬صلبة‭ ‬نسبياً،‭ ‬وهذه‭ ‬المعادلة‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬أي‭ ‬توتر‭ ‬جيوسياسي‭ ‬أكثر‭ ‬تأثيراً،‭ ‬لأن‭ ‬الأسعار‭ ‬ترتفع‭ ‬أسرع‭ ‬عندما‭ ‬يكون‭ ‬السوق‭ ‬أصلاً‭ ‬غير‭ ‬غارق‭ ‬في‭ ‬فائض‭ ‬كبير‭.‬
ومن‭ ‬هنا،‭ ‬فإن‭ ‬النفط‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬قفزة‭ ‬دراماتيكية‭ ‬في‭ ‬الأخبار‭ ‬كي‭ ‬يبقى‭ ‬مرتفعاً‭ ‬نسبياً؛‭ ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬يبقى‭ ‬الطلب‭ ‬مقبولاً،‭ ‬وأن‭ ‬تبقى‭ ‬الإمدادات‭ ‬محاطة‭ ‬بالمخاطر،‭ ‬حتى‭ ‬يستمر‭ ‬البرميل‭ ‬في‭ ‬التحرك‭ ‬فوق‭ ‬أرضية‭ ‬سعرية‭ ‬أكثر‭ ‬صلابة‭ ‬من‭ ‬المعتاد‭.‬

سابعاً‭: ‬إيران‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مجرد‭ ‬عنوان‭ ‬سياسي‭.. ‬بل‭ ‬متغير‭ ‬تسعيري‭ ‬دائم

الدرس‭ ‬الأهم‭ ‬من‭ ‬تحركات‭ ‬النفط‭ ‬الأخيرة‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬إيران‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬الأسواق‭ ‬مجرد‭ ‬ملف‭ ‬جيوسياسي‭ ‬موسمي،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬متغيراً‭ ‬تسعيرياً‭ ‬دائم‭ ‬الحضور‭. ‬فكل‭ ‬تطور‭ ‬يخصها‭ ‬عسكرياً‭ ‬أو‭ ‬دبلوماسياً‭ ‬أو‭ ‬بحرياً‭ ‬أو‭ ‬نفطياً‭ ‬ينعكس‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬تقييم‭ ‬المخاطر‭ ‬في‭ ‬السوق‭.‬
ولذلك،‭ ‬فإن‭ ‬تصريحات‭ ‬ترامب‭ ‬أو‭ ‬غيره‭ ‬قد‭ ‬تؤثر‭ ‬على‭ ‬المزاج‭ ‬اللحظي،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تكفي‭ ‬وحدها‭ ‬لإعادة‭ ‬رسم‭ ‬المنحنى‭ ‬السعري‭. ‬فالسوق‭ ‬تسأل‭ ‬دائمًا‭: ‬هل‭ ‬تراجعت‭ ‬المخاطر‭ ‬فعلًا؟‭ ‬هل‭ ‬أصبحت‭ ‬الناقلات‭ ‬أكثر‭ ‬أماناً؟‭ ‬هل‭ ‬انخفض‭ ‬احتمال‭ ‬اتساع‭ ‬الصراع؟‭ ‬هل‭ ‬باتت‭ ‬الإمدادات‭ ‬أقل‭ ‬هشاشة؟‭ ‬وإذا‭ ‬كانت‭ ‬الإجابة‭ ‬غير‭ ‬حاسمة،‭ ‬فإن‭ ‬النفط‭ ‬سيظل‭ ‬محتفظًا‭ ‬بجزء‭ ‬من‭ ‬علاوته‭ ‬الجيوسياسية‭.‬
هذه‭ ‬ليست‭ ‬سوقًا‭ ‬تقرأ‭ ‬التصريحات‭ ‬بسطحية،‭ ‬بل‭ ‬سوقًا‭ ‬باتت‭ ‬أكثر‭ ‬خبرة‭ ‬في‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬الهدوء‭ ‬الكلامي‭ ‬والهدوء‭ ‬الحقيقي‭. ‬ولهذا،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬ارتفاع‭ ‬النفط‭ ‬الطفيف‭ ‬في‭ ‬الأيام‭ ‬الأخيرة‭ ‬حركة‭ ‬عابرة،‭ ‬بل‭ ‬إشارة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الأسواق‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تتعامل‭ ‬مع‭ ‬الملف‭ ‬الإيراني‭ ‬بوصفه‭ ‬مصدرًا‭ ‬قائمًا‭ ‬للتسعير،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬خبر‭ ‬سريع‭ ‬في‭ ‬دورة‭ ‬الأخبار‭.‬

رجوع لأعلى